مجلس التعاون الخليجي ، التحديات الداخلية، عبد الرحيم الشاهين

بالرغم من تجمع دول الخليج العربية الست في منظمة اقليمية تعرف بمجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ 26 مايو ,1981 استدعتها ظروف محلية واقليمية ودولية , وبالرغم من ان قيام مجلس التعاون يعد أمرا طبيعيا لدول المنطقة وشعوبها التي تجمعها المصالح المشتركة واللغة والدين والعادات والتقاليد والمصير الواحد من أجل تأكيد بقائها ووجودها ومواجهة التحديات المحيطة بها, وتحقيق التعامل السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي والثقافي فيما بينها. الا ان المراقب للاحداث منذ اعلان قيام مجلس التعاون وحتى الآن يرى ان الاداء الجماعي لدول مجلس التعاون لم يشهد تقدما ملحوظا يعتد به, أو أنه لم يرق الى مستوى طموح وآمال ابناء دول مجلس التعاون الخليجي, ولم يتطور المجلس لكي يصبح اكثر فاعلية, رغم ما تعرضت وتتعرض له منطقة الخليج العربي من اخطار جسيمة. هذا بالاضافة الى ان دول مجلس التعاون لا زالت تعاني من العديد من التحديات التي تقف حائلا دون انطلاق المجلس في تحقيق الاهداف التي انشىء من أجلها. ولعل أهم هذه التحديات تتمثل في غياب المشاركة السياسية التي تعتبر من المسائل المهمة التي تواجه دول المجلس, حيث تفتقر دول مجلس التعاون ــ باستثناء دولة الكويت ــ وجود مشاركة شعبية برلمانية فعلية. ونعتقد ان قضية الديمقراطية تعتبر من الاولويات التي تهم دول المجلس, وهي تعتبر من الدعائم الاساسية لتحقيق الاستقرار والامن لدول المجلس. وهذا يتطلب ضرورة تطوير تشكيل مجالس الشورى واختصاصاتها في دول المجلس, والانتقال في تشكيلها من مرحلة التعيين الى مرحلة الانتخاب المباشر, مع اعطائها دورا تشريعيا فعليا في اتخاذ القرارات. ومن ناحية اخرى نرى ضرورة اثراء التجربة الديمقراطية لمجلس التعاون واجهزته, واعطاء دور لابناء مجلس التعاون في المشاركة في اتخاذ القرارات التي تهم مجلس التعاون, ونرى ان القرار الذي اتخذه قادة دول المجلس في اجتماع القمة الاخيرة في دولة الكويت بانشاء مجلس للشورى معين, وان كان خطوة في الاتجاه الصحيح الا انه دون مستوى الطموح والآمال الخليجية التي تريد ان يكون لها دور فاعل في مسيرة المجلس. كما طالعتنا في الفترة الاخيرة في دول مجلس التعاون مواضيع تتعلق بالشخصية والخصوصية الخليجية ولكن هل توجد فعلا شخصية خليجية بمعزل عن انتمائها القومي العربي؟ ان الفكرة العاطفية التي تنطلق اليوم عن وجود شخصية خليجية مميزة عن انتمائها القومي العربي لن تخدم قضايا الانسان العربي في هذه المنطقة على المدى البعيد بل انها تصب في قناة زيادة الخلافات والصراعات العربية ولانها ايضا فكرة ظهرت بشكل ارتجالي وكردة فعل لظروف موضوعية آنية تتعلق باخطار تعرضت لها المنطقة وليست وليدة قناعات شعبية راسخة مبنية على مصالح مشتركة فالانسان الخليجي والعربي على حد سواء يواجه اخطارا جسيمة تتعلق بالقضاء على وجوده وكينونته وبذلك يجب تعزيز الانتماء العربي وباننا جزء من كيان الامة العربية, وان امننا واستقرارنا ومستقبلنا مرهون بأمن ومستقبل الامة العربية. ومن التحديات الداخلية التي تواجه مجلس التعاون غياب معايير واضحة لمسألة عدالة توزيع الدخل وهذا الامر يتمثل في التفاوت الكبير بين فئات المجتمع, الامر الذي يؤدي الى زيادة الفئة الاجتماعية محدودة الدخل, والتي تعتمد على ما تقدمه الحكومات من خدمات مجانية وهذا الوضع له اثاره في عدم الرضى الشعبي, وعلى المدى البعيد قد تكون له انعكاسات سلبية على دول المنطقة كما تعاني دول المجلس من ضعف الاداء الاداري لاجهزة الادارة الحكومية وتخلف بعض النظم الادارية وعدم فعاليتها, كما تعاني في اماكن متعددة من وجود ادارة تقليدية بطيئة الاستجابة الى متطلبات التنمية والمتغيرات الطارئة مما ادى الى ارتفاع تكلفة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية لبرامج التنمية في هذه الدول, هذا بالاضافة الى الاخطار الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية للعمالة الوافدة غير العربية التي تمثل تهديداً خطيراً للمنطقة وعلى دول المجلس تدارك هذه القضية الخطيرة حتى لا تأتي لحظة من لحظات التاريخ وتعطي هذه العمالة غير العربية حق تقرير المصير ونصبح نحن عرب الخليج أقل الأقليات!! ويتم طمس الهوية الوطنية للمنطقة ولنأخذ من التاريخ العبر والدروس, فقد كانت جزر مالاوي في المحيط الهندي تشكل اغلبية سكانها من مواطنيها الأصليين ولكن منذ خمسين عاما تقريباً انفتحت هذه الجزر على العالم وأصبح سكانها الأصليون يشكلون اليوم حوالي 6% من عدد السكان في حين يشغل الصينيون أكثر من 80% من عدد السكان! وهم المسيطرون على الاقتصاد. ايضاً وبالرغم من استمرار حصول دول مجلس التعاون على عوائد معقولة من تصدير النفط, الا انها لم تتمكن الى الآن من تنويع مصادر دخلها اعتمادا على توافر السيولة النقدية لديها, وبقيت اقتصادياتها مرتبطة بشكل كامل بما يحدث في سوق النفط العالمية. ان التوجهات المستقبلية للعمل الاقتصادي الجماعي والتكامل ضمن اطار مجلس التعاون الخليجي رهينة بوضع سياسات اقتصادية محددة تتجه نحو الاهداف التي حددتها الاتفاقية الاقتصادية الموحدة, فاقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي عادة ما تخضع للاجتهادات المؤقتة وللضرورات المرحلية التي تجعل الاهداف التي حددتها الاتفاقية بعيدة المنال. وتنبع أهمية مسألة الالتزام بسياسات اقتصادية قطرية من أن التوجهات الاقتصادية القطرية اذا لم تصب في اطار سياسة موحدة ومتناسقة مع السياسة العامة للمجلس والتي حددتها الاتفاقية الاقتصادية وفي وقت مبكر, فإنه من الصعب جداً الوصول الى مسار موحد لهذه التوجهات في المستقبل, الامر الذي يتحول معه المجلس من اطار للتكامل الاقتصادي الى أداة من ادوات التحالف السياسي الذي يفقد مقومات تطوره الاندماجي بزوال مبررات هذا التحالف.

تعليقات

تعليقات