عن قضايا الصحافة وهموم الصحفيين (2-2) صحافة التفاهة وبرامج الارتجال.. صفراء ايضاً ـ بقلم: محمد الخولي

كامل الاحترام للتعريف المعتمد والشائع الذي يصدق على (الصحافة الصفراء) بوصفها صحافة الاثارة والرغبة المحمومة الرعناء في الرواج سواء من حيث التوزيع او ارباح الاعلانات. ومن ثم فهي لا تتورع عن دغدغة الغرائز ومخاطبة احط الرغبات عند البشر . وهي بذلك لا ترى في البشر سوى كائنات تعيش في غرفات النوم او في زوايا المطابخ لا هم لها سوى الجنس والاستهلاك, وان عرضت لقضايا فهي قضايا الجريمة المنحرفة وكأنها بذلك تردد مقولة اناتول فرانس الشهيرة عن البشر: انهم يولدون ويتعذبون ثم يموتون, ولكن ترددها بعد تحريف يشوبه المرض والغرض في آن واحد فتقول عن البشر: ــ انهم يولدون.. وينحرفون ثم يموتون. لكن, مع هذا الاحترام الكلي لمفهوم او تعريف صحافة الاثارة, فنحن نظن ان هذا التعريف الذي اصبح كلاسيكيا بعد نشوئه منذ نحو مائة عام بات في زماننا بحاجة الى تعميق او اثراء وذلك على محورين نضيفهما الى هذا التعريف على النحو التالي: ــ اولاً بقدر ما ان هناك جرائد الاثارة ومجلات الجنس الرخيص بالعبارة الهابطة والتصاوير والتهاويم المخرفة والمريضة, فإن هناك ايضاً الاعلاميات الصفراء بصرية كانت او سمعية.. هناك برامج التلفزيون التي تتلصص كاميراتها على خصوصيات الفعل والسلوك الانساني.. وتخترق عدساتها ستور المخادع كي تدخل من باب اللاأدب المكشوف, الذي اسماه عباس العقاد يوما بأدب الفراش, وهناك ــ في امريكا بالذات ــ عشرات, بل مئات من محطات الاذاعة المسموعة التي تهدر ليل نهار برسائل اعلامية مدمرة من حيث سوقية الألفاظ وفحش التناول لمواضيع لا تكاد تخرج عن الدوران حول النزعات البهيمية في السلوك البشري في حال انحرافه عن كل ما تواضعت عليه تعاليم الاديان والأعراف والذوق السليم بل وقواعد الصحة العامة, ناهيك عن جوانب السمو بالنفس البشرية الى حيث تحلق في ذرى الابداع والرقي ومخاطبة الأنا العليا في الكائن الانساني وهي العوامل التي تصنع الحضارة وتميز دنيا البشر في كسبها, ونضالها ومعاناتها وتساميها وعذاباتها واشواق الروح فيها عن حمأة امريكا المستنقع وفوضى الغابة حيث لا عرف ولا قيمة ولا قانون. والتلفزيون ايضاً وهنا ولا حرج عن محطات تلفزيونية لا تلبث مع هزيع الليل ان تتحول الى مواخير مرئية ومسموعة. واشد ما يكون الاستفزاز عندما تتساءل عن جدوى هذا كله, وعن الأثر المدمر لهذا كله.. أو عن مبرراته ومسوغاته فإذا بالجواب يأتيك قبل ان يرتد اليك طرفك: ــ تلك يا مولانا هي حرية التعبير.. وما أبأس هذا النمط من الحرية وما أتعس اشكال التعبير. ــ ثانياً ولعل هذا هو الاخطر والأضل سبيلاً.. فإذا كنا قد سلمنا بوجود الصحافة الصفراء, ومن ثم الاعلام الاصفر على نحو ما اشرنا اليه وهو اعلام الاثارة والغرائز وابتذال الرواج وسوقية الاتجاه.. فان الفصيل الأخر الذي يصدق عليه لفظ (الصفراء) او الاصفر, هو اعلام التفاهة والهيافة والركاكة (الفهاهة ــ اعزك الله ــ هي في القاموس الغفلة والسقوط الفكري). من ثم فالصحافة التافهة هي صحافة صفراء مكتوبة كانت او مرئية او مسموعة والمحرر الذي يرص كلمات ما انزل الله بهن من سلطان. كلمة من هنا وعبارة من هناك او يكتفي بتدبيج قصائد المديح الاعرج الخائب في كفاية صاحب المعالي او في مواهب الفنانة اللهلوبة.. والمترجم الذي لا يفتح قاموسا او يستشير موسوعة.. ويعتمد ــ وهما من عنده على ان كله عند قرائه العرب صابون ــ كل هؤلاء ينتجون صحافة صفراء وهي ليست صحافة الاثارة بالضرورة ولكنها صحافة الهيافة والخلط وعدم المسؤولية والاستهبال. والمذيعة التلفزيونية التي تكلف ببرنامج فلا تتورع عن انفاق معظم الوقت امام المرآة لزوم الماكياج وروعة الحسن واناقة الصورة اضعاف اضعاف ما تمضيه في اداء مسؤولية الكلمة التي تحملها امام الله وامام شرف المهنة ونبل الرسالة المكلفة بها ثم امام جماهير المشاهدين.. هذه المذيعة, ولا نسمي احدا بالذات, لن تتورع عن متابعة ضيف برنامجها بايماءات جهول وهمهمات تافهة ومداخلات بغير طعم او علم لمجرد اثبات الوجود, وغير بعيد حكاية مذيعة في محطة عربية كبرى اذ كلفوها بتقديم برنامج عن المفكر الراحل عباس محمود العقاد ولأنها آثرت المركب السهل وربما اتبعت نظرية العرب.. والصابون .. فقد توكلت على الله وادلت بدلوها العاجز فاذا بها تفوق الزعيم سعد زغلول! كيف كيف... لان سعدا رحمه الله.. وصف العقاد يوما فقال: ــ انه الكاتب الجبار... وكان يلخص في هذه العبارة اعجابه بموهبة العقاد وصراحة العقاد وشجاعة قلم العقاد, اما زميلتنا مذيعة الصابون فقد آثرت ان تلخص العقاد (75 كتابا في التاريخ واللغة والنقد والسياسة والاجتماع وعلم الالهيات وتراجم العظماء) فجاء تلخيصها على شكل سؤال من اخيب ما يكون في عاميته الدارجة ــ (موش ده اللي كان عدو المرأة؟) و... كان الله في عون جماهير المتلقين ومنهم اطفال في طور التشكيل, ومنهم شباب ينظرون الى رجل الاعلام, او سيدة الاعلام بوصفه, او بوصفها مثلا اعلى او نموذجا في اداء الدور (رول موديل) كما يقول علماء السلوك نموذجا يحتذى في الوعي والثقافة او على الاقل في الاحاطة او الالمام الجاد بالموضوع المطروح كيف لا.. وقد منح الناس لهذا الاعلامي او الاعلامية ما منحوه من شهرة وتقدير حتى لا نتكلم عن المعاش السخي وسائر المزايا العينية والكيفية التي يباهي بها الاقران. عن السوب ــ أوبرا وبمناسبة حكاية كله عند العرب صابون بمعنى الارتجال في التحضير للمادة الاعلامية وتجاهل مسؤولياتها لحساب السطحية والرعونة الجهول والفهاهة والاستسهال, فليس صدفة ان يكون التعبير الاثير في ادبيات الاعلام الامريكي المعاصر هو اوبرا الصابون (سوب اوبرا) وهو يصدق على المسلسلات الخفيفة التي لا يقصد منها سوى ازجاء فراغ المشاهدين او تدليل عواطفهم بقصص الحب الممطوطة عبر عشرات واحيانا مئات الحلقات وعداد الاموال شغال. ولا يغيبن عن بال سيادتك ان هذه المسلسلات عاطفية كانت او كوميدية لم تخرج الى الوجود كصيغة اعلامية او فصيل تلفزيوني, الا لغرض واحد كان في البداية يتمثل في اختلاف سياق ــ مجرد سياق برامجي لاذاعة الاعلانات عن ماركات الصابون وما في حكمه من منظفات ومساحيق. والحق نقول ان اوبرات الصابون هذه ما لبثت ان تطورت عند الامريكان ونضجت وقدمت اعمالا جميلة ومفيدة ومبدعة, لكن يبدو ان هناك في اوساطنا الاعلامية العربية من لا يزال يتمسك ببدائية اعلام الصابون, تستوي في ذلك قنوات المحليات والقنوات القمرية الفضائية للاسف الشديد والخطأ ليس عيبا, بل العيب هو ان يسير القوم في الخطأ او تأخذهم, وما اكثر ما تأخذهم العزة بالاثم. والا فدلنا على محطة تليفزيونية عربية فاجأت مشاهديها يوما باعتذار مذاع على الشاشة عن خطأ معرفي او غلط احصائي او معنوي بدر من العاملين فيها, دع عنك الاعتذار عن ركاكة المحتوى او تفاهة الشكل او سخافة التقديم وهو امر لانظنه يحدث في يوم من الايام. أهمية النقد الذاتي مثل هذا الاعتذار يمكن ان يتم من خلال برامج للنقد الذاتي والتقييم الامين مع النفس والصادق مع الرسالة الاعلامية ومع جماهير المشاهدين, ومثل هذا النقد والتقييم الذاتي لا ينال ــ صدقني ــ من جدارة وسيلة الاعلام بل يزيدها مصداقية واحتراما وقدرة للتفتح على الجديد وعلى التواصل الاكثر دفئا ووعيا مع المجتمع الذي نعيش فيه. ونسوق اليك مثلا على هذا النقد الذاتي.. جاء على لسان واحد من آباء التليفزيون الامريكي هو (دون هويت) الذي احتفل في 22 مارس الماضي بالعيد لاشتغاله بتلك الحرفة التي كانت جديدة في عام 1948 وكان اسمها اعلام التلفاز الذي بدأ وقتها وسط شكوك كثيرة قال معها القائلون بانه وسيلة اعلامية لا تتوفر لها فرص البقاء والاستمرار! الخلط بين الجاد والخفيف على ان الاسهام البارز والمرموق الذي ارتبط باسم (دون هويت) بدأ منذ ثلاثين عاما عندا اذيعت في عام 1968 الحلقة الاولى من برنامج (60 دقيقة) لتصبح شكلا جديدا من اشكال العمل الاذاعي هو شكل المجلة التلفزيونية الجادة والمنوعة من حيث الابواب والمواد والمذيعين لا عجب ان اصبح برنامج (60 دقيقة) اشهر وأهم برنامج تلفزيوني في امريكا حتى الآن. وفي مناسبة تكريم (هويت) اجرت معه جريدة (نيويورك تايمز) حديثا مهما نشرته على صفحة كاملة (ملحق الفنون, عدد 22 مارس 1998) وانتقد فيه ما آل اليه حال الاعلام المرئي في امريكا فقال: كان شعار العمالقة الذين سبقوا في هذا المضمار هو: ان الاخبار ــ المعلومات هي مادة الخبر والمعلومة وهي تختلف عن الترفيه والتسلية ولا سبيل الى الجمع بينهما والذي حصل, بعد 50 عاما من التجربة (في امريكا) ان تداخل كل منهما مع الآخر فاختلطت الامور: حيث ظلت الاخبار تبتعد عن الجدية, والمعلومات تبتعد عن العمق والرصانة وتميل الى الخفة (بدعوى الرشاقة) بل ان الترفيه والتسلية, ومغازلة اهواء المشاهدين دخل في كل شيء واصبح عنصرا في كل مادة وهذا امر لا هو بالمبشر ولا السليم, ويضيف الاعلامي الامريكي المخضرم قائلا: وعندي ان الازمة ترجع اساسا الى الافتقار الى وجود عمالقة الكوميديا والترفيه الذين شهدتهم الاجيال الماضية.. وحين افقر الناس هذه المواهب.. بحثوا عن الترفية ينشدونه في مواد الاخبار وبرامج المعلومات فكان ان اصبحت خفيفة.. استعراضية تبحث عن الترفيه من اي سبيل من هنا رأينا برامج جادة لاتستضيف سفراء او محللين سياسيين او علماء من وزن جائزة نوبل, بل تستضيف (مايكل جاكسون) وتعد مثل هذه (الفعلة) من انجازاتها ومآثرها.. والادهى ان اصبحت نموذجا يحتذى! من هنا.. يضيف (دون هويت) بات يضحك, الى حد التلاشي, يوما بعد يوم, ذلك الخيط الرفيع الذي ينبغي ان يظل فاصلا في الاعلام المتلفز بين الحقيقة (والجدية) وبين الخفة (هويت) يستخدم في هذا السياق تعبيرا انجليزيا ــ امريكيا يدل بالذات على التفاهة او الهيافة. الجدية لازمة في العالم الثالث ولقد نضيف نحن, من واقع تجاربنا في الوطن العربي وفي العالم الثالث ان ليس بوسعنا ان نتحمل في اعلامنا ما يمكن ان تتحمله القارة الامريكية من جرعات الترفيه, حتى الهيافة او الخفة الزائدة... ذلك ترف لانقدر عليه, ولا ينبغي لنا ان نفعله. ففي مجتمع امريكا, ومجتمع اوروبا ايضا انجز القدم مهمات تاريخية جليلة على مدى القرون الحديثة تحولوا في سياقها الى التصنيع وقضوا على الامية الهجائية والسياسية, ونشروا وعيا عاما بالمسؤولية الاجتماعية ونهضوا بحرية الفكر وحرية الابداع مما اطلق ملكات الاختراع والانضباط والطموح الدائب الى التغيير والتطوير وهي ملكات اودعها الحق تبارك وتعالى في العقل الانساني.. الثمن نعمة اهداها الخالق الى البشر, وهم لم يفعلوا ذلك بين عشية وضحاها, ولا جاءهم وهم متكئون على ارائك الدعة او فوق طبق من فضة ــ وانما حققوه عبر اجيال من العذاب والتضحيات والحرمان والحروب والاجتهادات والتطاحن وصراعات الاجيال والطبقات والامم والقارات. واذا كان من حقهم, بعد هذا كله, ان يجنحوا الى شيء من دعة او يبالغوا في حجم الخفة او الترفيه فهذا شأنهم ولكن ليس هذا من حقنا نحن بحال من الاحوال. العقاد بين الفكر والبوتيك ان الصحافة بكل اشكالها المطبوع او المرئي او المسموع ينبغي ان تظل عند مسؤوليتها التاريخية ضمير الشعب ومنبر الامة ومستودع افكارها حارسة القيم التي تصدر عنها. ولقد نستطيع ان نستورد احدث المطابع وانجع اساليب الادارة الاعلامية واكفأ المواد والمعدات لكننا لن نستطيع بداهة ان نستورد الفرد الاعلامي ــ الانسان ولا ان نوصي على تصنيعه تسليم المفتاح في معاهد الغرب او الشرق ــ علينا ان نصنعه محليا, وقوميا واقليميا, وان نصوغه على عيننا.. ولا يتسنى ذلك بغير انتماء وطني عميق, واحساس عروبي قومي وطيد وثقافة مستنيرة تقف على ارض الاصالة وتتابع في الوقت نفسه ما يصدر عن العصر ــ القرن المقبل الوشيك, من معطيات وابداعات.. على ان يتم هذا كله في اطار حركة نقدية داعية ونزيهة ومستنيرة تأخذ بيد الاعلام العربي وتحاول توجيهه على اصعدته الوطنية والقومية والدولية.. وتقول له عن علم وفهم وامانه متى اخطأ واين اصاب ساعتها سنفهم ان عباس العقاد في حد ذاته مؤسسة فكرية تفاخر بها الشعوب, وليس شارعا حافلا بالبوتيكات على طريق المطار في شرق القاهرة.

تعليقات

تعليقات