حرب التلفزيون في إسرائيل: بقلم- محمد الخولي

(التقوما) بمعنى (الانبعاث) هو عنوان المسلسل التلفزيوني الجديد المؤلف من 22 حلقة الذي تم تصويره واعداده وعرضه في اطار الذكرى الخمسين لتنفيذ المشروع الاستعماري الاستيطاني المعروف باسم اسرائيل فوق الارض العربية في فلسطين . وكما هو بديهي فان الاسم العبري للمسلسل التلفزيوني يستمد مادته من معنى القيامة او الانشاء من جديد, جريا على الدعوى الصهيونية التي حرصوا على اذاعتها والترويج لها باسلوب البروباجاندا السياسية والعقائدية بأن انشاء اسرائيل, وهو في حقيقته تنفيذ مشروع امبريالي غربي في الاساس, ماهو الا اعادة انشاء هيكل سليمان القديم وهو بالطبع نوع من التعلل او (المماحكة) التاريخية المنحوتة من تراث التوراة ــ العهد القديم بالذات. مع ذلك فعندما ترددت انباء مسلسل (القيامة) المذكور, قامت قيامة اليمين الاسرائيلي ــ الصهيوني المتعصب سواء في مجالات السياسة او التربية او الاعلام على السواء. ردود الفعل السلبية قالت الانباء مثلا ان عضو البرلمان الاسرائيلي (جدعون عزرا) تلقى دعوة مع كبار اعضاء البرلمان لحضور عرض خاص في استوديو القدس لمشاهدة الحلقة الاخيرة ــ الثانية والعشرين من المسلسل المذكور, وان صاحبنا مالبث ان اهتاج مهددا بالويل والثبور عندما شاهد العرض والسبب هنا سببان: (1) لأن جدعون عيزرا كان من كبار مسؤولي جهاز الامن الداخلي (شين بيت) في اسرائيل وقد امضى ردحا طويلا من حياته الوظيفية يطارد العناصر الوطنية الناشطة والحركية في صفوف المقاومة الفلسطينية. وهي بالطبع ناشطة ضد الاحتلال ــ الاغتصاب الصهيوني للوطن الفلسطيني, وهي حركية لأنها تنطلق من ارضية التمسك بالارض والحقوق في مواجهة كيان مغتصب ودعايات مغرضة شديدة الخبث من حيث التضليل الاعلامي والمخاتلة الفكرية والتكرار الكذوب الذي دام مائة عام من الدعاوة الصهيونية, ونصف المائة عام من قيام اسرائيل. (2) وهذا هو جوهر الموضوع: ان المسلسل الجديد ــ (التقوما) يأتي ليحمل بدوره فكرا جديدا وينطلق من توجهات غير مسبوقة ــ في مجال الادبيات التلفزيونية على الاقل ــ من حيث النظرة والتقييم الاسرائيلي ــ المشروع والكيان والاسس الايديولوجية وبالتالي المستقبل وهذه التوجهات المستجدة (تصنعها عبارات الكاتب الامريكي (جويل جرينبرج) الذي نشر دراسة في الموضوع (نيويورك تايمز عدد الجمعة 10 ابريل الحالي) كتبها من القدس (المحتلة) وقال فيها: ــ ان هذا الفصل من المسلسل الاسرائيلي يؤرخ للصراع أو النزاع بين اسرائيل وبين منظمة التحرير الفلسطينية وهو صراع مغموس او منقوع في الدم حيث يلجأ المسلسل الى عقد لقاءات مع ارهابيين سابقين (يقصد بالطبع المناضلين الفلسطينيين ولكنه يستخدم المفردات المعتمدة اسرائيليا) ثم ينتهي المسلسل بصور يبثها عن صلابة المقاتلين من اعضاء المنظمة وقد ترددت في خلفية المشاهد مقاطع من النشيد (الوطني) الفلسطيني (بلادي بلادي) (وهو الطبعة الفلسطينية من نشيد سيد درويش المصري). انتهى كلام الصحفي الامريكي ولعله بدوره ــ وكما يدل اسمه ــ ينحدر من اصول يهودية او صهيونية ــ يعلم الله ــ ولكن لم تنته فصول الدراما السياسية ــ الايدويولجية ــ التي يقول انها مابرحت تنسج مشاهدها وصراعاتها في اسرائيل عبر الثلاثة اشهر الاخيرة التي شهدت اذاعة حلقة اسبوعية من المسلسل الوثائقي المذكور وهو من انتاج (جدعون دروري) وحظي بأوسع معدلات من المشاهدة بوصفه تاريخا بالصورة والوثيقة لخمسين عاما من عمر اسرائيل. غضبة الصهاينة المتعصبين ان الجناح اليميني في السياسة الاسرائيلية وهو الجناح المؤلف اساسا من الصقور في الليكود الحاكم ومن الاحزاب المتعصبة دينيا وهم حاملو التوراة في يد وبندقية الاستيطان والارهاب العنصري في اليد الاخرى هذا الجناح هو الذي استبد به الغضب وساورته الى حد الأرق الموتور مشاعر القلق العميق ازاء الصورة التي قدمها المسلسل المرئي لعوامل قيام اسرائيل, انهم يتهمون المسلسل بأنه يضع موضع التشكك والجدال المبرر المنطقي أو المنصف (!) للمشروع الصهيوني من أساسه. وفي هذا السياق من حرب التلفزيون الاهلية يقول المؤرخ الاسرائيلي (توم سيجيف) : ان مبرر قيام اسرائيل ظل خاضعا للصيغة التي يستند اليها تفسير تاريخ اليهود وتفسير تاريخ الحركة الصهيونية على السواء. وعندما يبادر احد الى هز هذه الصيغة (بمعنى تحريكها واخضاعها للنقاش او المراجعة او التحليل) تلتهب مشاعر الناس, ذلك لان تاريخ الاسرائيليين اشد حساسية من حاضرهم. رسالة من وزير ارهابي في هذا الاطار, كان من الطبيعي ان يبادر الى العمل رجل مقيت يبحث عن دور على مسرح السياسة اسمه آرييل شارون وهو الجنزال الدموي ذو التاريخ الارهابي المعروف, وهكذا ارسل خطابا الى وزير التعليم ايزاك ليفي يتهم فيه المسلسل التلفزيوني بانه (يشوه تاريخ الانبعاث ويدمر الركائز الاخلاقية (تأمل!) التي تم على اساسها انشاء واستمرار وجودها, ثم شفع الجنرال شارون ــ فض الله فاه ــ عباراته تلك بالمطالبة بحظر اذاعة المسلسل في المدارس. من ناحيتها لم تكذب وزيرة الاتصالات الاسرائيلية خبرا بل اعلنت انها سوف تمنع ابنها من مشاهدة البرنامج الوثائقي, وطالبت في رسالة بعثت بها الى هيئة التلفزيون بمنع بث البرنامج من الاساس لانه في رأيها يمثل مرحلة (ما بعد الصهيونية) ولانه بدلا من ان يعرض تاريخ اسرائيل (بشعور من الاعتزاز والثقة في عدالة التاريخ الذي انصف الشعب اليهودي(!) فان المسلسل يصور الجانب الفلسطينيين على اساس من التعاطف وهو مايشوه باستمرار منجزات الصهيونية ويلحق اضرارا بالغة قد لايمكن علاجها بصورتنا. اخيرا, وفي عبارات تدعونا لمزيد من التأمل تقول (ليمور لفنان) وزيرة الاتصالات الصهيونية: (حسب فهمي, فان القناة الاذاعية العامة (الحكومية) لايفترض فيها اتخاذ موقف دعائي لصالح الفلسطينيين فيما تعمد الى استبعاد اساطيرنا نحن) . السؤال بغرض الجدال والسؤال المطروح هو: ــ هل جرت كتابة المسلسل المذكور وتحضيره وتصويره على يد اعضاء في منظمة التحرير او في السلطة الوطنية ــ العربية ــ التي يرأسها ابو عمار؟ والسؤال بالطبع بلاغي كما يقول اهل اللغة او هو جدلي كما يقول المناطقة.. ذلك لان اجابته البديهية, كما المحنا, هي ان البرنامج اسرائيلي لحما ودما, مع مزيد من التركيز على حكاية الدم على وجه الخصوص, لقد شارك في اعداد هذا المسلسل الضخم عدد كبير من المخرجين المحترفين الذين استعانوا في اعداد المادة وتحقيق المستندات التاريخية المصورة بلفيف من الخبراء والمؤرخين والاكاديميين الاسرائيليين بطبيعة الحال وكل هؤلاء اعلنوا ــ ولعلهم مازالوا يفعلون ــ انهم انطلقوا في هذا العمل من وجهة النظر الاسرائيلية بالدرجة الاولى وان قصاراهم كان استعراض انتصارات ومآسي اسرائيل على مدى السنوات الماضية الخمسين. ونحن اذن بازاء هذه الظاهرة المستجدة في مجال العمل التلفزيوني حيث يحاول فن الاذاعة المرئية ان يتخلى ولو الى حد محدود, عن اسلوب الدعاية الفجة, البروباجاندا الزاعقة الغليظة كي يتبع اسلوبا اكثر نضجا واخفت صوتا واقرب الى مخاطبة عقول الناس وهي ظاهرة سبقت اليها هيئة الاذاعة البريطانية بالذات في معظم الاعمال الوثائقية التاريخية التي قدمتها على شاشة التلفزيون ومن ابرزها, كما قد يذكر البعض المسلسل التاريخي الشهير (نهاية امبراطورية) مثل هذه الاعمال تعيش مع الزمن وتقاوم فوات الايام ــ الانا كرونزم كما يقول التعبير الانجليزي او الفرنسي ــ لانها تحاول ان تحقق ما يمكن ان نصفه باسم (الموضوعية ــ الحرفية) او الموضوعية الداخلية او الموضوعية الفنية او التقنية واذا كان هذا معبرا عن (نضج) التناول في العمل الفني, فهو ايضا معبر عن الثقة في (نضج) الوعي عند جماهير المشاهدين, ثالثا: ان هذه الظاهرة التي تدفع صاحب العمل الفني من ناحية الى مشارف الموضوعية الفنية ــ كما قد نكرر ــ وليست الاخلاقية, لم تأت مجرد تعبير عن مدرسة فنية جديدة بل لعلها اتت في الاساس تعبيرا عن مدرسة مستجدة بدورها على المسرح السياسي الاكاديمي في اسرائيل وهو ما يمكن ان يعرف باسم (المدرسة التنقيحية) مدرسة المراجعة واعادة النظر ومن ثم معاودة التقييم بوقائع الماضي واحداث التاريخ وكل ما هنالك ان ثمرات هذه المدرسة وتأثيراتها قد خرجت من الابراج الجامعية ــ الاكاديمية والبحثية ــ لتجد طريقها الى استوديوهات التلفزيون. مدرسة مراجعة التاريخ والمدرسة التنقيحية لها الآن اعلامها في اوساط المشتغلين بعلم التاريخ في كبرى الجامعات البريطانية والامريكية. وقد اخضعوا لهذا المنهج القائم على المراجعة واعادة النظر كل احداث ووقائع الحرب العالمية الثانية وكان ذلك منذ عقد التسعينات الحالي وفي اطار الاحتفال بالذكرى الخمسين لانتهاء تلك الحرب الكونية (1945-1995) هنالك اعيد النظر في علاقات الجنرالات الغربيين وصراعاتهم حتى سلوكياتهم الصغيرة أو اليومية التافهة, واعيد النظر في ادوار الزعماء السياسيين وعلى رأسهم ونستون تشرشل, فضلاً عن الرئيس الامريكي رزفلت وجوزيف ستالين دكتاتور الكرملين. وكان ذلك كله يتم على أساس ما يكشف عنه ويذاع من وثائق ومستندات او ما تفضي اليه عمليات المراجعة الاكاديمية واعادة النظر التاريخية في الوقائع والاحداث بعيدا عن شبهات تصفية الحسابات او ارضاء هذا الطرف او ذاك وهم يسوقون في هذا كله المثل الشهير الذي نصر على تكراره من جانبنا طلباً للعبرة ووعي الدروس وهو: (الذين لا يتعلمون من الماضي, جديرون بأن يكرروا أخطاءه) . سرقة وطن عربي على ان المدرسة التنقيحية للاكاديميين الاسرائيليين عمرها لا يزيد على عشر سنوات. هكذا يقول الكاتب الامريكي (جريسنبيرج) الذي اشارنا اليه فيما سبق. وهو امر نوافق عليه لاننا سبقنا على صفحات هذه الجريدة, وكان ذلك منذ عشر سنوات تقريباً الى عرض افكار هذه المدرسة من خلال تحليلنا لكتاب نراه الآن في غاية الأهمية اصدره البروفيسور (مايكل بالوميور) وعنوانه الرئيسي (الكارثة الفلسطينية) في حين كان عنوانه الفرعي هو :(عندما تم في عام 1948 طرد شعب من وطنه) . والكتاب في طبعته الانجليزية مؤلف من 229 صفحة ويقع في 12 فصلاً من بينها فصل يختار له المؤلف عنواناً يكاد يقتحم العين من فرط دلالته وهو (سرقة الوطن) . ولسنا ندري هل ترجم هذا الكتاب الى العربية وان كنا ندري ــ عن يقين ــ ان مثل هذه الكتابات ينبغي ان توضع في بؤرة اهتمامنا, وان مثل هؤلاء المؤلفين ينبغي ان نتواصل معهم وان نحتفي ــ موضوعياً وفكرياً ــ وليس بروتوكوليا بما يكتبون ثم نحاورهم وقد نزودهم بمادة (الخامات) التاريخية التي يمكن ان يستخدموها في بحوثهم العلمية خاصة وان مثل هؤلاء لا يريدون من جهودهم الاكاديمية لا جزاء ولا شكوراً. بين الكتاب والفيلم الاسرائيلي ومن المصادفات ان يحدث نوع من التوازن او التوارد في الخواطر بين التاريخ فكراً وبين التاريخ فناً ــ بين ما رواه البروفيسور بالوميور في كتابه (وقد نقلناه في كتاب لنا صدر بعنوان قضايا وافكار معاصرة) وبين ما ورد في مسلسل (التقوما) الذي ما زال يحدث ردود فعل قوية ومتضاربة بل ومتصارعة داخل اسرائيل: في الكتاب يعرض المؤلف الى قصة اسرائيلية قصيرة تصور مشاعر جندي اسرائيلي صدرت اليه الاوامر بطرد العرب من قرية صغيرة في فلسطين عام 1948 وتنتهي القصة بهذه السطور على لسان الجندي الاسرائيلي الشاب: (اصبح من المستحيل ان انعم بأي سكينة او راحة بال ما دمت ارى الدموع تتدفق من عيون طفل يبكي وهو يسير بجوار امه وقد تصلب كيانها وتحجرت الدموع في مآقيها بفعل غضب مكتوم. كان الطفل يمضي معها الى حيث المنفى وهو يحمل بين جنبيه شكوى مفجعة ضد الشر تهتف بلسان مبين وكأنها صيحة سوف تجد يوماً من يصغي اليها في موعد موقوت ومقسوم. هنالك بادرت صاحبي بالحديث اقول: موشيه: ليس من حقنا ان نطردهم من هنا ..) . وبنفس المقياس يعرض مسلسل (التقوما) الاسرائيلي مشهداً يصور رجلا عربيا فلسطينياً يقف على اطلال قريته التي هدمها اليهود ولا يجد على لسانه سوى ابيات شعر تدور حول المنفى ولوعة الاغتراب الذي يشعر به وكأنه طعنة في الاحشاء اذ فقد البيت والوطن من اجل ان تقوم اسرائيل بينما يتناهى صوت الراوي (بالعبرية) يصك آذان المشاهدين بعبارات تقول: انها ذكريات الصدمة بفعل الطرد من المكان ذكريات نشأت هنا وارتبطت بجذور عميقة بالتعلق بالوطن ولا يمكن اقتلاع هذه الجذور يوماً من الأيام. عدل لهم وظلم للفلسطينيين لا عجب اذن ان يحيل الكتاب الصادر من نحو عشر سنوات الى عبارات المؤرخ الاسرائيلي مائير باعيل حين قال: تسألني عن اسباب الخروج او النفي الجماعي للفلسطينيين من ديارهم حسنا ان ثلثهم هربوا ذعرا, وثلثهم اجلاهم الاسرائيليون ارهاباً وقهراً, والثلث الاخير شجعناهم على ان يولوا اذيال الفرار. ولا عجب اخيراً ان يكتب (أرييه كاسبي) في صحيفة هآرتس الاسرائيلية يقول: تسألني عن اسباب الغضب والاستياء من المسلسل الجديد؟ حسناً لاننا (الاسرائيليون) لا نريد ان نعرف ما حدث ولا نستطيع ان نتحمل الشعور بالذنب لقد كان انشاء (دولة) اسرائيل عدلاً بالنسبة لليهود ولكنه ترافق مع ظلم شائن وفظيع بالنسبة للفلسطينيين.

تعليقات

تعليقات