هل بدأت نهاية حزب العمل الاسرائيلي؟ بقلم- هيلينا كوبان

هل ستشهد اسرائيل حكومة عمل اخرى في المستقبل؟ هذا هو السؤال الذي لا يزال يراودني منذ زيارتي الاخيرة الى اسرائيل . لقد اصبح شيئا مألوفا لدى السواد الاعظم منا ان يبقى حزب العمل حاضرا في الساحة السياسية الاسرائيلية, اما منفردا بالسلطة كما حدث في العقود الثلاثة الاولى من تاريخ اسرائيل او كشريك في ائتلاف حكومي مع حزب الليكود. ويبدو الامر للوهلة الاولى ان اسرائيل بحزبيها الرئيسيين اللذين يتناوبان على السلطة بالاضافة الى الاحزاب الصغيرة التي تخلق نوعا من التوازن, تشبه الى حد بعيد ما هو قائم في الولايات المتحدة الامريكية او ربما بريطانيا. الا ان ميزان القوى السياسية في اسرائيل لم يكن ابدا يتسم بالتوازن لأن نظام التمثيل النسبي في البرلمان الاسرائيلي جعل من الاحزاب (الاصغر) اكثر قوة وتأثيرا من نظيراتها في الدول التقليدية التي يتناوب فيها حزبان رئيسيان على السلطة. يبدو ان حزب العمل وصل الى مرحلة قد يكون فيها عاجزا حتى عن المحافظة على دوره كمنافس رئيسي على السلطة وهناك مجموعة من الادلة التي يمكن ان تؤكد على صحة هذا الاستنتاج. الدليل الاول يتعلق مباشرة بشؤون القيادة داخل حزب الليكود وحزب العمل. اما الدليل الثاني فيرتبط بالتوجهات الديمغرافية التي تفرض نفسها مع مرور الوقت داخل المجتمع الاسرائيلي. على مستوى القيادة, لابد من التذكير بأن الشعب الاسرائيلي قام وللمرة الاولى بانتخاب مباشر لرئيس الوزراء خلال الانتخابات التي اجريت عام 1996. لقد اعطى هذا الانتخاب المباشر صلاحيات ضخمة جديدة للمرشحين لرئاسة الوزراء بالاضافة الى درجة عالية من الحرية بعيدا عن توجيهات الاجهزة الحزبية التي ينتمون اليها. لقد اصبح النظام الاسرائيلي يشبه الى حد كبير النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الامريكية. لقد قضى بنيامين نتانياهو معظم حياته في الولايات المتحدة وادرك بالممارسة العملية آلية عمل السلطة في ذلك النظام. وبما انه عمل لعدة سنوات في مجال العلاقات العامة التجارية ثم في مجال العلاقات العامة السياسية كسفير لاسرائيل في الامم المتحدة, فقد تعلم كيفية استخدام جميع الخدع الخطابية والاساليب الملتوية التي يمكن اللجوء اليها في هذا النظام الجديد. اضف الى ذلك ان نتانياهو كان اصغر سنا واكثر حيوية من شيمون بيريز مرشح حزب العمل في ذلك الوقت. وغني عن القول ان شباب نتانياهو ومعرفته المسبقة بالنظام الانتخابي الجديد لم تكن الاسباب الوحيدة التي ادت الى فوزه عام ,1996 ولكن تورط بيريز في العملية العسكرية, وما رافقها من قصف وحشي في جنوب لبنان ربما كانت من العوامل الرئيسية التي ساهمت في هزيمته. الا ان ما حدث داخل قيادة حزب العمل منذ انتخابات 1996 ساعد بكل تأكيد على دفع الحزب نحو مزيد من التهميش. كان اسحاق رابين يهدف الى ضمان استمرار نهجه السياسي في قيادة حزب العمل عن طريق تأهيل خلفه في رئاسة الاركان في الجيش الاسرائيلي ايهود باراك ليخلفه ايضا في قيادة حزب العمل بعد ان يشرف على تعليمه وتدريبه لأربع او خمس سنوات على الشؤون السياسية داخل حزب العمل بالاضافة الى اسناد بعض الوزارات المهمة له قبل ان يتقاعد وخصوصا انه لم يكن يثق بأسلوب بيريز السياسي من ناحية, كما ان بيريز لم يكن مستعدا للتقاعد من ناحية اخرى. الا ان الرياح لم تأت كما تشتهي السفن. فقد قام ايجال امير باغتيال رابين في نوفمبر 1995. وبدأ باراك دونما تردد بمنافسه بيريز على زعامة حزب العمل. وبعد فشل بيريز في الانتخابات العامة قام باراك بمحاولة جديدة للتخلص من بيريز وخصوصا انه لم يكن مستعدا للتنازل عن قيادة حزب العمل. ولكن الطريقة التي ادار فيها باراك شؤون حزب العمل منذ توليه القيادة قبل ثمانية عشرة شهرا لا تدعو الى التفاؤل وجاءت دون التوقعات. فالاخطاء العديدة التي ارتكبها كشفت انه لم يحظ بما يكفي من تدريب وتأهيل لخوض غمار الحياة السياسية وخصوصا ان العديد من اقطاب حزب العمل المتمرسين مثل نمرود نوفيك وايثان هابر تركوا الحزب ليتفرغوا لادارة اعمالهم الخاصة. اما فيما يتعلق بموقف اسرائيل من عملية السلام مع جيرانها العرب, والذي كان المحور الاساسي للحملة الانتخابية الاخيرة, فقد كان موقف باراك مخيبا للآمال. لقد فشل بالمحافظة على الموقف القوي بالاستعداد لتحقيق السلام الذي تميزت بها قيادة رابين ــ بيريز منذ عام 1993. وبدلا من ذلك كان موقفه العام تجاه عملية السلام يعتمد على المزايدة على نتانياهو والتأكيد كلما سنحت الفرصة كما يفعل نتانياهو, على ضرورة ان تضمن اسرائيل (الامن) و(السلام) , لكن دون ان يظهر أيا من الادراك والوعي الذي اتسمت به قيادة رابين بيريز والتي تؤكد على انه لا يمكن الفصل بين تحقيق السلام وضمان أمن اسرائيل. وعلى خلفية فشل باراك وأدائه المخيب للامال كقائد لحزب العمل, هناك قوى وتيارات تتفاعل داخل المجتمع الاسرائيلي وتلقي في نفس الوقت مزيدا من الشكوك حول امكانية استمرار المنافسة بين العمل والليكود كحزبين تقليديين في اسرائيل. فالقوة المتنامية للاحزاب الدينية داخل الدوائر السياسية الاسرائيلية ماهي الا نتيجة خمسين عاما من الدلال والرعاية التي حظيت بها المؤسسات اليهودية المتطرفة ليس من حزب العمل وحسب ولكن من حزب الليكود ايضا. وبالرغم من ريادة الحزبين التقليديين في الحياة السياسية الاسرائيلية, فان الاحزاب الدينية لا تزال تتمتع بنفوذ لا يتناسب وحجمها لانها تملك القدرة على انجاح او افشال حكومات الائتلاف. ولذلك كانوا حريصين دائما على الحصول مقابل تعاونهم على دعم ضخم من الدولة لتمويل جميع مؤسساتهم التعليمية والاجتماعية. ولذلك يلاحظ عامة الشعب الاسرائيلي ان الرجل الذي يقضي سنوات طويلة وهو يتلقى العلم في مدرسة دينية ولديه تسعة اطفال يمكن ان يحصل على نفس الدخل الذي يحصل عليه احد افراد القوى العاملة المنتجة ولديه ولدان. كما يلاحظون ان التلاميذ في المدارس غير الدينية والتي تدعمها الدولة يجب ان يدفعوا رسوما مقابل المواصلات ووجبة الغذاء ودروس الموسيقى والفنون والكتب المدرسية, بينما التلاميذ في المدارس الدينية والتي تحظى بدعم من الدولة, يحصلون على جميع هذه الاشياء واشياء اخرى اضافية دون مقابل. ما الذي يمكن ان يعنيه غياب حزب العمل المحتمل بالنسبة لمستقبل اسرائىل واحتمالات السلام والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط؟ بالنسبة لاسرائيل فان غياب حزب العمل سيؤدي الى مزيد من الانحياز والاعتماد على المتطرفين اليهود, اما بالنسبة للمنطقة فان الصورة العامة لا تقل كآبة بالرغم من ان فرص الانشقاق بين الجماعات الاسرائيلية الدينية المتعصبة, وبينهم وبين خصومهم من عامة الناس او بينهم وبين القيم الدنيوية السائدة في الولايات المتحدة يمكن ان تفسح المجال امام ظهور بعض الفرص الرائعة خلال السنوات القليلة المقبلة.

تعليقات

تعليقات