مغزى يوم الأرض الخالد: بقلم- نعيم الأشهب

معروف ان اسم (يوم الأرض) ارتبط بحادث اطلاق النار على اهالي قرى سخنين وعرابة ودير حنا, في الثلاثين من مارس ,1976 بأمر من وزير الدفاع آنذاك, شمعون بيريز, وقتل سبعة منهم وهم يدافعون عن أراضيهم في وجه محاولة اغتصابها ومصادرتها . لكن هذا الحدث الدامي لم يكن الا محطة أو علامة على طريق بطول قرن من الزمن ولا يزال, صبغته دماء الآلاف المؤلفة من الشهداء الابرار, في صراع مصري لا ولم ينقطع حتى يومنا هذا, على الارض. وكانت شرارة انطلاق هذا الصراع عندما اعلن هرتسل, مؤسس الحركة الصهيونية السياسية, قبل قرن من الزمن, مقولته العنصرية المعروفة (شعب بلا أرض, لأرض بلا شعب) , ومن بعد ذلك صاغت الحركة الصهيونية شعار احتلال الأرض والعمل, الذي استهدف ليس فقط انتزاع الارض من الفلسطينيين, بل وحرمانهم من العمل فيها ايضا. وكان التشريد المبرمج عام 1948 لمئات الألوف من الفلسطينيين احد وسائل فصل الانسان الفلسطيني عن ارضه. وعندما احتل الاسرائيليون, في عدوان ,1967 بقية الارض الفلسطينية, راحوا يتصرفون وكأن هذه الارض المحتلة, بدورها, تعود لهم. واليوم, تشكل حكومة نتانياهو من دعاة اسرائيل الكبرى وانصار الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة, الذين يمثلون نصف المجتمع الاسرائيلي, ويرفضون أي انسحاب من هذه المناطق ويعتبرونها ارضا اسرائيلية. وقد عاد نتانياهو من جديد للتعبير عن هذه الذهنية في رده مؤخرا على سؤال بالقول: (الصراع على التسوية الدائمة مع الفلسطينيين هو صراع مفتوح. ونحن نبذل جهدا متواصلا للحفاظ على المعظم (من المناطق) وعلى مناطق كنت سآقاتل من اجلها حتى ولو لم تكن لها قيمة امنية. اننا نعمل هنا اتفاقا صعبا, يلزمنا بتسليم مناطق من ارضنا, ولذك فنحن نصارع) . وخلال زيارته الاخيرة لأوروبا, قال نتانياهو: (مشكلتنا مع الاوروبيين هي ان لهم ماض كولونيالي, وهم يعتقدون ان الهضاب من حول القدس أو نابلس متشابهة لتلك التي سيطرت عليها, في الماضي, القوات الفرنسية في الجزائر أو الاسبانية في الفلبين) وأضاف: (الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تفهمنا, ليس نتيجة وجود جالية يهودية كبيرة فيها, ولكن لأن الامريكيين متطابقون معنا في ارض الميعاد, مثل امريكا) . وعلى صعيد آخر, فقد حرص زعماء اسرائيل منذ تأسيسها, وعلى رأسهم ديفيد بن جورويون على حصر الارض في ايدي الدولة, لمنع عودة اي اقسام هامة منها لأيد عربية. وهكذا فإن ملكية الدولة من الاراضي في اسرائيل تبلغ 92% (داخل الخط الاخضر), في حين ان هذه النسبة تبلغ, مثلا, 40% في أوروبا و30% في الولايات المتحدة. ومع هذا, فقد احتاط بن جوريون, لاحتمالات المستقبل, وقام في وقت مبكر بعد قيام دولة اسرائيل بتحويل مليوني دونم من الارض لملكية الوكالة اليهودية. وعلى هذه القاعدة, ردت مؤخرا محكمة العدل العليا الاسرائيلية طلب زوج من الشباب العرب داخل اسرائيل, لاستئجار قطعة ارض شأن بقية مواطني الدولة. واليوم, مطروح امام الكنيست, مشروع قانون لخطة وضعها الوزير الليكودي اريل شارون بالتعاون مع ابراهام بورج رئيس الوكالة اليهودية, ومن حزب العمل, تهدف الى نقل ملايين الدونمات الاخرى في المناطق العربية داخل اسرائيل, كالجليل والمثلث, والنقب على وجه الخصوص, الى ملكية الوكالة اليهودية, وذلك كنوع من التحايل على قانون (دائرة الاراضي) الاسرائيلية الذي يسمح لمواطني دولة اسرائيل, يهودا وعربا, بحق استئجار قطع من اراضي الدولة لمدة تتراوح بين 49 و99 سنة. اما قانون الوكالة اليهودية وانظمتها فتحرم هذا الحق على العربي وتحصره باليهودي فقط. لكن شارون ومن معه في مخططه هذا, لا يكتفي بذلك, بل ويريد لهذا القانون ان يشمل الاراضي الفلسطينية الواقعة تحت تصنيف (ج) والتي تبلغ اكثر من 70% من مساحة الضفة الغربية. وقد صرح شارون علنا بأن هدفه من وراء ذلك هو الحيلولة دون وقوع هذه الاراضي ــ داخل اسرائيل وفي منطقة (ج) المحتلة في ايد غير يهودية. وبموجب مشروع شارون ــ بورج هذا, ستكون هذه الاراضي متاحة لأي يهودي, ليس فقط في الداخل بل وفي الخارج, ويعتبر شارون هذا المشروع هدية اليوبيل الخمسيني لقيام دولة اسرائيل. وفي هذا الصدد, فإن نتانياهو يأخذ على شعبنا مجرد اعتبار ما جرى قبل خمسين عاما بالنكبة, ويعتبر ذلك بكل جدية خرقا للاتفاقات الموقعة, ويريدنا, بكل بساطة, ان لا نرى من قطعة العملة الا وجهها الآخر, وهو قيام دولة اسرائيل, وكأنها ولدت على فراش من حرير, وليس فوق اشلاء شعبنا ودمائه وعلى حسب انتزاع ارضه. وبينما يعتبر نتانياهو ان الاراضي الفلسطينية المحتلة هي اراض اسرائيلية! وان اي جزء منها (يتنازل) عنه للفلسطينيين انما هو من اجل تحقيق تسوية معهم!! فإن ادارة كلينتون الامريكية بدورها, تعتبر هذه الاراضي مناطق متنازع عليها!! وليست اراض محتلة بقوة السلاح. وقد اكد هذا المفهوم المتحدث باسم الخارجية الامريكية, جيمس فولي بقوله: (من الواضح انها (أي المناطق الفلسطينية المحتلة) منطقة وأرض انها يجب ان تكون موضوع مفاوضات في اطار مفاوضات حول وضعها الدائم) (3). وعلى كل حال, فإن عملية نزع ملكية الارض من فلسطينيي الداخل وتحويل قراهم وبلداتهم الى شبه فنادق يؤمونها للنوم, بعد تجريدها من معظم اراضيها الزراعية. ان كل ذلك لم يمنع تشبثهم بالبقاء في وطنهم. وفي جنوب افريقيا فعل البيض الشيء ذاته باستيلائهم على افضل واخصب الاراضي الزراعية ومناطق المناجم, لكن ذلك لم يمنع تصفية النظام العنصري هناك, وبالتالي: عودة الارض لأصحابها الحقيقيين. وانه لذو مغزى, في هذا الصدد, التحذير الذي اطلقه شمعون بيريز, اياه الذي امر قبل 22 عاما باطلاق النار على اهالي القرى العربية, وذلك في 15/2/98 بالقول من ان العرب واليهود (يسرعون نحو المأساة اذا لم تقم دولة فلسطينية) , وأضاف: اذا لم تقم دولة فلسطينية فالدولة اليهودية ستتحول الى دول ثنائية القومية وسيكون ذلك مأساة لنا جميعا. وقدر ان عدد سكان اسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة سيبلغ في غضون عشرين عاما, عشرون مليون نسمة. وجدير بالذكر, في هذا الصدد, ان نتائج عملية الاحصاء التي اجرتها السلطة الفلسطينية, في ديسمبر ,1997 تشير الى ان مجموع عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس العربية حوالي ثلاثة ملايين نسمة, واذا اضيف لهم فلسطينيو اسرائيل الذين اصبحوا قرابة المليون, فإن ذلك يجعلهم متقاربين مع عدد اليهود في اسرائيل والبالغ اربعة ملايين ونصف المليون. واليوم, اذ يتمحور الصراع مع حكومة نتانياهو حول قضيتي وقف الاستيطان وتحرير الارض, ومع ان هاتين القضيتين المركزيتين مترابطتان عضويا, فإنه لو افترضنا جدلا امكانية فصلهما والمفاضلة بينهما, فإن وقف الاستيطان هو الهدف الاكبر الحاحا. فحتى لو طال امد الاحتلال سنين اخرى, تضاف الى السنين الطويلة التي انقضت عليه, فإن شعبنا يمكنه ان يتحمل ذلك طالما توقف سرطان الاستيطان الذي يهدد بابتلاع الارض التي بدونها يغدو الحديث عن تحقيق اهداف شعبنا في اقامة دولته الوطنية, بلا مضمون ولا معنى.

تعليقات

تعليقات