الدين كالماء والهواء: بقلم- د.مصطفى محمود

منذ مشرق الحضارة في مصر منذ اكثر من سبعة آلاف عام والبوصلة الاولى لحركة الحياة في مصر كانت هي الخوف من الله.. وعلى جدران المعابد جميعها رأينا رسم الميزان في الآخرة وطقوس البعث والحساب والثواب والعقاب وفي كتاب الموتى (وهو ما تبقى من صحف ادريس) وجدنا بصمات التوحيد والتمجيد للواحد الذي خلق كل شيء. ورغم ما اصاب هذا التوحيد من انحرافات وثنية بفعل الكهنوت والسياسة والحكام فقد ظل الايمان خاصية تضرب في جذور المصري القديم وحينما وفد الاسلام على مصر كانت مصر اكثر البلاد احتضانا له ولتعالميه واكثر احتفالا البلاد احتفالا بالتوحيد واحتضن المصري القرآن واحتفى به تجويدا وترتيلا وكتابة وايمانا. وخرجت اجمل الاصوات التي ترتل القرآن من مصر واجمل الاقلام التي تخط القرآن من مصر. ووجد المصري في القرآن صدى لما كان مكنونا في قلبه. ووجد فيه بوصلة هادية وضابط ايقاع وورقة عمل لحياته ووجد فيه الصدى والرجع لصوت الحق القديم في وجدانه. والذين يظنون ان مصر لن تتقدم الا بنبذ الدين والايمان والغرق في الحياة المادية العلمانية لا يفهمون مصر ولايفهمون الشخصية المصرية وأسألكم: ماذا فعلت بنا العلمانية وماذا فعل بنا ترك الدين وماذا فعل بنا الغرق في المادية والعبودية للنظام العالمي الجديد؟ ان صفحة الحوادث تلخص لنا الكثير مما طرأ على حياتنا الابن الذي يقتل أباه والام التي تقتل اولادها والممرضة التي تقتل مرضاها والاطباء الذي يجرون الجراحات الوهمية من اجل المال وناظر المدرسة الذي يدير شبكة للدعارة يستدرج فيها تلميذاته للعمل بالدعارة لقاء نسبة من الارباح وطلبة المدرسة الذين يشعلون فيها النار ليحرقون سجلات غيابهم ونواب الشعب الذين يقترضون الملايين من اموال الشعب من البنوك بدون ضمانات والغش والفساد والرشاوى والسرقات والعمولات بالملايين التي تتسرب من اقتصاد البلد الذي اصبح كالغربال المليىء بالخروق والطبقة الوسطى التي تكاد تختفي ولا يبقى الا طبقتان هما الاغنياء بلا حدود والفقراء بلا حدود وبينهما الد العداء. وهذا هو الافراز الطبيعي لنبذ الدين والتهالك على الماديات والغرق في الدنيويات والاستسلام للشهوات وموت الضمير الديني وعمى القلوب وصدأ النفوس. والمصري لا يجد نفسه في هذا اللون من التقدم وما هو بتقدم على الاطلاق بل هو انحلال وتفسخ وانهيار وجاهلية ثانية اشنع من الجاهلية الاولى وتلخيص عملية الاصلاح في مسمى واحد هو (رفع دخل الفرد) هو تلخيص مخل للمشكلة الاجتماعية ولحقيقة الانسان فالمطلوب هو الارتفاع بالانسان كله وليس مجرد محتويات جيبه ولا قيمه لبضعة ألوف زيادة في الدخل اذا كانت ستنفق في الجريمة وفي الافساد. انه لابد اذن من (بوصلة هادية) للانسان اولا وبدون الدين وبدون القيم لا معنى لشيء وبدون الايمان لا أمل. وكما بدأ شروق الحضارة في بلادنا منذ اكثر من سبعة الآف سنة بالايمان سوف تكون البداية الصحيحة الآن من نفس المنطلق, من الاحساس العميق بالغيب وبالله الواحد القادر على كل شيء وبالوقفة التي سيقفها كل واحد منا ساعة الحساب ولا يتنافى مع هذا الايمان ان نؤمن بالعلم وان نسعى في اكتسابه وان نبني وان نعمر وان نفكر وان نتفلسف وان نبدع وان نتفنن وان نحب وان نعشق وان ننشد الشعر وان نقرأ ونغترف من كل جديد فكل تلك الابداعات هي من عطاءاته, من عطاءات ذلك الاله العظيم الملهم والدين والعلم والفن والفكر تلازموا وترافقوا كإخوه بطول حركة التاريخ الاسلامي ولم يكن الاسلام ارهابا في اي زمان واذا عدنا الى القرآن بنفوس عطشى وقلوب والهة فسوف نجد فيه الرؤى التنويرية التي يحتاجها عصرنا الفقير المعدم في إيمانه الغني لدرجة البطر في امكاناته ومادياته. نعم.. نحن في اشد الحاجة للعودة الى القرآن بارواح عطشى ونفوس متطلعة بشوق لنفحات الغيب.. لنقرأ عن حقيقة نفوسنا وحقيقة عصرنا وحقيقة مشاكلنا. اما الذين اختاروا نبذ الدين طريقا والعلمانية منهجا والدنيا غاية وحيدة فقد اختاروا الموت لنفوسهم ودخلوا الحارة السد التي لا مخرج منها وهم في تيه وضياع حتى يعودوا الى هويتهم المصرية من جديد الى ذلك المصري القديم الجديد الواقف مكان اخناتون المرسل عينيه الى آفاق الغيب الهامس ابدا. أبدا لا أموت.. بل أقوم من القبر لأقف بين يدي الديان هكذا كان يقول المصري القديم.. ومن هنا بدأت حضارته وهكذا تشعر النفس السوية امام مأساة الميلاد والموت. اما الذين اكتفوا بالحياة المادية واستناموا الى اشباع النفس الشهوانية فهم في موت منذ ولدوا وهم لم تتفتح عيونهم بعد على معنى الحياة.. وهم في موت متجدد كل يوم. ان غياب البعد الابدي من الحياة وتقلصها الى لحظات عابرة يؤدي الى سقوط كامل للقيم ولايبقى من الحياة الا فاترينه استهلاكية وبطون تفرغ لتمتلىء وايقاع متكرر ممل خال من المعنى. وارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب في بلاد الشبع والوفرة والرخاء مثل السويد والنرويج يؤكد هذا الكلام ان اشباع الرغبات المادية لا يكفي ليجعل للحياة معنى وانما سر الحياة وجمالها وسحرها في بعدها الابدي الغيبي وفي المعاني المتوارية وراء الحس وفي الكمالات التي تحكي عنها الاديان. ان موت الروح وليس جوع البدن هو الذي يدفع هذا الشباب المرفة الشبعان الى الانتحار. واليأس والملل والصدأ النفسي والاكتئاب هي درجات السم السفلي المؤدية للانتحار... ولا شيء يمكن ان يجلو صدأ النفس مثل ترتيل بضع آيات يهمس بها القلب المؤمن فيطمئن ويهدأ ويسكن فيه طائر القلق. ان التدين ضرورة اجتماعية انه الماء والهواء بالنسبة لهذا الزمان المنكود... وفي كم المشاكل التي يعيش فيها الشباب يتزاحم على ابواب الجامعات وينتظر الوظيفة ويبحث عن عمل ويبحث عن سكن ويبحث عن شريكة حياة... هو في حاجة الى الصبر... ولا شيء يعين على الصبر مثل الايمان... وتحت سحابة التهديد المستمر على الحدود واحتمالات المستقبل المحفوف بالاخطار والسلام الاسرائيلي الذي لا يعني لنا اي سلام... نحن في حاجة الى سلاح نفسي... ولا يوجد في ترسانة الاسلحة ما هو اقوى من سلاح الايمان... ولن نجد من هو اقوى من الله معينا وظهيرا وسندا وحافظا وملهما عند الشدائد... فكيف يتأتى لعاقل في مثل هذه الظروف ان يقول بتهميش الدين وتهميش التعليم الديني.. وما يسميه البعض بتجفيف الينابيع (اي تجفيف كل مصادر التزود بالعلوم الدينية) وهو مطلب لا ينادي به الا عدو لدود يريد بنا الهلاك والدمار... وعلى من نعتمد اذا لم نعتمد على الله... والى من نتوجه...؟ نتوجه الى الدعم الامريكي! ام الى النجدة الاوروبية. ان الذين قاتلوا المسلمين في البوسنة وفي البانيا كانوا هم الاوروبيين انفسهم. والذين دمغوا الاسلام بالارهاب واتهموه بالوحشية والعدوان كانوا هم الامريكان والاوروبيين. فكيف نطلب النجدة والعون منهم... وهم واسرائيل جبهة واحدة. واذا كانت الدبلوماسية العاقلة تقتضي مسالمة الكل تفاديا للمشاكل... فانها لا يمكن ان تعني قطع الصلة بمصادر قوتنا. ان الاسلام هو الدرع الواقية لهذه المنطقة المستهدفة من العالم... وهو خيمة الامان لمستضعفي هذا الزمان... بل هو خيمة الامان لنصارى هذه المنطقة ايضا. وارجو الا تغيب عن المسؤولين هذه الحقيقة والا تختلط عليهم الالوان... والا يخدعهم الكلام المزخرف والدبلوماسية المزوقة. واعود فأقول ان الاسلام سوف يثبت انه الدفاع الاستراتيجي لهذه المنطقة كما فعل في الماضي حينما صد الهجمة الصليبية وحينما انكسرت على حائطه جحافل التتار... والغرب لن ينسى هذه الهزائم... وهو لهذا يريد ان يقتلع هذه الشوكة التي في طريقه... وهو يركز هجومه هذه المرة على الاسلام نفسه فيحاول تشويهه ثم يتسلل الى المؤسسة التعليمية الدينية تحت مسميات زائفة مثل تجفيف الينابيع زاعما انه يريد ان يحمينا من الارهاب (والارهاب من صنعه) ثم يتسلل الى برامج التعليم في الازهر في محاولة لعلمنة الازهر ثم يتسلل الى حصن القرآن الحصين في محاولة اخيرة لاختصار مقرراته تحت زعم التخفيف على الطالب... وما هو الا التسلل المدروس لدك الحصون والمعاقل واحدا بعد الآخر. ولا يملك الراصد لهذه الظواهر المتتابعة الا الشك... فكلها خطوات محسوبة تهدف الى هدف واحد هو ازاحة الاسلام من الطريق وتعطيل دوره الفاعل وفتح الطريق لعوامل الانحلال والفساد والتشرذم والفرقة والاختلاف تمهيدا لتفجير المنطقة كلها من الداخل. ولا يمكن ان يحسن الظن بكل هذا الا ساذج فليس فيما يجري امامنا اموار عفوية تلقائية بل تدابير محسوبة... وكانت البداية الملفتة هي هذا الارهاب المصنوع والممول بسخاء والملصق عليه بطاقة الاسلام... واعلان انجلترا استضافتها لمؤتمرات الجماعات الاسلامية الارهابية... عجبا!! ومتى كانت انجلترا مؤئلها وملاذا للاسلاميين من اي لون! ومن الذي يغذي هذه الارصدة بالملايين التي تودع في حسابات هذه الطغمه من القتلة المحترفين في بنوك الغرب... وكيف يمكن ان نواجه كل هذا باغماض العين وحسن الظن. والخلاصة المفيدة لكل هذا انهم يريدون ضرب الاسلام في مقتل وانهم قرروا استئجار الحثالة المجرمة من المسلمين لهذا الغرض... وانهم يدفعون لهم ويدبرون لهم المأوى والملجأ والملاذ والشقق الفاخرة في لندن وجنيف. اما لماذا تكلفوا كل هذا المال والجهد... فلأنهم ادركوا انه لا سبيل الى هزيمة المنطقة وتفجيرها الا بضرب الاسلام وتفجيره... والمعنى المستفاد.. ان الاسلام هو بالفعل درع المنطقة وركنها الشديد وصمودها وقوتها وهو الحارس الذي يستدعى عند النوازل والشدائد ولا احد يمكن ان يحل محله ساعة الهول... وهو منتصر دائما وابدا.. رغم جميع عوامل الاحباط.. ومن كان يتصور ان الحملة الصليبية التي اشتركت فيها تمويلا وتسليحا كل دول اوروبا... كان يمكن ان تنكسر على ابواب المقدس بهذه الفئة القليلة المؤمنة من المسلمين الذي خاضوا الحرب. ومن كان يتصور ان جحافل التتار الذين لم تقف امامهم قوة في آسيا ولا في الشرق الاوسط. والتي تهاوت امامهم الحصون والقلاع.. كان يمكن ان تنهزم امام هذا المملوك (قطز) ومعه شرذمة من المقاتلين المسلمين لا يملكون الا اسلحة محدودة. انه الاسلام في الحالين... وراية لا اله الا الله التي لا تهزم. هم ادركوا هذا... ولهذا دبروا من البداية للقضاء على الاسلام واقتلاعه من جذوره... ابتداء من منابعه التعليمية ذاتها... وقالوا في انفسهم... نبدأ به اولا واقرأوا المقال من اوله. ان الدين ليس فقط ضرورة اجتماعية... وليس فقط اداة للسلام الاجتماعي... بل هو الماء والهواء لكل انسان... وهو الركن الشديد الذي سنحتمي به ساعة الهول. واذكروا هذه الكلمات... فهي ليست كلمات للاستهلاك اليومي.

تعليقات

تعليقات