مع كلينتون في رحلته الافريقية: بقلم - ميشال جوبير

كان علي في شهر مارس الحالي ان ادلو بدلوي في السياسة الداخلية الفرنسية ونوادرها وعجائبها ولكن الرغبة في ذلك خانتني. فأنا وعلى مدى خمسة وعشرين عاما ما فتئت اشير الى الاخطاء والدعوة الى الاصلاح واصف العلاج الشافي.. ولكن لاحياة لمن تنادي وطالما صرخت بأن الديمقراطية الحية هي حاصل ضرب الجهود الشخصية وناديت بعدم تكديس المسؤوليات وبعدم احتساب بطاقات الاقتراع البيضاء كبطاقات ملغاة, معتبرا أن احتكار الحياة السياسية من قبل اربعة احزاب هو الذي حكمها في رقاب القانون الانتخابي واجراءاته وتوجيهه نحو خدمة اهدافها, لانها هي التي تحتكر المقاعد والتمويلات والاعلام الى درجة التذكير بنهاية عهد الجمهورية الثالثة. فهذه الاحزاب الاربعة تهيمن على حياة المواطنين العاديين الى درجة ضياع اعتبارها حين فقد هؤلاء المواطنون احترام تلك القوانين التي صوت لها. وبعد ان اسلمت هذه الاحزاب قيادها للجبهة الوطنية (اليمينية المتطرفة) موحية بأن الجبهة حزب يحترم التقاليد الجمهورية الاساسية. هذه مع الاسف هي اطياف اللوحة البائسة للديمقراطية الظلال والمظاهر المشكوك في نزاهتها. مناهج سيئة الاخلاق وهكذا فقد هجرت الحياة السياسية الفرنسية لأركب قطار الرحلة الافريقية للرئيس كلينتون وحرمه, التي امتدت احد عشر يوما وهو رقم قياسي! واعتقد ان الرئيس والسيدة هيلاري كذلك يحتاجان الى هجرة السياسة الامريكية الداخلية ومناخ واشنطن المتعفن. بعد ان صرح الرئيس للخمسمائة اعلاميا الذين يتابعون رحلته الافريقية انه لن يفتح الملفات الداخلية الا حين عودته للبيت الابيض. اما الآن فزوجته تقل خطاه كالملاك الراعي المتسامح بعد ان جست نبض القارة الافريقية العام الماضي مع ابنتها (شلسا) في جولة مشهودة وتلقت الترحيب المعروف بصورة رسمية ويجب التذكير بأن القارة السمراء لم تلق اهتماما امريكيا على هذا المستوى منذ زيارة الرئيس جيمى كارتر عام 1978 منذ عشرين عاما, اما هذه المرة فقد تلقت القارة الافريقية تصريحات بنوايا امريكا التخلي عن خيارات المزاحمة المرتجلة مع الاتحاد السوفييتي خصمها القديم, بعد ان غاب هذا الاتحاد عن الساحة مما يدعو اكبر لديمقراطية غربية الى التخلي عن مناهجها سيئة الاخلاق فمن اليوم فصاعدا سوف لن تؤيد امريكا الا الطامحين الى الحرية والى تقدم شعوبهم, ولذك يبدو ان الجولة الرئاسية تجنبت السودان ونيجيريا والكنغو وهي دول هامة ولكنها (ديكتاتورية) والملاحظ ان البابا يوحنا بولس الثاني كان زار نيجيريا في نفس اللحظة التي نزل فيها كلينتون في غانا حيث فقد اعصابه فالبابا واجه في نيجيريا اشد الانظمة دوسا للحقوق الاساسية للانسان بوسائل آخرى. 700 مليون مستهلك كان هم الزوحين الرئاسيين هو اقناع الثلاثين مليون امريكي أسود سليلي العبيد (لم تلغ العبودية في امريكا الا عام 1865) بأن الزعيم الديمقراطي الوفي لزبائنه يكرم جذورهم ويعول على مساندتهم. ويقوم بذلك بعون من نلسن مانديلا وبضمان من جنوب افريقيا متعددة الاعراق والالوان والثقافات وسينجح في اقناعهم بالفعل خاصة وان السود في الولايات المتحدة لم يحصلوا الا عام 1960 على معاملة مشابهة وفي هذا المجال ما أقرب الليلة للبارحة! ولم يخف كلينتون من جهة اخرى بأن البزنس يقود خطواته بافريقيا تمثل سوقا افتراضيا بسبعمائة مليون مستهلك ومنجما للمواد الاولية صالحا للاستغلال (معادن ونفط) وشرع مستثمرون امريكان بعد في الاستقرار هناك وكل ذلك تحت الشعار الامريكي الرسمي التجارة لا الاعانة TRADENOTAID ولاتباع الشعار بالفعل اعلن كلينتون في كمبالا (عاصمة يوغندة) انه يضع 182 مليون دولار على ذمة هذه القارة التي تطمح الى كرم امريكا ( 120 للتعليم, 61 للأمن الغذائي ومليونا لمقاومة تفشي الملاريا (حمى المستنقعات) وفي المقابل لابد من اعفاء الصادرات الافريقية من القيود الجمركية باستثناء الموز والقطن, صحيح ان الرئيس كلينتون قدم للكونجرس قبيل رحلته الافريقية (مشروع ميثاق التنسيق الافريقية) . رهانات خطيرة ومهما كانت التوقعات لاقلاع التنمية الافريقية, فان هذه الذبذبات التجارية لن تفي بالحاجة الملحة التي تشعر بها افريقيا في قطاع التجهيزات العمومية وبخاصة الحاجة الى حماية المستثمرين الاجانب الذين يطلبون الاستقرار والامني فالرهانات الخطيرة التي اتخذتها واشنطن في القارة وكان لها اثرها السيىء في حدوث المجازر معروفة, مثال فرض موبوتو في الستينات ثم القاؤه في المهملات لتعويض بلوران كابيلا, هذه الرهانات هي التي غيرت مسار كلينتون عن زيارة الكونغو, فقد لمح كابيلا عن بعد في يوغنده. اذن المشهد ليس صافيا, وتوحي بذلك تلك الاغنية القديمة حول التنديد بالعبودية التي نسي ترديدها كلينتون في حين اعتذر عن نسيان افريقيا الى غاية التسعينات, وكان من الاجدى ان ينصح كلينتون بالالحاح على العبودية الراهنة التي تضرب افريقيا الشرقية لكن البرنامج كان مرتبا منذ سنة. ولكن لنهنىء انفسنا على النوايا الانسانية الطيبة عبر كل مراحل الرحلة الافريقية من رواندا الى بوتسوانا الى افريقيا الجنوبية الى السنغال التي كتب عنها الاستاذ الامريكي جون واتربيري في مطلع شبابه دراسات متميزة.

تعليقات

تعليقات