أبجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

على مدافع جيشه, حفر الملك لويس الرابع عشر هذه العبارة: (هذا آخر نقاش للملوك) . ولويس الرابع عشر هو صاحب مقولة: (أنا الدولة) , ويحكي التاريخ الطويل لديمقراطية الحكام, ان احد ملوك العرب قال يوما: من قال لنا هذا صواب وهذا خطأ, ضربنا عنقه بحد السيف) . التاريخ, والبشر الذين يصنعونه, ويصدقونه في كل الاحوال, غالبا ما يستاءون لهذه المقولات, ودائما ما يرجمون اصحابها, باعتبارهم طغاة, بلهاء ليسوا اكثر, وانهم يستحقون تلك المصائر المظلمة التي انتهوا اليها. ودون ان يشعروا يتحولون الى طغاة بلهاء, ويمارسون الحوار بنفس المدافع, ولكنهم بالتأكيد لا يوافقون على انهم يستحقون مصائر بائسة. يقول احد الكتاب: ان التاريخ كالمجنون, يعيد نفسه, دون ان نشعر, ولذلك فكل ما يرويه التاريخ في الواقع ليس الا حلمنا الطويل والثقيل والمشوش الذي نعيشه كل يوم. اذا كان الملك لويس الرابع عشر قد قال ما قال, فان هناك من ليسوا ملوكا, ولا حتى صعاليك, لكنهم يتجاسرون على اشعارك بأنهم (هم الدولة) وبأن الخلاف معهم لا يقود الى نقاش بقدر ما يقود الى معارك. صار الناس, ليقينهم بهذه الحقائق الجديدة او القديمة بمعنى اصح, لا يتورطون في نقاشات مع الآخرين كثيرا, مع أنهم يرغبون في فتح نوافذ اخرى للحياة. الناس اليوم لا يمارسون النقاش الا اذا.... الا اذا كانوا اصدقاء فوق العادة, وهنا تؤمن الصداقة مظلة حماية لا بأس بها لمعارج النقاش الشائكة, او اذا كانوا اعداء فوق الشراسة, وهنا ايضا تؤمن العداوة طريقا مفتوحا للنقاش بلا حرج, او اذا خرجوا لحماقة ألمت بهم عن الاطارات المرسومة بدقة والمنشأة كياقات موظفي الحكومة. النقاشات هذه الأيام, وبلغة لويس الرابع عشر صارت حقا حصريا لأهل السياسة فقط, تسمع هديرها على بعد مئات وملايين الاميال, برغم كل الابتسامات التي يتبادلها الطرفان امام عدسات الصحافة ووكالات الانباء. اما في سائر ميادين الحياة, فالكل يتناقش بمبدأ القنافذ والارانب, بمنتهى الوداعة ومنتهى الجبن, وبين الجبن والوداعة أميال من الخلافات والعداوات وهمس ما خلف الظهور, والطعن المباح في كل شيء, ابتداء بالرأي, وانتهاءً بالسمعة والمؤهلات والعقل. وتسأل لماذا يدخل الناس في خضم النقاشات مسلحين بشراسة القبض على آرائهم حتى النفس الاخير, وكأنهم اذا تنازلوا عن آرائهم الخاطئة فكأنما يتنازلون عن حقهم في الحياة.. هذا هو الجبن المغلف بأشرطة ملونة زائفة من المسالمة والوداعة وظلال البسمات الصفراء. لا يتفق معك, لكنه لا يقولها صراحة, ولا يتنازل عن رأيه لكنه يدفعك للتسليم له بديمقراطية الرأي, يأتيك ليحاورك على طريقة لويس الرابع عشر حاملا يافطة: (هذه آخر نقاشات الديمقراطيين) . عندما سننسى مقولة لويس الرابع عشر قد نتناقش بشكل أفضل.

تعليقات

تعليقات