كاسترو يهزم كلينتون بالأرقام...! بقلم - الدكتور طلعت شاهين

أثبتت التجارب خلال السنوات الأخيرة ان الارقام ــ اي رجال الاعمال والمال والشركات الكبري ــ لهم سيطرة كبيرة على عقول السياسيين, وان اية سياسة يحاول بعض هؤلاء السياسيين ان يطبقوها تنفيذا لافكارهم الخاصة قبل الجلوس على مقعد السلطة, او كنوع من التعامل السياسي البحت لابد وان تضع في اعتبارها المصالح الاقتصادية الخاصة لرجال المال والاعمال, وليست المصالح الاقتصادية لبلد السياسي كوطن, ولا فارق في هذا بين دولة كبرى لها مصالحها الاستراتيجية واخرى صغرى, وان كان الامر مختلف في مدى استفادة تلك الدولة, لأن رأس المال في الدول الكبرى يحقق عائدا يعود الى خزانة الوطن, اما دوره بالنسبة للدول الصغرى فهو لا يعدو انه يكون مالا مضاربا, اي يحقق الارباح بأسرع وسيلة ممكنة ثم يخرج بسرعة قبل ان تلحق به اية خسارة, مخلفا من ورائه شركات خاسرة, ومصانع مدمرة, وعمالا لا يجدون قوت يومهم. لذلك فإن رجال الأعمال وأصحاب الشركات أو رؤوس الأموال تشكل جماعات ضغط في العديد من المناطق القريبة من (صناع القرار السياسي) الهدف الاول لتلك الجماعات توجيه سياسات الوطن الذي يحمل هذا المال اسمه, أو يرفع علمه نحو تحقيق المزيد من النفوذ والمال, ومن هذا المنطلق فإن اصحاب رؤوس الاموال او من يمثلهم في حالة الشركات متعددة الجنسية يضغطون في اتجاه سياسة يعلنها وينفذها سياسيو الدولة, اما لفتح اسواق جديدة امام منتجات تلك الشركات, او لاغلاق اسواق في وجه منتجات اخرى منافسة, ومن هنا فإن شعارات الدول السياسية في حالة توجهها نحو منح دولة لقب (الأفضلية في التجارة) او فرض العقوبة على بعض الدول باسم (السياسات الدولية) , انما تفعل ذلك لتحقيق مصلحة اقتصادية محددة لفئة محددة, وقليلا ما تفعل ذلك من اجل تحقيق رفاهية للطبقة العريضة من الناخبين الذين رفعوا هؤلاء السياسيين الى مقعد السلطة. من هذا المنطلق يمكننا التعرف على مسار سياسة الدولة الاعظم في العالم الآن, الولايات المتحدة الامريكية, التي تثير في كثير من الاحيان حيرة بعض المراقبين, لأن المحلل السياسي اذا اعتمد على ان مصالح الولايات المتحدة الحيوية كدولة هي الاساس فإنه سوف يخطىء كثيرا في فهم اكثر القرارات السياسة الصادرة عن (البيت الأبيض) , وسوف يجد نفسه مذهولا امام بعض القرارات التي يصدرها اصحاب القرار في واشنطن, ثم يجدهم يعدلون عنها بسرعة متناهية, بل في بعض الاحيان يهرولون للتراجع عن قرار يمكن ان يهدد جماعات الضغط مع انه لصالح الولايات المتحدة كدولة, وكأنهم يحاولون ايجاد مخرج من مأزق حقيقي, بل انه في خضم الدعاية لقرار من القرارات سوف يجد المراقب جانبا من العاملين مع الرئيس الامريكي يبحثون عن طريقة للعدول عن قراراتهم وكأنهم يدارون (عورة) . الخطورات التي اتخذتها الولايات المتحدة في مواجهتها الطويلة مع الزعيم الكوبي (فيدل كاسترو) خلال السنوات الاخيرة كانت من هذا النوع, بدأ المعركة الرئيس السابق (جون كنيدي) , ولكن فشله الذريع والعار الذي جلبته عليه عملية (خليج الخنازير) جعلته يرتمي في احضان المغامرة معلنا حصارا ابديا ضد كوبا لا ينتهي حتى يسقط نظام كاسترو. ذهب كنيدي ضحية لقوى مجهولة باع نفسه لها, وذهبوا من جاءوا من بعده يجللهم عار مغامراتهم العسكرية في فيتنام وغيرها من المناطق الساخنة في فترة الحرب الباردة, وبقي (فيدل كاسترو) على الطرف الآخر من (خليج الخنازير) يسخر من سياسة الولايات المتحدة في غضب. الرئيس كلينتون كان يحاول منذ وصوله الى البيت الابيض ان يبدو امام العالم قويا وحازما فيما يختص بحصار الجزيرة الصغيرة, رغم انه يعرف تماما ان هذا الحصار من جانب واحد, ويخرج عن نطاق الشرعية الدولية, التي يجعجع بها الامريكيون في كل مكان عندما يتعلق الامر بقضايا يرون انها تؤثر على مصالح شركاتهم المباشرة, واتجاه كلينتون نحو مزيد من حصار الجزيرة الكوبية كان تلبية لضغط مجموعة الشركات التي كان يمثلها المعارض الكوبي (ماس كانوسا) , الذي تتهمه اوساط الشركات الامريكية الاخرى بأنه ينتمي الى (مافيات) كاليفورنيا, وان ضغطه على البيت الابيض لمزيد من حصار فيدل كاسترو وليس هدفه تحقيق الديمقراطية في كوبا, بل اسقاط النظام ليحتل هو كرسي السلطة فاتحا الطريق امام شركاته لتحقيق المزيد من الارباح, لذلك كانت علاقته بالرئيس كلينتون مثار شكوك حول رشاوى دفعها للبيت الابيض, ولكن بموته ذهبت معه تلك الشكوك الى القبر الابدي. في تلك الفترة التي كان يمارسها فيها رجل الاعمال الكوبي ضغوطه على البيت الابيض كان المراقبون في حيرة من الاصرار الامريكي على حصار نظام كاسترو, الذي دوخ كل مؤسسات الرئاسة الامريكية وفشلت في اغتياله اقوى مخابرات في العالم, وبموت ذلك الرجل وانحسار نفوذه لدى البيت الابيض نجد ان هناك قرارات تتخذ في اتجاه تخفيف هذا الحصار, على ان يكون التخفيف مقتصرا على السماح بالتبادل مع الجزيرة تجاريا اي ان قرارات الرئيس الامريكي التي كانت تحاول دائما ان تبدي نوعا من الحزم تجاه نظام كاسترو, سرعان ماتبحث عن مبررات لتعدل عن ذلك الحزم, وتتحول سياسة اليد الحديدية الى سياسة اليد المفتوحة نحو التجارة مع هذا النظام (الملعون) ومع الاصرار على ان يظل شعار (الحصار) قائما وكأنه ورقة التوت التي تستر عورة من يصنعون القرار في البيت الابيض. هذه المرة لم يكن تخفيف الحصار ضد كوبا استجابة لدواعي انسانية او حتى استجابة لنداءات (بابا الفاتيكان) الذي ادان الحصار علنا اثناء زيارته الى كوبا مؤخرا بل كان استجابة لشركات امريكية اخرى ترى ان الفرصة حانت لها لتحقيق ارباح مالية وتعويض خسائرها التي لحقت بها من جراء حصار كوبا, ومنع التجارة معها خلال فترة نفوذ (ماس كانوسا) اي ان التغيير جاء تحت ضغط مصالح الشركات الامريكية وليس استجابة لسياسة معروفة واستراتيجية مخطط لها سلفا من صناع القرار في البيت الابيض بل جاء التغير بانحسار وتقلص نفوذ شركات في الوقت الذي ازداد فيه نفوذ شركات اخرى. الدليل الدامغ على ان التغيير الذي حدث في سياسة امريكا تجاه كوبا كان لتحقيق مصالح شركات امريكية, هو دخول وزيرة الخارجية (مادلين اولبرايت) طرفا في تلك المعادلة غير المفهومة, كانت اولبرايت خلال وجودها كممثلة لامريكا في الامم المتحدة من اكثر المتحمسين لضرب مزيد من الحصار على نظام فيدل كاسترو وكانت تواجه دون خجل اتهامات اعضاء مجلس الامن للحصار الامريكي, واتهامهم للولايات المتحدة بالعمل بمعزل عن الشرعية الدولية ووصفهم الحصار بأنه غير شرعي ويعتبر منافيا للاعراف الدولية في كل مرة كانت تتقدم فيها كوبا بطلب لادانة ذلك الحصار. وفجأة نجدها تعدل عن رأيها وتطالب رئيسها (بيل كلينتون) بتخفيف الحصار لكن هذا التخفيف يأتي في اطار السماح لشركات معينة بالتعامل المباشر مع كوبا اي ببساطة التجارة في اسواق كانت محرمة على تلك الشركات حتى هذه اللحظة مما يعني ان تخفيف الحصار يحقق مزيدا من الارباح لتلك الشركات, ولتذهب الاهداف الاستراتيجية للسياسة الامريكية التي يتم رفع شعارها دائما الى الجحيم لان هذا الوقت يدخل في اطار زمن رأس المال الباحث عن التعامل مع السوق الكوبي ونجد الوزيرة المعارضة لكاسترو حد الموت تبحث عن مبررات جديدة لحماسها الجديد يناقض مبررات حماسها السابق, فتعترف علنا ان السياسات الامريكية تجاه نظام كاسترو لم تحقق نتائج مقبولة اي ببساطة ان السياسة الامريكية حققت فشلا ذريعا مع انها لا تختلف عن سياسات اخرى تتشدق بها في مناطق اخرى من العالم ومنها المنطقة العربية او بلغة السياسة الامريكية (شمال افريقيا والشرق الاوسط) . ولاول مرة لانسمع صوتا لمجموعة شركات (ماسا كانوسا) التي كانت تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما كانت تسمع صوتا يطالب بتخفيف الحصار, ولا حتى صوت رئيس لجنة السياسة الخارجية بالكونجرس الذي كان وراء قوانين تحريم التجارة مع كوبا وايران وليبيا, وفي المقابل نسمع اصوات الشركات الاخرى وممثلي المصالح المالية الذين أصبح صوتهم مسموعا لدى البيت الابيض مطالبة بالمزيد من الانفتاح على الجزيرة الكوبية التي تفتح ابوابها للشركات الاوروبية رغم القوانين الامريكية التي توقع العقوبات على تلك الشركات المتعاملة مع النظام الكوبي. تعديل مواقف الرئيس الامريكي الاخيرة تجاه كوبا تدل على ان فيدل كاسترو استطاع ان يهزم سياسة الرئيس كلينتون بالارقام وهي مراهنة قديمة لان الزعيم الكوبي كان يعلم تماما ان بلاده تمثل مستقبلا كبيرا لاي رأس مال يحاول الاستثمار في ارض بكر, وان فتحه الابواب امام الشركات الاوروبية سوف تكون له نتيجة حاسمة تدفع الشركات الامريكية الى الضغط على واشنطن لتتيح لها فرصة المنافسة في كوبا لكن المعارض الكوبى (كانوسا) كانت امواله اكثر تأثيرا, وبموته ذهب تأثيره معه الى القبر. كاتب مصري مقيم في اسبانيا *

تعليقات

تعليقات