التغيرات الاستراتيجية والمفهوم الجديد للأمن القومي : بقلم -الدكتور تيسير الناشف

فهم الميدان المناسب للأمن الدولي والشواغل الرئيسية لهذا الامن في عهد ما بعد الحرب الباردة ما فتئ موضوعا للمناقشة القوية في السنوات الاخيرة, وفي الوقت الذي لا تزال فيه الدراسات المتعلقة بالامن معنية عناية كبيرة بأمن الدولة فان تلك الدراسات التي وضعت نتيجة لتطورات منها اشاعة الديمقراطية في عدد من الدول ونهاية عهد المواجهة العسكرية القوية التي كانت قائمة على دولتين قطبين تحررت من الحدود الاستراتيجية السابقة وبدأت التركيز على تعريفات اكثر شمولا لنطاقها: المحافظة على النظام السياسي والصالح الاقتصادي لكل قطاعات الشعب والامن الخارجي الذي يشمل ابعادا عسكرية واقتصادية وبيئية وسياسية وبعدي الغذاء والطاقة, ونشأت مفاهيم مثل الامن الشامل واعتمدها عدد من الدول وعدد متزايد من المحللين بوصف تلك المفاهيم نماذج مناسبة. ان توسيع نطاق التعريف جعل المهام التحليلية أشد تحديا ولكن اعادة صياغة المفاهيم اصبحت ضرورية بسبب حدوث تغيرات تدريجية ولكنها اساسية وذات أمد طويل في النظام الدولي. ويتناول هذا المقال تحديد هوية التغيرات التي تستدعي اتخاذ منظور جديد الى الامن الدولي. استدعى نشوء عوالم في وقت واحد تقريبا القيام بالتفكير الجديد في مفاهيم الامن وفي نطاق الدراسات المتعلقة بالامن خلال السنوات القليلة الماضية. لقد حدت نهاية الحرب الباردة من التوترات الدولية ومن سباق التسلح, واصبحت بؤرة الامن تضم ليس مسائل عسكرية فقط ولكن مسائل أوسع, مسائل الاستقرار العالمي والسلام واشاعة الديمقراطية وحل الصراعات الاقليمية ايضا. ونشهد ايضا تغير طبيعة الصراع, ان الكفاح الاشد بروزا من اجل اكتساب فضاء تقني ــ اقتصادي وسياسي وثقافي يخاض في احوال واحيان كثيرة دون اللجوء الى وسائل عسكرية, ولا تزال القوة العسكرية حاسمة بوصفها عاملا من عوامل القوة الكلية التي تمتلكها الدول ولكن استعمال تلك القوة العسكرية يقتصر على نحو متزايد على الردع عن الاكراه, وبوصفها عنصرا من عناصر تعزيز التأثير الدبلوماسي للدولة, وبوصفها عاملا في مرحلة العلاقات العسكرية فيما بينها, ويبدو ان دولا جديدة تضاف الى هذه المجموعة. وتتضاءل الصراعات العسكرية فيما بين الدول الاكثر تقدما والدول العظمى, وذلك لأن نمو التكنولوجيا العسكرية في هذه الدول جعل الحرب باهظة التكلفة على نحو غير معهود ووسيلة لا يعول عليها من وسائل تحقيق الاهداف السياسية, وأصبحت الحروب حروبا لا يمكن الانتصار فيها ولا تحقق الاهداف التي تشن من اجلها باستثناء سياق دول الشمال ودول الجنوب حيث تباينات القوة بين المجموعة الاولى والمجموعة الثانية كبيرة. وفي اجزاء كثيرة من العالم النامي ليست الحرب بالاسلحة التقليدية القاعدة المفضلة لتسوية المنازعات, لقد ادى التوتر السياسي والاستياء الاقتصادي والتعصب العرقي وسهولة توفير الاسلحة الفتاكة والخفيفة الى اندلاع صراعات في منطقة البلقان وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنطقة القفقاز واسيا الوسطى وفي افريقيا وغربي آسيا وشبه القارة الهندية, ويتعين على الدول ان تكون على استعداد لخوض هذه الصراعات الجديدة بمزيج من الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية, ان الدور الخارجي التقليدي للجيش وقدراته لم يعد يكفي لضمان الامن, كما توجد قيود سياسية على الاستعمال الداخلي للقوة. وقد بين انهيار الاتحاد السوفييتي انه حتى الدول الاقوى تواجه مشاكل أمنية متعددة الابعاد وذات ابعاد داخلية لا تقل اهمية عن الابعاد الخارجية, وتقوم بين هذه الابعاد علاقة معقدة, ان الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية الداخلية لدولة من الدول لا تقل أهمية عن قوتها العسكرية للمحافظة على الرفاهة والامن القوميين. والمنافسة بين الدول وسيطرة وهيمنة بعض الدول على دول اخرى والاكراه السياسي والصراعات التي تولد الاستياء وتديمه والريبة العميقة بين الدول لها آثار سلبية في الامن الكلي للدول وللنظام الدولي, ويتعين على الحكومات اليوم ان توجد التوازن بين الدبلوماسية والقوة العسكرية والقدرات التقنية ــ الاقتصادية والروابط القائمة على التكافل والمشاركة في الآليات المؤسسية الاقليمية والعالمية لتعزيز الامن, ومن شأن الافراط في التعزيز العسكري الاحادي الجانب ان يقوض علاقات التعاون مع دول اخرى وان يوجد التوترات والشكوك وان يؤدي الى التعزيز العسكري المضاد. استاذ دراسات الشرق الاوسط في كلية اسكيس كاونتي الولايات المتحدة *

تعليقات

تعليقات