مع الناس: بقلم عبدالحميد أحمد

لعل الكلمة التي ألقاها الرئيس الامريكي بيل كلينتون في احتفال اعلامي امريكي مؤخرا, بمناسبة مرور 50 عاما على قيام اسرائيل, لا يحسن مثلها بنيامين نتانياهو نفسه ولو حاول ذلك بمعاونة كل مستشاريه , فالرئيس الامريكي نضح من انائه وافاض واجزل في مدح اسرائيل, ما يعجز عنه كل مواطن اسرائيلي وما يغني اسرائيل بقضها وقضيضها عن اي كلام آخر, فقد كان كلينتون في مدح اسرائيل جهيزة التي قطعت قول كل خطيب. فقد اشاد في هذا الاحتفال الذي اقامته شبكة سي. بي. إس الامريكية, ونشرنا منذ أيام مقتطفات مما قاله, بالانتصارات (غير العادية) التي حققتها دولة اسرائيل منذ تأسيسها, واضاف في كلمته المتلفزة امام اعلاميين وفنانين وممثلين من اصل يهودي أو من المتعاطفين مع اسرائيل, انها استطاعت (كسب المعارك) التي خاضتها, وان شعبها عرف (الدم والدموع) , وانها الان تشن الكفاح الاهم في تاريخها (من أجل سلام دائم وآمن) . اما ان شعبها عرف الدم والدموع فهذا مؤكد لا يحتاج إلى شهادة من كلينتون, لولا انهما دماء ودموع النساء والارامل والشيوخ والاطفال من الفلسطينيين الذين ذبحتهم العصابات الصهيونية وشردتهم وطردتهم من منازلهم, على مدى الخمسين عاما الماضية, من مذابح دير ياسين وصولا إلى صبرا وشاتيلا وما بينهما من بطش مستمر, هو ما يجعل الشعب الاسرائيلي يعرف اكثر من غيره الدم والدموع, لانه يراهما كل يوم تقريبا في ضحاياه. اما عن الانتصارات غير العادية والمعارك التي كسبتها اسرائيل فهي مؤكدة مرة اخرى ولا تحتاج إلى ادلة أو اثباتات, فآثارها واضحة على اسرائيل وغطرستها الحالية وفي كل وقت مضى, لولا ان الرئيس الامريكي لا يتحدث عن كيفية تحقيقها ونجاح اسرائيل فيها, لأن من الواضح ان هناك امريكا اخرى غير التي يرأسها كلينتون هي التي تقدم السلاح والمال والدعم السياسي المستمر لاسرائيل, بما في ذلك تمكينها من امتلاك السلاح النووي, فهذا الرئيس لا يعرف مثلا ان هناك قوة عظمى اسمها امريكا هي التي تسببت في انتصارات اسرائيل كما يزعمها, وانه رئيسها الحالي, فيعترف بمصدر هذه الانتصارات. وبما ان الامور اختلطت على الرئيس إلى هذا الحد, كما تختلط الدموع في عينيه فتحجب رؤية الحقائق, فقد اختلط عليّ الامر اكثر, فاعتقدت ان بنيامين كلينتون هو رئيس اسرائيل الفعلي, فيحق له ان يدافع عن بلاده وان يذرف عليها الدموع أيضا, ثم عدت إلى اصلاح ما اخطأت فيه, قبل فوات الاوان فيتهمني القارىء بالجهل, فتوصلت إلى الحقيقة في ان بيل نتانياهو هو الرئيس لما يسمى بالولايات المتحدة الاسرائيلية, وهي دولة لم يسمع بها القارىء بعد, وسوف نحتفل بعد خمسين عاما اخرى من الان بمرور قرن على قيامها. لذلك لا فائدة مثلا من اي محاولة لمناقشة آراء وافكار كالتي صدرت من بيل كلينتون أو المتوقع صدورها اكثر منه ومن بقية موظفيه الرسميين في البيت الابيض, كفخره بنجاح اسرائيل بتحويل الصحراء إلى ارض مزدهرة, وهي آراء نتوقعها من امريكيين اكثر من اسرائيليين, لان في بعض اولئك من هو اسرائيلي اكثر من اسرائيل, فيحتفل هؤلاء بتأسيس هذه اكثر من اي احتفال بتأسيس الولايات المتحدة الامريكية نفسها. غير اننا نختم بزعم الرئيس الامريكي ان اسرائيل تمكنت من بناء دولة ديمقراطية (على أرض معادية) فنتفق معه لأول مرة في مفهوم الارض المعادية, والذي يتضمن استخدامه اعترافا ضمنيا ولو كان غير مقصود باغتصاب الارض, الا ان الديمقراطية المزعومة التي تقوم على دماء ودموع اصحاب الارض لا تستحق ان تذكر الا عند من في عينيه خشبة تحجب عنه رؤية الجمل هي تحديدا عين الرضا عن كل عيب كليلة في حالة كلينتون.

تعليقات

تعليقات