المثقف العربي وضوضاء العولمة: بقلم- الدكتور محمد الرميحي

كنت من جملة من حضر المؤتمر الكبير الذي نظمه المجلس الاعلى المصري للثقافة الاسبوع الماضي في مدينة القاهرة للحوار حول الثقافة والعولمة , وقد احتشدت في هذا المؤتمر نخبة من المفكرين والكتاب العرب, كما كانت جلساته لخمسة ايام مفتوحة للجمهور المصري الذي اقبل عليها بكثافة في الجلسات الصباحية والمسائية, ودار حوار كثيف ومتشعب في هذا المؤتمر حول العولمة وعلاقتها بالثقافة العربية, هذا الحوار الساخن زادته سخونة اجواء القاهرة الحارة على غير عادتها في مثل هذا الوقت. العولمة لمن لايعرف حتى الان ما تعني هي مفهوم غامض أراد المثقفون العرب ان يستعيروه كما استعاروا اشياء كثيرة اخرى انطلقت من الغرب, وغموض المفهوم نابع من عدم فهمه, فهي للبعض تعني أعلى مراحل الاستعمار دون جنود ومعسكرات او مدافع وبوارج, وللبعض الآخر هي هجوم للشركات المتعددة الجنسيات لسلب خيرات الأمة تحت شعارات اطلاق حرية التبادل التجاري, وللبعض الثالث هي النظام العالمي الجديد أحادي القطبية, والبعض القليل يرى انها قدر لا فكاك منه ما دمنا نعيش على هذه الارض الكونية الطابع بملابسات التقنيات العصرية التي تستخدمنا في واقع الحال اكثر مما نستخدمها. افضل ما سمعته من احد المعلقين هو ان العولمة هي للمثقفين العرب تبدو كما يصف العميان الفيل فكل منهم يصف مايقع تحت يده مباشرة فيظن انه الفيل, والفيل او العولمة هو في حقيقتة اكبر من كل الاوصاف الذاتية. لقد كان المؤتمر فرصة لفرسان الاصوليات العربية الثلاث, القومية والدينية والماركسية, لصب النقد القاسي تجاه الآخر (الغرب) كل من منظوره الخاص دون التقاء على حد ادنى يريح السامع ويعطيه شيئا يفكر فيه في نهاية المطاف, لقد كانت معظم قراءات موضوع العولمة قراءات ايديولوجية بمعنى رؤية التمركز والتوحش في الرأسمالية الحديثة ضد الآخر الضعيف وهم هنا ــ في عرف هذه القراءات ــ العرب. فرسان الاصولية العربية الماركسية ارتكزوا على مقولات ماركس ولينين لرفض العولمة على اساس انها هينمة الغرب الصناعي الحديث على مقدرات العالم الثالث وان هذا الغرب يدبر مؤامرة كبرى تجاه العالم الثالث ليمتص خيراته, والعالم العربي ليس استثناء, ولا تخرج الاصوليتان الاخريان القومية, والدينية, عن مجمل هذا المنطق الا باختلاف الاشارة الى المرجعيات الخاصة بكل منهما, ولكن السؤال الذي ظل يبحث عن اجابة مقنعة في قاعة المكتبة الكبرى في القاهرة في ذلك الجو الحار هو: ما البديل؟ هل يمكن عزل العالم العربي ولفه بورقة الحفظ ووضعه في ثلاجة حتى لا تصيبه فيروسات العولمة, الشركات متعددة الجنسيات والتجارة الحرة واشاعة حقوق الانسان؟ ان الانسان العربي قد دخل العولمة بشرها وبخيرها دون ان ينتظر اذن المثقفين ونتيجة مناقشاتهم في تجمعاتهم المغلقة, فهو يستخدم الاجهزة الحديثة في منزله, ويتوق الى الحريات التي يتمتع بها الاخرون في العالم, ويعشق المنافسة التجارية, ويحمل الهاتف النقال ويشرك ابناءه في شبكة الانترنت الدولية من بين امور اخرى كثيرة. لقد كنت اراقب في قاعة مكتبة القاهرة الكثير من المثقفين العرب اوقل جلهم, فوجدت الملاحظات التالية تتجمع لدي: الملاحظة الاولى؟: انه رغم النقد الشديد من المثقف العربي للغرب, فإن ادواته الفكرية ومرجعيته غربية, فأسماء المفكرين الذين يريد ان يقنع الناس بحجية منطقة من خلالهم هي في الغالب من الغرب, والامثلة التاريخية التي يضربها معظمها من الغرب الا فيما ندر, فهو يتحدث عن ماركس وجرامشي وهنتنجتون وعن حرب التحرير الامريكية والحرب العالمية الاولى او الثانية, وان تحدث عن الصين او اليابان فمن منظور غربي ايضا اما معظم مراجعة فهي مجلات وكتب غربية. الملاحظة الثانية: ان الملاحظات والامثلة التي قدمت من الكثيرين كانت انتقائية بل شديدة الانتقائية الى درجة ان المتابع يتشكك في بعض الاحيان ان المتكلم يلم الماما متواضعا بما يريد ان يقول: ومن الامثلة التي لفتت انتباهي تعليق غاضب من احد المشاركين ان محطة CNN التلفزيونية تقول عن نفسها (لا تصبح الاخبار اخبارا الا اذا اذيعت من الــ CNN) وهي مقولة ترويجية يذهب اليها الكثير من الشركات ولا تعني بالتأكيد ما اراد ايصاله المتحدث الى مستمعيه من ان ذلك احتكار للاخبار العالمية, اما اذا نظرنا الى مساهمات المحطات الاخبارية الدولية من جانب ايجابي فسوف نرى انها ساهمت في اشاعة الاخبار من العالم الثالث ومن البلاد العربية والتي كان مصيرها الاهمال من قبل, ولم تكن مذبحة قانا اللبنانية ــ على سبيل المثال ــ لتعرف عالميا لولا مساهمة محطة الــ CNN في التغطية الواسعة والفورية لها. الملاحظة الثالثة: اقفال الرؤية في حدود انه لم تعد هناك بدائل مطروحة غير لعن الظلام بينما ايقاد شمعة هو من المسكوت عنه في ظل هذه الندوة وفي ظل مثيلاتها وفي ذلك قراءة للبيئة الثقافية التي يعيش في مناخها العديد من المثقفين العرب, وهي في بيئة اقل ما يقال عنها انها غير واقعية وغير مرتبطة بالارض التي يعيش عليها هؤلاء سواء السياسية منها او الاجتماعية او الاقتصادية. ولقد نتج من الخطاب غير الواضح والمتردد تخوف مرضي على وضع ما سماه البعض الثقافة العربية في مواجهة العولمة, في الوقت الذي مرت به الثقافة العربية بالكثير من المتغيرات بما فيها الاستعمار المباشر الذي غير لغات افريقية وآسيوية بينما لم يغير مثلا في رسوخ اللغة العربية, فالثقافة العربية مثلها مثل الثقافات الحية تتفاعل مع الغير وتهضم وتتكيف ولكنها لا تمحى او تزول, وبلاد مثل الهند عندما وجدت ان لالغة قومية يمكن ان تستقر عليها تبنت اللغة الانجليزية في معاملاتها الرسمية, ولكن هذه اللغة كيفتها ثقافة الهند من جهة كما ان الثقافة الهندية لم تفقد خصوصياتها رغم افتقادها للغة جامعة بل ان الخبراء في اللغات يفترضون ان اللغة الانجليزية الهندية سوف تفترق عن اللغة الانجليزية المعروفة الآن. لقد توقف العرب كثيرا وناقشوا فيما بينهم الكثير من الظواهر الانسانية في هذا القرن على الاقل, وقفوا في بعض الاحيان مقاومين لتلك الظواهر العالمية, ولكنهم قبلوها في آخر المطاف, لقد كان من بينهم من رفض التعليم الحديث, وكان من بينهم من رفض تعليم اوعمل المرأة, بل لقد كان من بينهم من قاوم تغيير الزي, كل ذلك في حينه بدعوى الخوف على الثقافة والتراث, وبعضهم الآن يقاوم تقارب السلوكيات العالمية التي يسميها البعض العولمة رغبة في سد المنافذ والابقاء على القديم دون تقديم بديل يساير العالم الذي يتشابك في المصالح. العولمة والتعامل معها بنجاح مثلها مثل سائر الظواهر العالمية مرهون قبولها بطريقة التعامل معها, اي بقراءتها الخصبة والفعالة التي تبتكر طرقا جديدة للتفكير والعمل, وكل مجتمع يمكن ان يستفيد من العولمة ان استخدم الميزة النسبية المتوافرة له في هذا العالم شديد التنافس, فلم ينكفىء اليابانيون او الكوريون على انفسهم بل شاركوا في البداية كمقلدين رخيصي الثمن ثم كمبتكرين مرتفعي الثمن في الصناعات الحديثة, وعلى العرب ان ينظروا في عناصر ثقافتهم المقاومة للتغيير مهما كانت اجتهاداتهم الايديولوجية لتذليل هذه العناصر وتقديم شبكة من المفاهيم بعيدة عن الشبكة التي صاغتها النخبة العربية البعيدة عن نبض الشارع او التي تحتكر الحديث باسمه وتعيد تركيب المقولات السابقة الرافضة في اشكال جديدة تصورا منها انها تخدمه بينما هي تعوق نموه. لقد سألني صحفي مبتدىء في آخر ايام الندوة: ما الذي خرجنا به من الندوة؟ قلت: ما هو فهمك لها؟ قال: لم استفد شيئا.. قلت هذا هو المراد!! رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية*

تعليقات

تعليقات