كوابيس وأحلام في غرف (البيت الوردي) ...! بقلم- الدكتور طلعت شاهين

الديمقراطية على النمط الغربي التي زرعتها الولايات المتحدة في العديد من الدول التي تدور في فلكها في امريكا اللاتينية تحولت مع الوقت الى نظام لا يختلف في مضمونه عن الدكتاتوريات التي كانت قائمة في تلك المنطقة في السابق, وان كانت في شكلها تختلف في لون الملابس التي يرتديها الحاكم, كان حكام امريكا اللاتينية طوال عقود عديدة يمارسون الدكتاتورية الصارمة تحت شعارات الحفاظ على الوطن من الخونة, ويمارسون تلك المهمة وهم يرتدون (السترات العسكرية الزيتونية اللون) وكانوا يسيرون في شاراتهم ونياشينهم التي يمنحوها لأنفسهم, وكأنهم في معركة دائمة ضد (خونة وهميين) من نتاج مخيلتهم المريضة المتعطشة للسلطة, وبالفعل كانوا في معركة دائمة, ولكن ليس لانقاذ الوطن من عدو خارجي, ولكن لقمع الشعب الذي يبحث عن لحظة لتنفس هواء الحرية النقي, الذي هو شعار كل الثورات, والذي كان ايضا شعار تلك الانقلابات المتوالية, التي كانت تنشب من وقت لآخر ليحل عسكري محل عسكري آخر, وجميعهم يتشدقون بالحرية ويرفعون شعار كرامة الوطن وهم يدوسون كرامة الوطن, رغم انه لا كرامة لوطن لا يعيش فيه المواطن كريما. النظم الجديدة التي حلت محل الدكتاتوريات العسكرية تحت مسمى (الديمقراطية) كانت الأمل نحو حقبة جديدة, لكنها سرعان ما تحولت الى (دكتاتورية) في زي مدني, تحول الحكم الى مضمون الدكتاتوريات العسكرية, ولكن الحاكم غير من الشكل الخارجي للحكم, فأصبح الرئيس يرتدي في المناسبات الوطنية المحلية الملابس البيضاء الناصعة الخالية من اي بقع يمكن ان تشوه الزي الرسمي المستوحى من الزي الشعبي لأكثر شعوب تلك الدول, مع اختلاف بسيط ان ملابس الحاكم (اكثر بياضا) وربما لأنه يغسلها بمساحيق اكثر فاعلية, أو لأنه يملك القدرة على استيراد المنظفات التي تجعل ملابسه ناصعة من الخارج, وتزيل عنها بقع الدماء والفساد. الملابس البيضاء الناصعة تتحول الى الازرق البحري لتكون اكثر رزانة كشيء من التنويع, أو عندما يتعلق الأمر بزيارات خارج الوطن, وبشكل خاص القيام برحلات (سياسية) الى الولايات المتحدة وأوروبا, التي تعلمت الرزانة طبقا لما تمليه عليها (بروتوكولات) رجال المال والأعمال, انه لون (لزوم الشيء) كما يقولون. اذا كان اللون الازرق (لزوم العمل السياسي) على الطريقة الغربية, فإن ممارسة السلطة لا تكون طبقا لمبادىء الديمقراطية التي يرفع الحاكم شعارها, بل تكون على الطريقة المعروفة في العوالم المتخلفة, لذلك فإن حكام تلك البلاد الجدد كان عليهم ان يستغلوا الجهل والفقر الذي يخلفونه من ورائهم في تلك المجتمعات للجلوس لفترات أطول على مقاعد السلطة, رغم ان الدساتير التي اعتنقوها ودافعوا عنها, ورشحوا انفسهم على اسسها, واقسموا على حمايتها تمنع عودة الرئيس الى الكرسي لأكثر من فترة واحدة, لذلك احتالوا على المنافسين في السياسة باستخدام ورقة الضغط الشعبي (المشبوهة) لتغيير مواد الدساتير التي اقسموا على حمايتها, والعمل تحت رعايتها, ولأن لكل متطلع الى السلطة (مشوار) زمني لتنفيذ برامجه للحكم, فقد رفع هؤلاء الحكام شعارات (استكمال المشوار) الذي يبدو في عرفهم ناقصا ما لم يستكملوا استنزاف الوطن ونهبه ليتركوه للاجيال المقبلة غير صالح للاستعمال. من أبرز هؤلاء (الزعماء) الجدد الذين حولوا الديمقراطية الى (دكتاتورية مدنية) في امريكا اللاتينية رئيس الارجنتين, كان الرئيس كارلوس منعم احد ابرز دعاة الديمقراطية وأكثر المدافعين عن الدستور قبل الوصول الى السلطة, وكثيرا ما كان يضع زعامته لحزبه في مقاعد المعارضة في كفة, والحفاظ على الدستور في مواجهة الرئيس السابق (الدكتور الفونسين) مهددا باللجوء الى الشارع للمطالبة بالحفاظ على الدستور الذي يعتبر قدس الاقداس بالنسة له (!). لكن الكلام من مقاعد المعارضة ليس كالكلام من مقاعد السلطة, وكما يقولون لكل حادث حديث, ولكل مكان كلام, لذلك ما ان انتقل (كارلوس منعم) من حاكم مقاطعة في مقاعد المعارضة الى مقعد رئاسة الدولة في قصر الرئاسة المسمى (لاكاسا روسادا) أو (البيت الوردي) , حتى تغيرت لهجته لتطابق الاستراتيجية الجديدة التي بدأت تختمر في ذهنه على حرارة النوم في غرف (البيت الوردي) , ومن خلال الأحلام التي توالت على رأس الرئيس منعم, بدا له ان فترة رئاسية واحدة ليست كافية لاستكمال المشوار, وطالب بفترة ثانية حتى يمكنه تنفيذ مشروعه الخاص, وتناسى انه كان يتعجل خروج الرئيس السابق ليحل محله تحقيقا لإحدى الاساسيات المبدئية في الديمقراطية, وهي (تبادل المواقع) من اجل صالح الامة. نسي الرئيس منعم او تناسى مبدأ (تبادل المواقع) بين الأحزاب التي تشكل عصب الديمقراطية, ومن خلال استغلال (ديكتاتورية الاغلبية) البرلمانية التي تعتبر العدو الحقيقي للعمل السياسي في النظم الديمقراطية الحديثة, استطاع الرئيس الارجنتيني ان يجري تصويتا في البرلمان الذي كان يسيطر عليه حزبه, مستغلا الاغلبية المطلقة التي يتمتع بها لتغيير مادة مهمة واساسية ليست في دستور بلاده فقط, بل في كل دساتير دول امريكا اللاتينية, تنص هذه المادة على عدم السماح باعادة انتخاب الرئيس لأكثر من فترة واحدة. تغيير تلك المادة الدستورية كان في ذلك الوقت كافيا لاستكمال احلام الرئيس منعم في التمتع بالجلوس على كرسي السلطة في بلاده, لكن مع مرور الوقت, وتوالي الاحلام في غرفة (البيت الوردي) تبين له انه اخطأ في تغيير مادة الحرمان من الرئاسة, ومدها لفترتين فقط. ولأن العودة الى الدستور مرة اخرى لتغيير مواده اصبحت امرا صعبا, خاصة ان المنافسة الآن ليست مع معارضة تترصد افعاله, بل مع متطلعين الى الرئاسة من حزبه, حاول الرئيس منعم الالتفاف حول تفسير المادة التي صاغها بيده, وحاول وضع تفاسير قانونية جديدة, موفرا لتلك التفاسير الضمانات القانونية التي تحميه من الاتهام بالتلاعب باستقرار البلاد, في ظل هذا الشعار استعد الرئيس منعم لمعركة عودته الى الحكم لفترة ثالثة (رغم انف الدستور) , قام بتعيين عدد من اعضاء المحكمة الدستورية العليا من مؤيديه, ليضمن حكما لصالح الطعن في تفسير المادة الدستورية التي تحرمه من العودة الى الحكم مرة اخرى, ودفع مؤيديه للطعن في تلك المادة وتفسيرها على اساس ان الفترة الاولى للرئيس منعم تمت في ظل الدستور القديم, رغم ان نصف رئاسته الأولى كان في ظل الدستور الجديد. لتنفيذ خطة الرئيس كان لابد من تنفيذ استراتيجية خاصة تبعد الانظار عن الهدف الرئيسي المراد تحقيقه, خاصة ان العدو في هذه الخطة ليس من الاحزب المعارضة لحزب العدالة الحاكم فحسب, بل هناك اعداء من داخل الحزب ايضا, وعلى رأسهم (ادوارد دوهالدي) الحالم بالنوم في غرف (البيت الوردي) , لذلك ركزت خطة الرئيس منعم على القتال في كل الجبهات, وفي هذه الحالة لابد من اللجوء الى (الشارع) , ذلك الشارع الذي كان منسيا دائما في العمل السياسي للرئيس الارجنتيني. عودة الرئيس منعم الى (الشارع) كانت كابوسا يختلط بالأحلام في غرفة (البيت الوردي) , الرئيس الذي احتقر الشارع في بلاده مرات عديدة, واتهم شعبه بالغوغاء, تذكر فجأة انه ينتمي الى سكان هذا الشارع, وان سكان هذا الشارع في حاجة الى المعونة, فأنشأ لهم وزارة كبرى لانتشال الفقراء من فقرهم, وكالعادة حاول ان يتسغل تلك الوزارة في الدعاية اكثر من كونها وزارة عمل حقيقي, فوضع على رأسها (مطربا) فشل في الفن ويبحث عن الشهرة في عالم السياسة. اللعبة في هذه المرة ليست سهلة كاللعبة الأولى التي ابقته في كرسي السلطة لفترة ثانية, على الرئيس منعم ان يواجه أولا الزعامة المتحفزة في حزبه, التي تلقي عليه عبئا كبيرا اثناء مواجهة المعارضة, التي خرجت من الانتخابات المحلية الأخيرة اكثر قوة وتصميما على انتزاع الرئاسة منه, لأن المعركة الداخلية في حزب العدالة ستقدمه لقمة سائغة لتلك المعارضة التي لملمت قواها, ومن خلفها الشارع الذي يلجأ الرئيس اليه الآن. انها لعبة خطرة لأن الشارع يطالب برؤوس ضباط الجيش الذين تطاردهم اشباح الماضي في داخل الارجنتين وخارجها, و(أمهات مايو) لازلن يرفعن صور المفقودين وضاحيا الماضي, واذا اراد الرئيس منعم ان يكسب فترة رئاسية ثالثة عليه ان يضحي برؤوس الجيش ليضمن صوت الشارع, واذا حدث ربما يضحي الجيش بالوطن ليضمن رؤوس قادته, انها الديمقراطية بكل قصورها في مواجهة الانقلاب العسكري, أو بمعنى اصح (الكوابيس والأحلام) تجمعت معا لتطارد الرئيس منعم في غرف (البيت الوردي) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات