أمريكا تريد من عرفات قراراً مستحيلاً... لا صعبا!!بقل- شفيق الحوت

ت عندما تقول مادلين أولبرايت انه قد آن الأوان ليتخذ الاسرائيليون والفلسطينيون (القرارات الصعبة) , وعندما لم يجد دنيس روس ما يتبجح به بعد زيارته الأخيرة لفلسطين غير نجاحه في الإعداد لزيارة كل من نتانياهو وعرفات الى واشنطن ما بين 20 - 22 من هذا الشهر (اي ما بين الأمس واليوم وغداً), فباستطاعة الواحد منا أن يقرر سلفا بأن لاشيء جديا سيخرج من هذا الاجتماع, وانه قد يكون علينا الانتظار لبقية العشر سنوات التي قال اسحق شامير انه كان ينوي قضاءها في التفاوض مع الفلسطينيين في أعقاب انعقاد مؤتمر مدريد. فنتانياهو لا يقل صهيونية عن سلفه في الليكود, بل لقد تفوق عليه, ولذلك فلربما يلطعنا مدة أطول من عشر سنوات. على اي حال ليس لدى اي عاقل من شك اننا سندخل القرن الحادي والعشرين وقضية فلسطين معلقة على جدول أعماله. كم كنا نتمنى لو أفصحت وزيرة الخارجية الأمريكية عن ماهية هذه القرارات الصعبة التي تحدثت عنها وساوت بين الاسرائيليين والفلسطينيين في تحمل مسؤوليتها, من قبيل الافساح في المجال للرأي العام الدولي والاقليمي, بما في ذلك الرأيان العامان الفلسطيني والاسرائيلي, للأطلاع على حقيقة الموقف من المنظور الأمريكي, منظور راعي عملية السلام الواحد الأحد, والشريك النزيه الذي لا شك ولا شبهة حول حياده وترفعه عن اي انحياز!! أوليس في مثل هذه المشاركة ما قد يدفع القوى الدولية والاقليمية, رسميا وشعبيا, للإسهام في تذليل هذه الموانع من أمام الفلسطينيين والاسرائيليين التي تعيق قدرتهم على اتخاذ هذه القرارات الصعبة؟ أما وأنها - أي السيدة أولبرايت - لم تفعل, فمن حقنا ان نخمن ونحاول ان نحزر ما هي هذه القرارات الصعبة! عندما أسقطت القيادة الفلسطينية سنة 1974 حق شعب فلسطين بتحرير كامل ترابه الوطني, واقتنعت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3236 الذي نص على ما يسمى بالحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف, والتي حددها بالاستقلال الوطني والعودة وتقرير المصير... كان ذلك قراراً صعباً. وعندما أعلنت القيادة الفلسطينية موافقتها على قرار المجلس الوطني الفلسطيني في الدورة الثانية عشرة سنة 1974 بقبول (سلطة وطنية فوق أي جزء من فلسطين...) , ثم عادت وأكدت ذلك بدون مواربة بقرار أكثر وضوحاً في الدورة الثالثة عشرة سنة 1977 اي (إقامة دولة فلسطينية فوق اي جزء...) , كان ذلك أيضا قراراً صعباً. وفي الدورة التاسعة عشرة سنة ,1988 اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني قراراً في منتهى الوضوح عندما اعلن عن قيام (دولة فلسطين) على (ارضية) قرار التقسيم ولكن ليس فوق (ارضه) وانما فوق ما احتل سنة 1967 من أراض فلسطينية, متنازلا في ذلك عن كل ما أضافته اسرائيل من أرض في حرب 1948 وذلك باعترافه بالقرارين 342 و,338 كان ذلك أيضا قراراً صعباً... وصعبا جداً. كذلك يمكن القول ان قرار القيادة بالموافقة على المشاركة في مؤتمر مدريد كان هو الآخر قراراً صعباً. أما قبول القيادة الفلسطينية بالتوقيع على اتفاقية أوسلو, فلم يكن صعباً وحسب, بل وأقرب الى المستحيل, ولولا جنوح القيادة الى العسف وتجاوز صلاحياتها, مع ما كان يسود الأجواء العربية من احباطات أمام المتغيرات الدولية, لما استطاعت هذه القيادة ان توقع ما وقعت عليه. وكانت النتيجة هذا الشرخ في الصف الوطني الفلسطيني كما في الصف العربي, اي بعبارة أخرى فلقد كان هذا القرار ذروة الذروات في صعوبته, ومع ذلك مر ولو بتعثر, ولكنه مر. ولن نشير الى ما تلا تلك الاتفاقية من اتفاقيات في القاهرة وطابا وباريس, وما اتخذ فيها من قرارات صعبة كانت كلها ترجمة اسرائيلية لمفهوم اسرائيل ولقراءتها للاتفاقية الأم, اي اتفاقية أوسلو. فإذا كانت كل هذه القرارات - التنازلات من قبل الجانب الفلسطيني لاتعتبر قرارات صعبة, فأية قرارات تتوقع أولبرايت بعد؟ في المقابل, ما هي القرارات الصعبة التي اتخذتها اسرائيل وماهي التنازلات التي قدمتها من اجل السلام وشرعية الاعترافين الفلسطيني والعربي بها, وكسر طوق العزلة دوليا عنها؟ الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة لشعب فلسطين بعد تعهد قيادة المنظمة بما تعهدت به من اعتراف بحق وجود دولة اسرائيل بأمن وسلام, وبقبول قراري مجلس الأمن 242 و,338 وبإلزام نفسها عملية السلام والحل السلمي بين الحانبين, والاعلان عن ان كل القضايا العالقة والمتعلقة بالوضع النهائي ستحل عن طريق المفاوضات, ونبذ استخدام الإرهاب وغيره من أعمال العنف (اي المقاومة بكل أنواعها), وتحمل مسؤولية ضبط المخالفين لذلك وتأديبهم. فهل كان هذا قراراً صعبا على اسرائيل؟ وهي التي عانت من الانتفاضة ما عانته حتى وصل الأمر بوزير دفاعها آنذاك, صاحب القبضة الحديدية وكاسر عظام الأطفال اسحق رابين ان يقول ذات يوم انه يتمنى لو يصحو من النوم ليجد غزة وقد غارت في البحر؟ ولما اصبح رئيساً للوزراء هدد بانسحاب أحادي منها؟ هل كان قراراً صعباً على اسرائيل القبول بقرار تحول فيه ضباط ومقاتلو جيش التحرير الفلسطيني وثوار العاصفة الى شرطة تقتحم المنازل بحثا عن سلاح أو ثوار مجاهدين, وتوفير عناء هذه المهمة الشاقة المكلفة عن كاهل جيش (الدفاع) الاسرائيلي؟ هل كان هذا قراراً صعبا على اسرائيل ان ترى من كانوا يتبارون في إصدار بياناتهم عن عملياتهم الفدائية أصبحوا اليوم يتبارون في تعاونهم مع الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية, ويتباهون أمام الصحافة وعدسات الكاميرات في الكشف عن نشاطاتهم في ملاحقة رفاقهم وإخوانهم ومن تتلمذوا في مدرستهم؟ وهل كان صعبا على اسرائيل, عندما وقعت على اتفاقية أوسلو ان تأخذ قراراً بتشكيل لجنة اسرائيلية - أردنية - مصرية - فلسطينية, (لتقرر بالاتفاق اشكال السماح للأشخاص المرحلين من الضفة الغربية وقطاع غزة في سنة ,1967 بالترافق مع الاجراءات الضرورية لمنع الفوضى والاخلال بالنظام) ؟ ليس لنا من تعليق حول هذا القرار (الصعب) سوى السؤال عن عدد الذين استطاعوا العودة الى الوطن وديارهم من هؤلاء النازحين؟ لا أحد. نعم, لا أحد. ولم تعقد هذه اللجنة غير ثماني اجتماعات منذ 1993 حتى اليوم, ولا يزال على جدول أعمالها بند معلق يتناول الخلاف حول تفسير (من هو النازح) ؟. أين هو القرار الصعب الذي اتخذته اسرائيل وأعربت فيه عن اي نوع من التنازل, اي نوع على الأطلاق؟ قد يقول قائل من بيننا للأسف, وليس من بين الاسرائيليين لأنهم ادرى بالحقيقة, ان اسرائيل قامت بانسحابات عسكرية وكان من المفروض ان تنسحب من مناطق أخرى! أولاً وقبل كل شيء فالكلمة (انسحاب) مرفوضة لأنها كذب وخداع. وما تم حتى الآن هو نوع من (إعادة الانتشار) والفرق شاسع لا يعرفه العسكريون وحسب, وإنما اي طفل يشاهد شاشة التلفزيون ويرصد ما يحدث يومياً في الأرض المحتلة, وبخاصة في الخليل. وعلى كل حال ففي الاتفاقية ما يضمن ان الأمن لاسرائيل وللاسرائيلي اينما كان يبقى بيد السلطات الاسرائيلية. وحيث تشتد الحاجة لحفظ ماء الوجه تقوم الشرطة الفلسطينية بدور الجندي الاسرائيلي. ويقول لي صديق عاد مؤخراً من قطاع غزة, ان الذاهب جنوبا الى خان يونس يضطر للخروج عن الطريق العادي فينحرف يمينا أكثر من كيلومتر ثم يتجه جنوبا نفس المسافة, ثم شرقا ليعود الى الطريق (العادي) وان هذا كله من أجل مستوطن واحد أقام مزرعة لتربية الكلاب!! ومع ذلك, ورغم الآف المساكن التي تم بناؤها في المستعمرات الجديدة ومصادرة مئات الكيلومترات من اجل الطرق الملتوية, فإن (اعادة الانتشار) هذه لم تتم. ولا حاجة للمزيد من التساؤل حول ما قدمته اسرائيل من تنازلات أو اتخذته من قرارات صعبة فحتى اللحظة هي الرابحة ونحن مهزومون, وهذه هي الحقيقة. ولكن... وهنا بيت القصيد ومربط الفرس وعقدة العقد, وهي استحقاقات المرحلة النهائية, والتي يريد نتانياهو حسم حلها قبل الوفاء بما تم الاتفاق عليه في عهده وعهد من سبقوه, لأنه يدرك سلفا بأن المطلوب من القيادة الفلسطينية هذه المرة قرارات في حكم المستحيل. وكلنا يعرف لاءات نتانياهو التي بزت لاءات الخرطوم شهرة. لا لعودة اي شبر من ذلك القسم من القدس الذي تم احتلاله عام 1967 باعتبارها عاصمة أبدية لاسرائيل. ولا للعودة الى حدود ما قبل 1967 ولا حدود للأردن أو مصر إلا مع اسرائيل. ولا عودة للاجئين ولا للنازحين. بعد هذه اللاءات الكاسحة قد لا يمانع نتانياهو - إذا أصرت القيادة الفلسطينية - من الاعلان عن دولة فلسطينية فوق أدنى رقعة من الضفة والقطاع اللذين أصبحا كالغربال أو كالوجه المصاب بندوب مرض الجدري من كثرة ما فيهما من مستوطنات. طبعا ستكون دولة بالشكل ولكن من دون سيادة لا على أرضها ولا ما في باطن هذه الأرض ولا ما فوقها من فضاء. الست مادلين أولبرايت تعرف ذلك وأكثر منه, وهي تعرف ان القيادة الفلسطينية قامت بكل ماهو مطلوب منها أوكثر في إطار المرحلة المؤقتة وبخاصة في المجال الأمني حيث زاد عدد المعتقلين في عهد سلطتها في الوقت الذي لم تستطع فيه الأفراج عن كادر أو عنصر من كوادرها وعناصرها القابعة في السجون منذ عشرات السنين. لا... ليس الأمن, ولا قمع المظاهرات, ولا ملاحقة الثوار, ولا اي شيء من هذا القبيل هو المطلوب أو الموصوف بالقرار الصعب. المطلوب هو المستحيل. المطلوب هو تصفية فلسطين, وتاريخ وتراث فلسطين, والتطلعات الانسانية لشعب فلسطين الى حياة حرة مستقلة, مقابل, (دولة) وهمية وسجادة حمراء وفرقة موسيقية تعزف اي حاجة. فهل يمكن ان يحدث هذا؟ كل شيء ممكن, بما في ذلك هدم الهيكل على من فيه... ولليهود في ذلك سابقة مشهورة!!

تعليقات

تعليقات