حديث زايد... وهمسات وطنية: بقلم - د. حنيف القاسمي

ان حديث صاحب السمو رئيس الدولة في الاسبوع الماضي يشتمل على دلالات وطنية عميقة, وهي بلا شك تتجاوز النقاط الهامة التي اثارها سموه في ذلك الحديث, وهو كذلك يأخذ ذلك البعد العميق, وان اشتمل على الامر بتوفير المساكن والمزارع للمواطنين, وتأمين احتياجات المطلقات والارامل, فكل ذلك من الامور التي ألفتها الناس في هذه البلاد في هذا الرجل الكريم, وألفتها كذلك الجماهير العربية والمجتمع الانساني من خلال مواقفه الانسانية التي يصعب على المرء ذكرها وحصرها في هذا المقام, ولعل هذا ما عبر عنه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله: توقعوا المزيد من زايد الخير. وفي تصوري ان الامر غير قاصر على تلبية تلك الاحتياجات الضرورية للمواطنين في هذه البلاد, بل ان حديث زايد اشتمل على دروس تربوية وحضارية, اهمها الاعتزاز بالانتماء العربي الاسلامي, وكذلك بمصادره الثقافية والفكرية, وذلك عندما اكد ــ ويؤكد باستمرار ــ على اثبات مرجعية كتاب الله عز وجل, القرآن الكريم, وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام, في كافة شؤوننا, وهو امر احسبه في غاية الاهمية, وينبىء عن موقف مبدئي تجاه ثوابتنا الثقافية, وبحيث لا يمكن الالتفاف حول تلك المرجعية, أو افراغها من مضمونها, أو تجاوز الخطوط الحمراء التي تشكلها تلك الثوابت. كما ان حديث زايد وجه درسا تربويا للشباب حين دعاهم بشدة إلى الاسهام في التنمية التي تشهدها الدولة, والقبول بأي دور متاح يسهم في تحقيق تلك التنمية, ولعل توجيهاته في هذا الشأن, وتوظيف المواطنين العاطلين عن العمل قد جاءت في هذا السياق, مستنكرا في الوقت نفسه هذه البطالة (المفتعلة) , مبررا ذلك بقوله: كيف تكون هناك بطالة في بلد يأتي اليه طالبوا العمل من اقاصي الدنيا. أمر اخر يتصف به خطاب زايد لابنائه المواطنين, وهو نبرة الصفاء والاخلاص, والتي تتجلى في احاديثه, المنطلقة من الفطرة السليمة, مع عفوية في الطرح, وابتعاد عن التصنع والتكلف, وهو امر نادر في قادة هذا الزمان وحكامه, ولعل هذا هو سر تفاعل الجماهير الكبير مع احاديثه العفوية والعميقة في الوقت نفسه, وبعد ذلك كله, يبقى امر مهم يتعلق بمسؤولياتنا تجاه الوفاء لهذا القائد, والاستجابة لنداءاته, والعمل على تحقيق مبادراته, ولعل حديثه الاخير قد اشتمل على بعض المبادرات التي تستدعي استجابة حقيقية لتطبيقها, ومن وحي ذلك الحديث كانت هناك اشارات هي بمثابة همسات موجزة موجهة إلى بعض المؤسسات والفئات. همسة إلى المجلس الوطني قبل اطلاق هذه الهمسة لابد من الاشارة إلى ان روحا جديدة تسود المجلس الحالي, وهي ادت بدورها إلى وجود تفاؤل حقيقي بوجود دور اكبر لهذا المجلس, ويجب التأكيد في هذا السياق, ان هذا التفاؤل ليس بدافع حماسي أو عاطفي, بل ان له جذورا تمتد إلى ما قبل تشكيلته الحالية, وله اسباب تتعلق بمعرفة وثيقة بعدد من اعضائه السابقين والجدد, وبرئيسه محمد بن خليفة الحبتور الذي يحرص باستمرار ليس فقط على اثارة القضايا التي تمثل هموما للوطن وهاجسا للمواطنين, بل وعلى مد الجسور بالمجتمع ومؤسساته, والاستعانة بالخبرات والكفاءات الوطنية في مختلف المجالات التي تدخل في اطار اهتمامات المجلس. على ان ذلك كله مع الحماس الايجابي الشديد الذي يدفع المجلس إلى اثارة القضايا الوطنية, وتلمس الحلول بشأنها ــ مع السلطة التنفيذية في اطار منظومة يسودها التفاهم ــ لا يكفي بالتأكيد للتغلب على المعوقات التي تمثل تحديات لا يستهان بها تعترض المسيرة الاتحادية, بل وتهدد الهوية الثقافية لابناء هذه البلاد. بسبب ذلك, تبدو الحاجة ملحة في عدم الاقتصار على المداولات التي تجري تحت سقف المجلس, والتي غالبا ما تنتهي بتوصيات هي بلا شك جميلة, وتلتقي مع المطالب الشعبية, لكنها تبقى محدودة الاثر اذا لم تكن متبوعة بقرارات حاسمة وملزمة. ولا شك ان هذا ما تريده وتتوقعه قيادتنا السياسية من هذا المجلس. ولعل السادة اعضاء المجلس الوطني, وهم نخبة تميزت بالخبرة وحازت على ثقة القيادة على ادراك بتلك الحقيقة, وان تحقيق مطالب الجماهير ربما لا يكون قاصرا على الاجراءات الرسمية المعتادة, وذلك بالنظر إلى مجتمع الامارات من حيث طبيعة العلاقة بين القاعدة والقمة وخصوصيتها حيث يعد ايصال القضايا التي تهم المواطن إلى اصحاب القرار من اهم الوسائل التي يمكن ان تسهم في حل العديد من تلك القضايا, والتي ربما تتوقف أو تتعثر في القنوات الرسمية المعتادة. وبجانب هذا تأتي مسألة بث الوعي المجتمعي للحصول على دعم ومساندة الرأي العام للقضايا التي تهم الوطن والمواطنين. همسة إلى المؤسسات الاتحادية والمعنى بها في هذا السياق الوزارات والمؤسسات التي تتبع الحكومة الاتحادية وقبل ان نطالب بدور اكبر لهذه المؤسسات فانه لابد من التأكيد على منح هذه المؤسسات سلطات تتفق مع حجم المسؤوليات التي انيطت بها, وهي المسؤوليات التي منحت لهذه المؤسسات من قبل المرجعية (الاتحادية) والمتمثلة في دستور الدولة, والقوانين الاتحادية, وقرارات مجلس الوزراء بشأنها. ويأتي احترام هذه المرجعية في مقدمة القضايا الاساسية التي تضفي هيبة الاتحاد على المؤسسات التابعة له, وفي المقابل, يعد انتهاك هذه المرجعية تهوينا من شأن تلك المؤسسات, ومن ثم تقليص دورها في الدولة. ولعل اولوية العمل الوطني, خاصة في هذه المرحلة, تقتضي (تفعيل) دور المؤسسات الاتحادية باعتبارها الرابط الاساسي الذي يحقق الهدف من قيام الاتحاد ذاته, وهذا التفعيل مسؤولية يشترك الجميع في تحملها, ولاشك ان ايصال رسالة تحمل هذا المعنى إلى اصحاب القرار سوف يسهم في ترسيخ دور تلك المؤسسات, ولاشك ان الوعي الشعبي مطلوب في هذه الحالة, ولاسباب عديدة, اهمها تحقيق الهدف المتمثل في تفعيل ذلك الدور الذي اشرنا اليه, وكذلك مقاومة (حملة) التهميش التي تستهدف تلك المؤسسات من افراد ربما دفعتهم بعض المصالح الضيقة إلى القفز فوق الثوابت الاتحادية, وهي الثوابت التي تلبي رغبات القاعدة العريضة في هذه البلاد, ومع القيادة السياسية ممثلة في صاحب السمو رئيس الدولة, وتبقى همسة ثالثة, هي موجهة إلى العاملين في ساحتنا الفكرية والثقافية المحلية وهي متعلقة بترسيخ الجبهة الداخلية والمحافظة عليها, ولذلك صلة. المشرف العام ــ جامعة زايد*

تعليقات

تعليقات