ليلة القبض على الهنداوي بالجمرة الخبيثة: بقلم- د. محمد الرميحي

فجأة قفز إلى الصفحات الاولى من الصحف اليومية في الاسبوع الماضي اسم ناصر الهنداوي الذي وصفته وكالات الانباء بأنه (عالم عراقي بارز في مجال الحرب الجرثومية والبيولوجية) وتذهب القصة ــ التي كانت صحيفة (نيويورك تايمز) مصدرها الاول, ثم قبل ان يؤكدها على استحياء نزار حمدون مندوب العراق الدائم في الامم المتحدة ــ إلى القول ان ناصر الهنداوي هذا قد حاول مغادرة العراق دون اذن ولكن تم اعتقاله وبحوزته ملفات كان قد اعدها اثناء عمله في البرنامج البيولوجي العراقي, ويمضي الخبر الغريب ليقول ان ناصر الهنداوي هذا المعتقل في بغداد الان (قد قابل مفتشي الامم المتحدة في السابق عشرات المرات) , كما ان التقارير العلمية والوثائق التي صودرت منه, كان من المفروض ان يسلمها إلى السلطات العراقية ولكنه لم يفعل, كما تقول المصادر العراقية, ولكنها (سوف تقدم إلى اللجنة الخاصة) , وفوق ذلك فان الحكومة العراقية (على استعداد ان اراد فريق الاسلحة البيولوجية مقابلة الهنداوي في سجنه) , ان تسهل له ذلك. تلك هي مجموعة المعلومات التي بدأت في نيويورك ثم انهمرت بعد ذلك من بغداد, اقل ما يقال عنها انها محيرة ومضطربة وغير موثوق في دقتها ولا اسبابها ــ كما رويت على الاقل ــ ومصدر الحيرة هنا هو تلك الاسئلة العديدة التي تطرح دون اجابة دقيقة, فكيف يتسنى لعالم بيولوجي عراقي ان يحاول الهرب؟! والمنطق يقول انه وأمثاله اول وافضل من يعرف مراقبة (الاخ الاكبر) ان صح التعبير, حيث توجد مجموعة من الاجهزة المخابراتية العراقية العتيدة, المتخمة بالاجهزة الرقابية المتشابكة وهي التي تركز بصورة خاصة على امثاله من العاملين الحاليين أو السابقين في هذه البرامج التسليحية النشطة التي تعمل بدأب على تجهيز العراق بأسلحة الدمار الشامل, وان تأكدنا انه عالم, فانه لابد ان يتمتع بالحد الادني من الذكاء لمعرفة صرامة المستويات المتعددة للرقابة التي يتولاها اقرب المقربين إلى الرئيس, والتي هي اقرب من حبل الوريد اليه وإلى امثاله من العاملين في هذه البرامج, خاصة من منهم من اتصل باللجنة الدولية لاستئصال اسلحة الدمار الشامل. اما من جانب اخر فكيف تتم مصادرة الوثائق والمستندات التي بحوزة الهنداوي والتي كان يزمع تهريبها إلى الخارج وهو الامر الذي يوحي بأنها وثائق سرية للغاية بحيث تجعل هذا العالم يجازف بحملها معه وهو يهرب كأنه سوف يقدم اعتماده إلى جهات اجنبية, ومن ثم الاستعداد طوعا من جانب النظام لتقديمها مرة اخرى للجنة الخاصة, والقول بعد ذلك ان النظام العراقي على استعداد لان يجمع العالم العراقي المتهم بالتهريب بتلك اللجنة, حتى وهو في سجنه, والمتتبع لاحوال القضاء العراقي يعرف ان هناك جرائم اقل جرما من هذه الحادثة بمراحل قد حكم فيها بالاعدام فورا بعد تعذيب شنيع. تلك الاسئلة جوهرية وشرعية في ضوء الاعلان اليومي المتكرر المقبل من بغداد والذي يزعم ان العراق لا يملك اسلحة كيماوية أو جرثومية, اذن ما هي تلك الوثائق التي كانت بيد الهنداوي؟ وهل تحمل دليلا اضافيا على وجود برنامج جرثومي وكيميائي لايزال نشطا وحيا بعيدا عن رقابة المجتمع الدولي ومفتشيه؟ ام تحمل دليلا قاطعا على تبعثر هذا البرنامج وانفلات المشرفين عليه بحيث يحملون اسرارهم في حقائب سفرهم؟ وان كانت تحمل دليلا على الوجود فلماذا سوف يتم تقديمها إلى اللجنة الخاصة وهي تحمل دليلا اضافيا ومؤكدا على مواصلة العراق تشغيل برامجه رغم كل تحذيرات المجتمع الدولي, وبالتالي يقدم له النظام العراقي حبل الادانة الذي سوف يشنق به نفسه, وان كانت لا تحمل البينة فلماذا اعتقل الهنداوي ولم تترك امامه فرصة للهروب ليسرب تلك المعلومات الدالة بشكل طبيعي واكثر اقناعا على براءة النظام العراقي من التستر على وجود اسلحة بيولوجية؟ ثم لماذا سكت العراق عن الاعتقال والاعلان عن الاسم إلى ان ظهر ذلك اولا في جريدة (نيويورك تايمز) ؟ اليست هذه الاسئلة مشروعة, ان كنا نطرحها في هذ المقال فمن المؤكد ان وكالات الامم المتحدة المختصة تطرحها وتبحث في خلفياتها. ومن المصادفات اللافتة للنظر ان يأتي هذا الاعلان عن الهروب والقبض على الهنداوي بعد يومين فقط من اعلان الحكومة البريطانية وضع مرافئها ومطاراتها في حالة استنفار قصوى, واصدارها التحذيرات بعد ورود معلومات عن خطة عراقية لشن هجوم كيماوي وجرثومي على بريطانيا, عن طريق تهريب كميات كبيرة من مادة (الجمرة الخبيثة) في زجاجات عطرية أو مسكرة معبأة على شكل سلع كالتي تباع في الاسواق الحرة البريطانية عن طريق طرف ثالث على انها سلع معفاة من الضرائب ورخيصة, ويعلن هذا التحذير البريطاني من مكتب رئيس الوزراء ويبلغ للرئيس كلينتون اثناء جولته الافريقية وإلى الحلفاء الاوروبيين ايضا, ويحذر العلماء من خطورة مادة الانتراكس قائلين ان ملعقة واحدة منها تكفي لقتل مائة مليون شخص دفعة واحدة. يضاف إلى ذلك ان بعض التقارير المنسوبة لاحد كبار المفتشين السابقين عن الاسلحة الجرثومية اشارت إلى ان الهنداوي يعتبر بمثابة (كنز معلومات) عن هذه الاسلحة, فهل نحن اذن امام حالة اخرى مكررة من حالة حسين كامل, نسيب الرئيس العراقي وزوج ابنته البكر الذي هرب بعد صدام بينه وبين عدي الابن الاكبر للرئيس العراقي إلى الاردن وهو وعائلته في صيف 1995, وما كشفه للسلطات الدولية من معلومات اراد النظام العراقي ان يخفيها حول برامجه التسليحية ذات الدمار الشامل, وما تم بعدها كما يذكر الجميع من إعادة فتح ملفات كان رالف اكيوس قد اغلقها بعد ان تم اقناعه بانها لم تعد موجودة, وقد برر النظام العراقي عندئذ وجودها بأنها كانت مخفية في مزرعة حسين كامل لا غير. ان كان الامر كذلك في قضية الهنداوي الاخيرة, فذلك يعني ان الضغط الدولي العسكري والسياسي الذي تم في الاشهر القليلة الأخيرة ووضع العالم على حافة الهاوية, وانتهى بتوقيع كوفي عنان مع طارق عزيز الاتفاق الأخير في الثالث والعشرين من فبراير الماضي, ليس أكثر من توقيع أوراق دولية لا يعبأ النظام العراقي بها, بعد ان أتيحت له الفرصة كي يتنفس ويوسع من اتصالاته العربية والدولية, ويطالب فوق ذلك من خلال (البرلمان العراقي) وبالاجماع, من ضمن أمور اخرى, بوضع قادة العالم أمام المحكمة لمحاكمتهم بتهمة أنهم (مجرمو حرب) ! الأمر الاقرب الى القبول العقلي والمنطقي, هو أن النظام العراقي يعيد من جديد انتاج ترسانته البيولوجية قليلة التكاليف لاستخدامها كما فعل تكراراً ضد شعبه وجيرانه, وعندما تم كشف جزء من هذا الأمر, على عكس ما يرغب, ظهرت لعبة الهنداوي العاق الذي لم يسلم ما لديه للسلطات المختصة, وكأن هذه الذريعة ممكنة التصديق, أو هي من معقول القول! ولكن الملاحظ فوق ذلك ان الحادثة برمتها تمت قبيل الدخول الأول لتفتيش قصور الرئاسة التي جرى الدفاع المميت عنها تحت شعار الفضاءات المحمية بالسيادة, وهذا يؤكد ما يقال علنا من ان هذه الاماكن هي مقاطعات ضخمة قد تخفي تحت اسطحها ودهاليزها والطبقات المتعددة المبنية تحت الارض منها الكثير من المصانع الصغيرة لانتاج الاسلحة الفتاكة خاصة التي لا تحتاج الى حيز مثل الاسلحة الجرثومية. وان تم كشف ذلك في المستقبل, فأشك في انها عمل من أعمال واحد أو اكثر من العاقين (الذين لم ينصاعوا لقرارات الدولة العراقية) الحريصة على التطبيق الكامل لقرارات مجلس الأمن!! موضوع حسين كامل والهنداوي قد يتكرر مع آخرين لا نعرفهم اليوم وقد نعرفهم غدا, وهم جميعا كبش فداء لممارسات النظام الخارجة أبدا عن القانون الدولي او الالتزام بقرارات واتفاقات يوقع عليها. لذا فان الأزمة بين العراق والامم المتحدة على عكس ما يتوقع الكثيرون هي في طريقها الى التعقد لا الى الانفراج, وبنية النظام العراقي الايديولوجية هي التي تقود دائما الى التأزيم وستظل هكذا لانها جزء من البنية الفكرية لهذا النظام, ومن راهن على ان النظام العراقي سيعود الى الرشد الدولي فقد راهن على خسارة, وهو وان غير لون جلده سيظل لحمه وعظمه حريصا على اشاعة الاضطراب, محملا بكل ما يحمله تزييف السياسة كما قال تكراراً شخص خبره من الداخل هو سعيد البزاز. اما السؤال الاهم فهو ما العمل؟ المجتمع الدولي أمامه خيارات عديدة, منها تفعيل القرار الأخير لمجلس الامن المرقم 1145 أو قرار (أوخم العواقب) المعروف, ومنها أيضا انتهاج سياسة جديدة للتأكد من التزام العراق بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة, والتركيز على قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان المتضمنة في القرار 688. ان اثبات النوايا الحسنة من قبل النظام العراقي, بعد قصة الهنداوي سالفة الذكر, بات أمرا مستحيلا, كما انه من المستحيل على (حكم يقوده صدام حسين) ان يفي بالالتزامات الدولية, كما قال مارتن انديك معاون وزيرة الخارجية الامريكية لشؤون الشرق الاوسط, وهو يجيب على أسئلة الكونجرس حول موضوعات تتعلق بالشرق الاوسط في الاسبوع الماضي. ان ما رشح من أخبار حول عدم معارضة الادارة الامريكية تصعيد المساعي الهادفة الى تقديم صدام حسين للمحاكمة الدولية بتهمة انه (مجرم حرب) واطلاق الارصدة العراقية المجمدة حتى توضع تحت تصرف جبهة عريضة من المعارضة العراقية, وتنشيط الاعلام القائم على الحقائق والموجه للشعب العراقي, هو ــ من بين أمور اخرى ــ قد يكون كفيلا بوضع حد للعبة المميتة التي يمارسها النظام العراقي اليوم. ان وضع صدام حسين في خانة مجرمي الحرب ومحاكمته على هذا الأساس هو الحل الأمثل لمحاسبته على ما ارتكبه لا في حق جيرانه أو المجتمع الدولي فقط, ولكن على ما فعله في شعبه حتى لا يفكر أي ديكتاتور آخر في اللعب بالجمرات الخبيثة. رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية *

تعليقات

تعليقات