الأبعاد الحقيقية لتصفية الشريف ـ بقلم: نعيم الأشهب

تحاول حكومة نتانياهو, بما في ذلك على لسان رئيسها ووزير دفاعها, ان تتنصل من جريمة تصفية محيي الدين الشريف. ومعروف, في هذا الصدد, سجل اسرائيل الحافل في ممارسة الارهاب على مستوى الدولة. وكان آخرها محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان. وفي حينه, انكر المسؤولون الاسرائيليون في البدء ــ كما يفعلون اليوم بخصوص اغتيال الشريف ــ ان يكون لاسرائيل اية علاقة بمحاولة اغتيال مشعل, ولكن امام حقيقة اعتقال عملاء هذا, عاد الوزير شارون ليؤكد علنا على التصميم لاغتيال مشعل اياه. ولكن في الوقت الذي تحاول فيه حكومة نتانياهو دفع تهمة اغتيال الشريف عن نفسها, تتصرف بطريقة تدفع التهمة نحو الطرف الفلسطيني. والغرض من ذلك لا يحتمل اللبس أو التأويل. انها (تهدف الى تصدير فتنة داخلية الى المجتمع الفلسطيني) , كما جاء في بيان المجلس التشريعي الفلسطيني في هذا الخصوص. أي محاولة اشعال الحريق داخل البيت الفلسطيني, لتمزيقه وانهاكه وتحويله عن الاصرار على مطالبته الطرف الاسرائيلي بتنفيذ الاتفاقات الموقعة. أما اذا فشل هذا السيناريو,واستقر الاتهام محددا الى الجهة الحقيقية وراء الجريمة, وهي اجهزة الشين بيت وفرق المستعربين الاسرائيلية, فإن هذا بدوره يخدم الغرض وبنفس الجدوى. فهذه الجريمة, في توقيتها, تشكل دعوة استفزازية صريحة لحماس, بالرد الانتقامي, بعد ان طال انتظار المسؤولين الاسرائيليين ونفد صبرهم لعمليات عنف ضد الاسرائيليين المدنيين تؤمن لهم الغطاء المطلوب, لدعم مزاعمهم المغرضة حول (الأمن الاسرائيلي) وتساعدهم على الخروج من دائرة الضغط الدولي التي تضيق من حولهم, والتي تعددت وتزايدت مظاهرها في الآونة الاخيرة, بخاصة بعد منع قيام عدوان على العراق, الى الحد الذي راح يحرج, بدوره, واشنطن حليف اسرائيل الاستراتيجي. وفي الوقت الذي تقوم به حكومة نتانياهو بهذه الاعمال على الجهة الفلسطينية, تسعى, على الصعيد الامريكي لتحريك اللوبي الصهيوني وتجنيد انصارها داخل الكونجرس الامريكي, لشل اي تحرك لادارة كلينتون المحرجة علما بأن هذه الادارة ماتزال تقف مترددة حتى في الاعلان عن مبادرتها الموعودة التي طال انتظارها. والحقيقة, ان تاريخ الصراع الفلسطيني والعربي ــ الاسرائيلي المعاصر حافل باستثمار حكام اسرائيلي لأية عملية غير محسوبة او متطرفة لتأمين الغطاء لجرائمهم المبيتة أو لانقاذهم من عزلة أو ازمة داخلية أو خارجية. هكذا, كان اغلاق مضائق نيران الغطاء لعدوان 1967 المبيت والمخطط على مدى عشر سنوات مسبقة. وهكذا كان الامر, حين اكمل حكام اسرائيل عام 1982 ترتيباتهم للحملة العسكرية على لبنان, لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية. وفي حينه, عندما احوجتهم الحجة, لشن ذلك العدوان المبيت, في اي احتكاك بخاصة جنوبي لبنان, حيث حالت دون ذلك آنذاك يقظة قيادة المنظمة التي كانت لها السيطرة على الوضع هناك, فقد اعتبروا محاولة الاغتيال الفاشلة للسفير الاسرائيلي في لندن على ايدي مجموعة أبونضال, حجة كافية لتأمين الغطاء المطلوب لشن ذلك العدوان. واذ يصعد نتانياهو وحكومته من الصراخ الذي لا ينقطع عن اسطورة (الأمن الاسرائيلي) , فإن الهدوء النسبي الذي ساد خلال اشهر طويلة يبدو مثيرا لأعصابهم في هذا الصدد. ومع انه يبدو مناقضا للمنطق, فإنه بسبب من هذا الهدوء بالذات, الذي يعود قبل كل شىء الى الوعي العام في الوسط الفلسطيني لأهداف المحتلين, راح نتانياهو وحكومته مؤخرا يطالبون بتخفيض عدد الشرطة الفلسطينية, بأمل ان يفلت زمام الأمن على الساحة الفلسطينية ويكون ذلك الحجة المطلوبة للادعاء بأن بقاء الاحتلال واستمراره هو وحده الكفيل بتأمين الامن للاسرائيليين المحتلين ومستوطنيهم وجنودهم. ومن هذا المنطلق بالذات, يرفض حكام اسرائيل ان يشارك حتى جهاز السي. اي. ايه (المخابرات المركزية الامريكية) في تقييم دور الجانب الفلسطيني في الحفاظ على الأمن. وهذا, في وقت يصعدون فيه اجراءاتهم التي تغذي التطرف وتعمقه, من سياسات التجويع والاذلال وانتزاع المزيد من الارض الفلسطينية وبناء المزيد من المستوطنات والطرق الالتفافية وغيرها من الجرائم والاستفزازات المثيرة. والآن, اذ يحمل نتانياهو السلطة الفلسطينية مسؤولية اية اعمال انتقامية على عملية اغتيال الشريف, فإنه يعلن صراحة بأن وقوع مثل هذه الاعمال سيؤدي الى الغاء تنفيذ عملية اعادة الانتشار الثانية ــ وهذا هو بيت القصيد. وعليه, فلعل افضل رد على الجريمة الجديدة التي تلطخت بها ايدي حكام اسرائيل مرة اخرى هو, في هذا الوقت بالذات, الذي تضيق فيه الحلقة من حول نتانياهو وحكومته, التصرف بالحكمة المطلوبة وتفويت الفرصة عليه, وعدم اعطائه غطاء يساعده في الافلات من قفص الاتهام امام العالم لرفضه تنفيذ الاتفاقات الموقعة والتنكر لأسس العملية التفاوضية وقرارات الشرعية الدولية. فهل تتغلب الحكمة على العاطفة.

تعليقات

تعليقات