قضية لوكيربي: ليبيا والعرب... والعدالة الدولية بقلم -د. عبدالله عبدالرحمن سعيد

قد لا نبالغ فيما لو قلنا بأن المنظمة الأممية لم تثبت جدواها على مدى نصف قرن مضى, فحتى تاريخ السقوط السوفييتي شلت بفعل الصراع التنافسي بين الولايات المتحدة وامبراطورية الشر من أجل السيطرة على العالم , وابتداء من ذلك السقوط فان الولايات المتحدة هي التي احتكرتها لذاتها بهدف اقناع الكل بأنها الدولة الأعظم. كوفي عنان الذي جاءت به واشنطن بديلا لبطرس غالي, فانه, ولأول وهلة, لا يحمل أي انطباعات ايجابية عن امكانياته المحتملة بشأن ادخال أي تغييرات على الوضع القائم بيد أن نجاحاته بشأن اتفاقه مع بغداد حول مسألة تفتيش القصور الرئاسية قد تركت انطباعات مقبولة, لنتساءل في هذا الصدد عن استطاعته التدخل للخروج بحل (عادل) لقضية لوكيربي. ليبيا منذ ان اتهمت بتفجير طائرة بأن امريكان فوق القرية الاسكتلندية لم تمانع بمحاكمة المتهمين فوق ارض محايدة, كدليل اولي على براءتهما, وكدليل واضح ايضا على حسن نيتها, الا ان امريكا ــ وكدولة عظمى ــ ومعها بريطانيا كدولة تابعة, لم تحتكما الى العقل او المنطق انما اصرتا على تسليم المواطنين الليبيين اليهما... كدليل لعدم ثقتهما بأي عدالة عالمية اخرى... وهنا يكمن الشطط الذي كانت قد عبرت عنه واشنطن عمليا يوم اقدمت على شن عدوانها عام 1996 ضد طرابلس وبنغازي وضد السكن الشخصي للعقيد القذافي. مجزرة ارهابية حمقاء لم تجد نفعا بقدر ما دلت على حجم التهور الامريكي في نطاق التعامل مع الدول الصغرى. محكمة العدل الدولية في لاهاي قد اتخذت قرارها باجماع ثلاثة عشر صوتا ضد صوتين فقط هما للقاضيان الامريكي والبريطاني, أكدت فيه على اختصاصها للفصل في ملف النزاع, الامر الذي يغني مباشرة تحويل الموضوع الى قضية قانونية بدلا من قضية سياسية خاصة وان ليبيا كانت تقدمت بشكواها في الثالث من مارس 1992 وقبل صدور القرار 748 من مجلس الامن الدولي الذي يقضي بفرض جزاءات عقابية ضدها, أي ان امريكا قد أجبرت المجلس المذكور على اصدار قراره من دون اي اعتبارات لمحكمة لاهاي. ست سنوات مضت على القرار الاممي وست سنوات ايضا استغرقتها محكمة لاهاي في دراسة الشكوى الليبية, حيث ان المحكمة اذا ما أكدت هنا بطلان قرار مجلس الامن فانها قد أكدت ايضا بطلان المعايير التي تستند واشنطن اليها, لتؤكد بالتالي ضرورة سيادة القانون الدولي لا سيادة العظمة والقوة لدولة ما حتى لو تعلق الامر بالولايات المتحدة. اتفاقية مونتريال لعام 1971 حول سلامة الطيران المدني الموقعة من قبل امريكا وبريطانيا وليبيا معا تجيز للقضاء الوطني ممارسة اختصاصاته الأولية, وهذا ما فعله القضاء الليبي, الا ان امريكا وبريطانيا لم تعترف بهذا القضاء بل انهما لا تعترفان حتى بالنظام السياسي الليبي, فليبيا دولة من العالم الثالث والعالم الثالث لم يرق بعد الى مرتبة الدول العظمى لا سياسيا ولا اقتصاديا فمن باب أولى ان ان لا يرقى الى هذه المرتبة قضائيا. وهنا دليل على الاشكال الفوقية التي تضمرها الدولتان في علاقاتهما مع الغير بل ان هذه الاشكال قد برهنت عليها الولايات المتحدة حتى في تعاملها مع البلدان الاوروبية... فكيف اذا ما نحن تطرقنا الى بلدان الجنوب. ثلاث سنوات كانت قد مضت على حادث التفجير اصدرت بعدها امريكا وبريطانيا اتهاما قضائيا متوافقا (المحكمة المحلية لولاية كولومبيا والنائب العام الاسكتلندي) يتهم المواطنين الليبيين بوضع مادة متفجرة على متن الطائرة التي كانت قد انطلقت من مطار هيثرو بلندن, وعقب الاتهام القضائي اصدرت كل من واشنطن ولندن بيانا مشتركا تطالبان فيه ليبيا بالاعتراف بمسؤوليتها عن الحادث ومن ثم تسليم المتهمين, اضافة الى التزامها بتقديم المعلومات والوثائق التي بحوزتها ودفع التعويضات المناسبة, وبعد ايام فقط صدر بيان مشترك آخر انضمت اليه باريس هذه المرة يتهم الجماهيرية بممارسة الاعمال الارهابية حيث اضاف الى طائرة البانام الامريكية طائرة يو. تي. اي الفرنسية الى ان صدر قرار مجلس الامن 731/92 الذي طالب ليبيا بالتعاون بشأن تحديد المسؤولية, ورغم ان ليبيا لم تقصر في هذا النطاق الا ان مجلس الامن, وبفضل الضغوطات الامريكية على الاخص سرعان ما اتخذ القرار 748 الذي فرض مجموعة من الجزاءات والعقوبات على الشعب الليبي. اجهزة الاعلام الغربية في اتهاماتها للجماهيرية قد نظمت حملة تشويهية من الدرجة الممتازة الا انها لم تستطع ان تغطي على دور وكالة المخابرات المركزية والموساد الاسرائيلي اذ ان بعض الوثائق قد تحدثت عن عملية تهريب مخدرات, هذه الوثائق كان يحملها منسق الانشطة الاستخباراتية الامريكية في لبنان والذي كان على متن طائرة البانام ثم قتل في الحادث. نحن من جهتنا لا نشك بأن ليبيا قد أظهرت حسن نيتها الى اخرى مدى ثم انها لم ترفض ابدا تسليم مواطنيها لمحاكمتهما فوق ارض محايدة, والدليل على ذلك ان محكمة العدل الدولية قد اصدرت قرارها لمصلحة الجماهيرية بيد ان لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا حسابات قديمة ارادتا تصفيتها بهذه المناسبة وخاصة تجاه العقيد القذافي الذي طالما بموافق مناوئة للسياسة الامريكية سواء على مستوى الشرق الاوسط او افريقيا او البحر الابيض المتوسط ولأن اسرائيل ليست (بريئة) في هذا السياق فان مسألة الصراع العربي الاسرائيلي ومسيرة السلام قد لعبا دورهما في تشكيل ردة الفعل الامريكية البريطانية المشتركة. ان قضية لوكيربي هي قضية قانونية وكل من واشنطن ولندن قد ادخلاها الدائرة السياسية منذ البداية, فاذا ما بقيت قضية قانونية لابد وان تفضح التحقيقات (المحايدة) خفايا كثيرة لا تريد العاصمتان خروجها الى الضوء, ولهذا فانهما يبقيان عليها قضية سياسية على اساس ان التداخلات السياسية هي وحدها القادرة على ستر ما تريدان ستره ومع ذلك فاننا لا نقتصد ان قرار محكمة العدل الدولية قد يؤثر على المواقف الامريكية البريطانية... فكل منهما قد اظهر دائما ازدراءهما لمبادئ القانون الدولي, قولا وعملا. ان النزاع بحد ذاته لم ينته ولا يمكن ان ينتهي قريبا اذا ما نحن استندنا الى طول الاجراءات على نطاق محكمة لاهاي, وهذا بالاحرى ما يدفعنا الى المطالبة بضرورة اتخاذ موقف عربي مشترك يخلص الجماهيرية وشعبها من العقوبات الجائرة التي باتت تفرضها الولايات المتحدة على ما لايقل عن 40% من شعوب العالم, ونحن كعرب يكفينا العقوبات التي خلفت حتى الان الالاف والالاف من الضحايا في العراق وفي مقدمة هؤلاء الاطفال الذين يفترض فيهم بأنهم نواة الاجيال المقبلة. ليبيا قد سوت مع فرنسا مشكلة طائرة يو تي اي عن طريق التعاون الثنائي بين قضائي الدولتين. وهذه التسوية قد شكلت خذلانا لكل من امريكا وبريطانيا, الى ان جاء قرار محكمة لاهاي ليشكل جزءا اضافيا في هذا الخذلان الذي يجب ان نعده دوليا لاعلى مستوى العلاقات مع الجماهيرية فحسب, ومع ذلك فان الدولتين لم تتنازلا عن اصرارهما بشأن (اخضاع) الجماهيرية (واهانتها) كشعب ونظام سياسي في آن واحد. ليبيا قد كسبت الى جانبها مجموعة اخرى من الانصار الذين كانوا مترددين, بينما خسرت الدولتان اكثر فأكثر في سمعتهما الدولية, ولعل هذه الحقيقة هي التي تدفع الى المثابرة على التعنت اذ ان المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية قد اعلن ردا على محكمة لاهاي (ان قرار محكمة العدل الدولية لن يغير شيئا من واقع الامر) . ان اقرار الدولتين بهزيمتهما السياسية والقانونية لن يتأخر طويلا, فالى الجانب الليبي هناك الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية ومالا يقل عن ثلثي دول العالم ضمن الجمعية العامة للامم المتحدة اضافة الى امكانية الاعتماد على روسيا والصين... وحتى فرنسا بصفتها دول دائمة العضوية في مجلس الامن. ان ليبيا هي التي ستربح في النهاية خاصة وانها لا تمانع بمحاكمة المتهمين حتى على مستوى محكمة العدل الدولية, وصحيح ان مجلس الامن لم يستجب بعد للطلب الليبي بشأن رفع العقوبات الا ان احقاق الحق والعدالة لن يظلا رهينة لأهواء العظمة والتطرف. ولاننا على ثقة بأن الكلمة العربية الواحدة يمكن ان تعطي ثمارها في مواجهة حتى الدول العظمى فاننا نطالب بهذه الكلمة سواء فيما يتعلق بليبيا ام العراق, ام السودان, خاصة وان الكل ينتظر (القمة العربية) لعلها في هذه المرة تلبي ولو القليل من تطلعاتنا وآمالنا بشأن رد مشترك ومواقف مشتركة أضرت بها العملية السلمية اضرارا بليغا الى الدرجة التي اصبحنا فيها سجناء ضمن حدودنا لا نتحرك الا بأوامر يصدرها الينا الغير. كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات