مع الناس ـ بقلم: عبدالحميد أحمد

زفت صحيفة بابل للعراقيين امس بشرى ربيعية, حين نشرت في مانشيتها الرئيسي على الصفحة الاولى ان كلينتون يعلن رفع الحظر عن العراق, الا أنها في تفاصيل الخبر في صفحة التتمات تداركت للعراقيين أن الأمر لايعدو كذبة وذكرتهم بأن اليوم (امس) هو الاول من ابريل وتمنت للعراقيين أياما سعيدة بحلول الربيع . ولا يحتاج العراقيون الى من يكذب عليهم كل هذا الكذب في الاول من ابريل او غيره, فاذا كان هناك رفع للحظر وشيك فإن أول من يعلن عنه صحيفة (نيويورك تايمز) أو (واشنطن بوست) لا بابل, لكي يكون الخبر صحيحا, ولكي تسارع الصحف العراقية نفسها الى تكذيبه, طالما ان مصدره أمريكي, لا قيادة حزب البعث. وبما أن بابل أرادت من الخبر مداعبة العراقيين بمناسبة الاول من ابريل بكذبة من هذا العيار الثقيل, فهي تكشف عما تتمناه بغداد في مثل هذه الأيام, لا ما يتمناه العراقيون الذين يحلمون باللحم أكثر, كما تكشف سياسيا ان العراق يعتبر الحظر المفروض عليه أمريكيا اكثر منه دوليا, فيتمنى رفعه من كلينتون لا من الأمم المتحدة. لذلك داعبت الصحيفة نفسها العراقيين بكذبة أخرى حين نشرت عن بائع لحم يعرض الكيلو بألف دينار (أقل من دولار) لمناسبة حلول الربيع وليوم واحد, ثم عادت لتكشف عن مداعبتها مرة اخرى, في صفحة داخلية, ما يمكن اعتباره مزاحا ثقيلا مقابل كذبة رفع الحظر, فليس أكثر من اللحم والدواء يحلم بهما العراقي ولن يجدهما الا بعد سنوات من رفع الحظر نفسه في حال تم هذا, ليسير بذلك على خطى شعوب عربية أخرى تحلم باللحمة وما في مستواها منذ سنوات وحتى الآن وربما غدا. وتصورت ان صحف العراق الرسمية مثل بابل التي يملكها نجل الرئيس العراقي سوف تكون أذكى من ذلك في الاول من ابريل, فتعلن مثلا ان الرئيس القائد يتنحى عن القيادة, على أمل أن يخرج الناس عن بكرة أبيهم الى الشوارع مطالبين ببقائه فتكشف مثل هذه الصحيفة لقيادتها عن فرط حب الشعب لها, لولا أنها خشيت من سلاح الكذب ذي الحدين, فيخرج الشعب بدلا عن ذلك في الشوارع مهللا للخبر السار. مع ذلك فالشعب العراقي الذي لن تنطلي عليه كذبة ابريل, فهو الذي لدغته الحية في يده فيخاف الاقتراب من الحبل, على حسب الأغنية العراقية الشهيرة, كان يمكنه ان يصدق لو أن الصحيفة أعلنت قرارا من القيادة بوقف التعاون مع المفتشين الدوليين وحبسهم واحتجازهم في بغداد كرهائن حتى تستجيب الأمم المتحدة وترفع الحظر نهائيا عن العراق, وأنها اعطت مهلة لذلك مدتها أسبوع سيتم بعدها اعدام المفتشين واحدا واحدا. وعلى النمط نفسه كان يمكن تصديق ان الحرس الجمهوري قرر قصف مقر الأمم المتحدة في نيويورك بالصاروخ الجديد المسمى (عنتر 2000) العابر للقارات والذي تمكن العراق من تصنيعه رغم الحظر في خلال شهر اذا لم ترضخ أمريكا وتوافق, لا على رفع الحظر فحسب, بل على إقالة بيل كلينتون من رئاسة البلاد, فهذا النوع من القرارات هي التي عاش عليها العراقي زمنا ما يجعلها أقرب الى التصديق, من قرارات اخرى, بدليل ما عنده اليوم من نتائج ملموسة لها, أبرزها على الاطلاق علاوة على غلاء اللحم والخبز وغيرهما, أن العراقي لا يستطيع ان يكذب في الاول من ابريل بحرية.

تعليقات

تعليقات