الولايات المتحدة... وتطبيق نظرية الحلول في أفريقيا: بقلم: د. حسن ملحم

ما الذي يريده بيل كلينتون من افريقيا, ما الذي جاء ليبحث عنه, هل شده الحنين إلى عصر العبودية فقرر ان يرمي شباكه لعله يصطاد بعضهم ام انه يقوم بمناورة بحتة يمكن ان يخلص فيها ما تبقى لفرنسا في القارة رغم ان ما تبقى لها فيها لم يعد تشكل الا جزءا من ذكريات ماض استعماري لا مجال للتفاخر فيه ؟ قبل وصول الرئيس الامريكي لافريقيا لم يجد افضل من تقديم طعم (ذهبي) اذ الغى ديون بعض دول القارة بما قيمته 30 مليون دولار, شرط ان تجري اصلاحات عميقة لتحرير اقتصادها, علما ان احد مسؤولي البيت الابيض قد اكد بأن المستفيدين من هذا (الطعم) لم يتم تحديدهم بعد. بيل كلينتون جاء ليشارك في قمة عينتبي الاوغندية وليزور بعدها كلا من رواندا وجنوب افريقيا وبوتسوانا وغانا والسنغال, حاملا تعليماته وارشاداته للحث على الديمقراطية, وتحرير السوق واحترام حقوق الانسان, ولان بعض الزعماء الافارقة على يقين بان امريكا لا تقدم شيئا مجانا فقد قرروا مقاطعة القمة, في مقدمة هؤلاء روبرت موجابي رئيس زيمبابوي والرئيس الحالي لمنظمة الوحدة الافريقية, بحجة ضيق الوقت, علما ان امريكا قد رفضت دعوة رئيس بوروندي بيار بويويا الذي استولى على السلطة في عام 1966 بواسطة انقلاب, وبديهي انها اعترضت على حضور الزعيم الليبي أو الزعيم السوداني, رغم ان القمة هي افريقية لا امريكية, في المقابل, فان واشنطن اصرت على حضور لوران كابيلا الرئيس الكونجولي, فحسب ساندي بيرجر ان بيل كلينتون يعتقد بان من المهم التحدث معه, ولم لا طالما ان كابيلا هو رجل امريكا ــ وامريكا هي التي دعمته ضد موبوتو رجل فرنسا؟ الولايات المتحدة ترفض التدخل في الشؤون الداخلية الا انها تحلل لنفسها كل ما تحرمه على الغير, وعلى سبيل المثال فقط فانها قد رفضت دعوة الجنرال ساني اباشا الزعيم النيجيري بحجة انها مستاءة مما يحصل في نيجيريا, وهي عازمة حتما على تشديد عقوباتها عليها لانها تطالب الجنرال بالابتعاد عن السلطة وتسليمها لحكومة مدنية. ليبيا تحت العقوبات والسودان ايضا ونيجيريا, بانتظار بوروندي ودول اخرى (تستاء) منها واشنطن, ديون القارة الافريقية تقترب حاليا من 223 مليار دولار, منها لامريكا 4.6 مليارات دولار, ومع ذلك فان المشكلة ليست هنا انما هي في الديمقراطية, فامريكا تفضل الديمقراطية حتى وان كانت في ظل الفقر والجوع والحروب الاهلية. امريكا عندما بدأت بتطبيق نظرية الحلول تجاه بريطانيا الاستعمارية فانها قد فعلت ذلك بناء على طلب بريطانيا نفسها, ورغم ان (فرنسا العظمى) كانت قد دخلت هي الاخرى في مرحلة الافول الا انها لم تدع امريكا إلى شيء, وصحيح انها مازالت تبدي ممانعة تجاه الممارسات الامريكية الا انها ممانعة خجولة مترددة, ربما لان باريس تعي تماما بانه لا مجال للاعتراض نتيجة افتقارها للوسائل, وربما لانها تعلم ايضا بأنه ليس من عادة امريكا الاستماع لمعارضة الاخرين حتى وان كانوا من حلفائها التقليديين. والحقيقة ان المجابهة بين البلدين, بالنسبة لافريقيا, قد كانت صريحة ومعلنة وخاصة عندما قام وارن كريستوفر بجولته الافريقية في اكتوبر عام 1996 على اساس انه هو الذي بدأ المعركة عندما حذر باريس في خطاب القاه في جوهانسبرج حيث قال بأنه لم تعد هناك (مناطق نفوذ خاصة) في افريقيا. خلال السنوات الاخيرة تلقت فرنسا اكثر من ضربة في القارة, الا ان اهم هذه الضربات قد كانت في رواندا عام 1997 اذ بعد ان تولى السلطة بول كاجامي اصبحت اللغة الانجليزية لغة رسمية على قدم المساواة مع الفرنسية, لتبقى ضربة الكونغو في مايو من عام 1997 هي الاشد مرارة حيث سقط موبوتو وتولى لوران كابيلا السلطة بدلا منه. مادلين اولبرايت كانت قد قامت بجولتها الافريقية خلال شهر ديسمبر 1997 معبرة عن موازين القوى الجديدة في القارة والتي يجب ان تتم لحساب امريكا على حساب فرنسا, ومع ذلك فان باريس لم تحرك ساكنا, ولن تفعل اكثر من الصمت اليوم بمناسبة جولة بيل كلينتون لسبب بسيط شرحته مارينا سيسارو الخبيرة في الشؤون الافريقية في معهد كادينجي, ان الفرنسيين لم يعودوا قادرين أو مستعدين لدفع الثمن اللازم لابقاء البلدان الافريقية الناطقة بالفرنسية ضمن دائرة نفوذهم. وهذا صحيح حتما, فرغم ان جاك شيراك يؤكد بأن فرنسا, ومن خلال الفرانكوفونية, تبقى حريصة على توطيد علاقاتها التاريخية مع افريقيا والشرق وامريكا ومنطقة الباسفيك, الا ان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية يعلن انه ليس هناك اي منطقة نفوذ خاصة أو اي منطقة ممنوعة, سواء في افريقيا أو خارجها. بيل كلينتون كان قد صرح في العام الماضي, وبمناسبة حرب الكونغو بانه ليس في نيته طرد فرنسا من افريقيا, وانما فقط مساعدة افريقيا على الانطلاق. كما هو ملاحظ فانه شعار انساني بحت, الا انه يذكرنا بالاستعمار العسكري القديم أو بالوصاية والانتداب والحماية, فجميعها اسماء مختلفة الا انها اجتمعت جميعا على شعار, مساعدة الشعوب الضعيفة في النهوض, ولعل السبب هو الذي دفع بباريس إلى القول بانه لامر جيد جدا ان يهتم بيل كلينتون بافريقيا, ومع ذلك فان اهتمام الرئيس الامريكي بافريقيا لابد وان يكون لحساب امريكا لا لحساب افريقيا, أو فرنسا, ولانها حقيقة لامراء فيها فان البروفيسور ريتشارد انطوني من جامعة ايموري ابولاية اطلنطا يقول بان جولة كيلنتون في افريقيا ستتسبب بتوتر اعصاب هائل في فرنسا, وعلى نطاق البيت الابيض فان أحد المسؤولين فيه يصرح بأن الفرنسيين قد درجوا تاريخيا على الشعور بالقلق بمجرد أن يبدي أحد اهتماما بافريقيا الفرانكوفونية. لغة التخاطب وكما هو ملاحظ بين باريس وواشنطن ليست على ما يرام, وقد كانت كذلك منذ أن دشنها الجنرال ديجول ورغم أن العاصمتين قد تحدثتا بلغة (التحالف) أحيانا كما حدث في حرب تحرير الكويت الا ان الخلفيات تظل متناقضة.. والتناقض جذري ايضا. لقد أثبتت الولايات المتحدة الامريكية حضورها على المستوى الاسيوي وعلى مستوى الشرق الاوسط وأوروبا الشرقية, ومنذ زمن بعيد على مستوى أمريكا الوسطى والجنوبية.. وتأخرت نوعا ما على مستوى افريقيا الا ان الفرصة مازالت أمامها ولابد من اغتنامها. فرصة أمريكا اليوم تتميز بتراجع النفوذ الفرنسي من جهة وبالتبدلات التي طرأت على عدد من الأنظمة السياسية من جهة اخرى. فعمليا لم تعد هناك الا السنغال كدولة خاضعة للنفوذ الفرنسي, وبما أن عبده ضيوف قد قام مؤخرا بزيارة للولايات المتحدة فإن البيت الابيض قد اعتبرها (دعوة) رغم انها ليست دعوة واضحة لاستبدال النفوذ الفرنسي بالنفوذ الامريكي. فرنسا تدعي بانها لا تريد أن تعكر الاجواء, مثلما حدث بمناسبة جولة كريستوفر, الا ان أمريكا لا تهتم بما تريده بفرنسا بقدر اهتمامها بما تريده هي, أما لماذا هذا الموقف الفرنسي المتخاذل, وبغض النظر عن الاستعداد والامكانيات, فان عددا من السياسيين يعتقدون بان فرنسا قد باتت تمثل (الماضي) بالنسبة لافريقيا, ولان افريقيا تبحث عن الحاضر والمستقبل في أن واحد فان ضالتهم لم يجدوها الا في أمريكا, حتى وان كان الثمن المنتظر دفعه هو ثمن باهظ, فامريكا مهما كانت حسنة النية الا انها لم تأت الى القارة الافريقية لمجرد البحث عن الديمقراطية. ان للدولة العظمى أهدافها وخططها. خاصة وأنها غالبا ما ادعت بأنه ليس من عادتها ان تترك شيئا للصدفة. قد نستطيع القول بأن فرنسا قد ملت افريقيا على أساس أنها تعطيها ولا تأخذ منها ــ حسب الادعاءات الفرنسية ــ ولهذا فقد اتجهت نحو مناطق اخرى كالشرق الاوسط (للتعويض) ومن اجل ان تأخذ لا ان تعطي, ولان امريكا تبحث عن الامتداد في كل مكان فقد جاءت افريقيا, ولا نظنها قد جاءتها لتعطي لا لتأخذ. في ذات الوقت الذي لن تفرط فيه بمصالحها في الشرق الاوسط, اي ان المعركة بين واشنطن وباريس مرشحة للتوسع حتى بعيدا عن القارة. بيل كلينتون في افريقيا.. ولكن بعد أن كان الكونجرس قد أقر قانونا لتعزيز الروابط التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا. وصفه راندال روبنسون أحد قادة مجموعات الضغط الامريكية التي تعمل لصالح افريقيا.. بأنه قانون ينبغي ان نطلق عليه (قانون إعادة استعمار أفريقيا) . ممالا شك فيه ان كلينتون يأمل بفتح سوق ضخمة للبضائع الامريكية, مركزها في منطقة البحيرات العظمى التي تضم بعض الدول (الحليفة) مثل كينيا او رواندا أو أوغندا, الأمر الذي يعني بان الرئيس الامريكي يصب اهتماماته على المسائل التجارية لا على مسائل الديمقراطية وحقوق الانسان.. حتى وان ادعى العكس. إنها حالة شاذة تتعرض لها القارة السوداء, وتعد واحدة من افرازات فوضوية النظام الدولي الجديد. فأمريكا ان كانت تبحث عن توطيد نفوذها وتدعيم عظمتها.. على حساب حلفائها وأعدائها في آن واحد, فان دولا أخرى من أمثال فرنسا.. أو اليابان تبحث من جهتها عن تجديد (تأهيلها) لدور العظمة, من خلال محاولات مضنية هدفها الزام أمريكا بالاعتراف لها بمبدأ (الشراكة) الذي ما انفكت ترفضه بكل عناد. أفريقيا غالبا ما اعتبرتها فرنسا مجرد حديقة استجمام لها الا أن ظروف فرنسا قد تبدلت لا ظروف افريقيا, ولان امريكا قد قررت التهام مالها وما لحلفائها.. وفي أي مكان من الأرض فإن افريقيا قد تسهل لها مهمتها فكثير من الناس في القارة السوداء طالما طرقوا على الأبواب من غير أن يسمعوا جوابا. كاتب سوري*

تعليقات

تعليقات