التعليم وثروة الأمم: بقلم - د. علي الدين هلال - البيان

التعليم وثروة الأمم: بقلم - د. علي الدين هلال

منذ أن اصدر المفكر الاقتصادي الانجليزي الكبير آدم سميث كتابه الشهير (ثروة الأمم) كان التصور السائد أن الموارد الطبيعية هي العامل الحاسم في تحديد ثروة أي مجتمع, وفي تحديد مواقع الدول على سلم القوة, لذلك لم يكن من الغريب ان ارتبطت بداية الثورة الصناعية في بريطانيا بوجود الفحم, وأن اصبحت ثروة الدول وقوتها تقاس بما تمتلكه كل منها من موارد طبيعية, لكن هذا المفهوم تعرض لتحولات جذرية في الحقبة الأخيرة, بحيث أصبحت المعرفة, ونتاج العقل البشري, هما العنصران الحاسمان في تحديد ثروة المجتمع, ودرجة تقدمه, وفرص استمرار هذا التقدم في القرن المقبل. وانعكس ذلك على اهتمام الدول ــ بما فيها تلك المتقدمة ـ بموضوعي: التعليم وإعادة التعليم. ففي الولايات المتحدة, على سبيل المثال, كان صدور كتاب :(أمة في خطر) , بمثابة (ناقوس الخطر) الذي نبه الامريكيين الى حقيقة تدهور المكانة النسبية لنظام التعليم الامريكي مقارنة بمثيليه في المانيا واليابان. وشكل الرئيس الامريكي بوش لجنة رئاسية لإعادة النظر في مجمل الأداء التعليمي. وقد استمر الرئيس كلينتون في السير في نفس الاتجاه, فدشن مشروعاً قومياً, باسم: (امريكا عام 2000) , لرفع مستوى التعليم, وفي خطابه, أمام الكونجرس عن حالة الاتحاد, في يناير 1997, بعد إعادة انتخابه رئيساً لفترة ثانية, انصب تركيزه على قضايا التعليم, وعلى ضرورة تطوير نظمه وبرامجه. الشيء نفسه حدث في آخر انتخابات بريطانية, بين حزبي المحافظين والعمال. حيث أعطى توني بلير, زعيم حزب العمال, أولوية متميزة لقضايا التعليم في برنامجه وحملته الانتخابية, وفي فرنسا, طلب الرئيس شيراك من روجيه فورو ــ أحد أقطاب الصناعة الفرنسية ــ اعداد تقرير عن متطلبات تطوير النظام التعليمي الفرنسي في اطار التطورات العالمية الراهنة. وأثار صدور هذا التقرير نقاشاً واسعاً في الصحافة وأوساط الرأي العام الفرنسي. فلماذا ازداد الاهتمام بقضية التعليم؟ ان متابعة عدد من الحوارات الدولية حول هذا الموضوع تكشف عن عدة مسائل: أولها, ان قضية التعليم لم تعد امراً فنيا, يختص به اساتذة التربية وحسب, وانما صارت قضية مستقبل, يهتم بها الباحثون والعلماء ورجال السياسة على حد سواء. وذلك, لما للتعليم من تأثير بالغ على مستقبل الدول, في وقت يتزايد فيه الاهتمام بالتنمية البشرية وبتعظيم القدرة على التنافس. وثانيها: ازدياد الادراك بأن النظم التعليمية الراهنة, سواء على مستوى التعليم ما قبل الجامعي ــ أو الجامعي ــ لم تعد قادرة على مواكبة التحولات العالمية المتسارعة. وأن التطوير المطلوب يتجاوز المسائل الفنية او التقنية, ويتطلب رؤية متكاملة للمستقبل, وتصوراً للأهداف التي يسعى اليها المجتمع, ودور النظام التعليمي في تحقيقها. وثالثها: ان ذلك ارتبط بالثورة العلمية والتكنولوجية التي يشهدها العالم. وخصوصاً (الانفجار المعرفي) المتثل في ثورة المعلومات, التي تتدفق بسرعة متناهية من خلال شبكات الاتصال داخل كل دولة من ناحية, أو تلك التي تعبر الحدود بين القارات من ناحية أخرى, والتطور الذي حدث في مدخلات العملية الانتاجية, بحيث اصبح الجزء الأكبر من ثمن أي منتج, أو خدمة تكنولوجية متقدمة, يعود ــ بالاساس ــ الى المعرفة المتضمنة فيه, وليس فقط الى المادة الخام التي ساهمت في صنعه, وترتب على ذلك, ان العنصر الحاسم عند تحليل فرص التقدم أمام أي مجتمع, لا تكون فقط بحساب حجم موارده المادية, أو بحساب حجم قوة العمل المتوفرة لديه, وانما بنوعيتها وبمستوى ما يتمتع به من قدرات ومهارات, مقارنة بالمجتمعات والشعوب الأخرى. تحولات عميقة ومؤدى ما تقدم, أن التغيرات الحادثة في العالم تعكس تحولات أعمق في البيئة التحتية للعلاقات الدولية, وهي البيئة العلمية والتكنولوجية, وتشير الى القدرة على البحث والتطوير, وهذه التحولات الهائلة ترتكز على المعرفة والتراكم العلمي, باعتبارهما قاطرة التقدم الاقتصادي والتنموي, وفي هذا الاطار, تزايد الاهتمام بدور المعلومات وبقضايا المعلوماتية, واتسع نطاق وعدد العاملين في حقول: حفظ المعلومات, وتبويبها, وتنظيمها, واسترجاعها. وفتح ذلك كله الباب لآفاق علمية لا حدود لها, فعلى عكس الثورات الصناعية السابقة, التي اعتمدت على مواد أولية قابلة للنضوب كالفحم والحديد, فإن المعرفة هي نتاج العقل البشري, وهي باقية ما بقي الانسان. ومن ثم, فهي مصدر مستمر, ودائم, ومتجدد, وغير قابل للنضوب. وترتب على ذلك سمة أخرى, يشهدها العالم المعاصر, وهي تضاؤل المسافة, الى حد غير مسبوق في التاريخ الانساني, بين العلم ــ بمعنى التصورات النظرية والأفكار العلمية, وبين التكنولوجيا ــ بعنى التطبيقات العلمية في مجالات الانتاج والخدمات المتنوعة, وصار العالم يتحدث عن (منظومة) من الثورات: الاتصالية, والعلمية والاعلامية والبيولوجية, وصارت نتائج بحوث: الاتصالات عن بعد, والكيمياء الحيوية, والتي تعرف عادة في أدوات الاعلام باسم الهندسة الوراثية, وبحوث الفضاء, والذكاء الاصطناعي, والحاسبات الالكترونية الدقيقة, صارت تلك التحولات تفتح آفاقاً لا حدود لها للتقدم والابتكار والابداع. ولم يعد ممكنا لأي مجتمع ان يستفيد من نتائج هذا التطور, ناهيك عن المشاركة فيه, بدون تطوير اساسي في مفهومه للتعليم ولنظمه ولأساليبه, فالتعليم الذي يمكن من المشاركة في هذا التطور هو ذلك الذي يهدف الى تزويد الطالب بمجموعة من القدرات وإكسابه حزمة من المهارات, مثل: التفكير النقدي, والقدرة على الابتكار, والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة, والقدرة على التخطيط والتعامل مع عنصر الزمن, والقدرة على الادارة, وحسن استخدام الموارد المتاحة, وتعظيم الاستفادة منها. التنمية بالابتكار ولقد أصبح من المتفق عليه, بين جمهرة الباحثين, ان العنصر الحاكم في استمرار عملية التنمية وتأكيد القدرة التنافسية, هو قدرة المجتمع على الابتكار التكنولوجي في مجال البحث والتطوير وكثير من الباحثين يرى ان احد الأسباب الرئيسية لتفكك الاتحاد السوفييتي وانهياره هو عدم قدرة مؤسساته الصناعية والتكنولوجية والعلمية على الاستمرار في السباق العلمي والتكنولوجي الرهيب مع الولايات المتحدة والمانيا واليابان, وهكذا, فإن موقع أي دولة, ومكانة أي مجتمع, على خريطة التقدم سوف تتحدد بنوعية القدرات والمهارات التي يمتلكها مواطنو هذه الدولة وأبناء هذا المجتمع. وهكذا نصل الى ان (مربط الفرس) في تحقيق التقدم هو نوعية التعليم ومستواه حيث لم تعد القضية مجرد كم يشير الى اتاحة الخدمات التعليمية لاكبر عدد من المواطنين وانما اصبحت الاسئلة الاكثر اهمية هي: اي خدمة؟ وعلى اي مستوى وفي اي مجال علمي؟ وفي هذا الصدد تتضح على الفور اهمية التعليم ما قبل الجامعي ففي السنوات الدراسية الاولى, تتم التنشئة الاساسية للصغار ويتم غرس اسس التفكير العلمي والمهارات والابتكارية والقدرات التخيلية وقدرة الجامعات على تحقيق اي تقدم محسوس مرتطبة في نهاية الامر بمستوى (المدخلات) وهذه هي نتائج التعليم ماقبل الجامعي, فالجامعة تبنى على الاساس الذي تم وضعه في مراحل التعليم السابقة لها. والتعليم الذي يهيىء النشيء للتعامل مع معطيات التقدم هو (التعليم الابتكارى) الذي يهدف الى تنمية القدرات الذاتية على جمع المعلومات وفهمها وتحليلها ووفقا لهذا المعنى فان هدف التعليم ليس تلقين مجموعة من المعارف والمعلومات, وانما تنمية القدرات والمهارات التي تمكن الانسان من ان يكون اكثر قدرة على فهم ما يحيط به من احداث وهذا التعليم الابتكاري هو الذي يكرس قيم المبادرة والتعلم الذاتي, من خلال تأكيده على انه لا توجد اجابات جاهزة على كل الاسئلة وحثه على ضرورة فهم كل مشكلة في اطارها وفي سياقها والبحث عن الحلول المناسبة لها وهذا النوع من التعليم هو الذي يمكن صاحبه من طرح العلاجات السليمة والملائمة لزمانه ومكانه كما يمكنه من ادارك طبيعة ظروف عالمنا المتغير, ويسمح له بالتعامل الايجابي المنفتح. التعليم عملية انتاجية ان كل ما تقدم يشير بوضوح الى اهمية تغيير النظرة السائدة في بلادنا العربية الى التعليم وهي النظرة التي لاتزال تعتبره احدى الخدمات التي تتعرض ميزانيتها للنقصان كلما واجهت الحكومة نضبا في مواردها فالحقيقة ان التعليم هو عملية انتاجية تنموية, ينبغي ان تزداد مخصصاته عاما بعد عام, والا تتعرض للنقصان لاي سبب كان, لان تحديث المعامل والمختبرات والحسابات هو عملية مستمرة وينبغي ان يقر في الاذهان ان التعليم هو استثمار تنموي طويل الاجل, لانه اعداد للاجيال الناشئة وتأهيل لها حتى تتعامل مع التحديات التي تفرضها التطورات العملية والتكنولوجية. ولعلنا نتذكر قصة جهاز الحاسب الآلي الذي ابتكرته شركة (اي بي ام) وزودته بمجموعة برامج تمكنه من لعب الشطرنج وفي اول مواجهة له مع بطل العالم هزم الانسان الآلة شر هزيمة في ست مباريات متتالية. فماذا فعل مهندسو الشركة؟ قاموا بمزيد من البحث والتطوير وزودوا الجهاز بقدرات جديدة وبرامج متطورة وبعد خمسة شهور فقط, استطاع الجهاز ان يهزم بطل العالم في الشطرنج والاخبار التي تتلاحق بشأن, بحوث الفضاء والاستنساخ والاسلحة الذكية, تشير كلها ان الأفاق الواسعة التي ارتادها العلم, والى المجالات الارحب التي وفرتها التكنولوجيا وتؤكد ان احد محاور الصراع في عالم الغد هو السباق حول حقوق المعرفة وبراءات الاختراع. ان النظام التعليمي هو (العمود الفقري) لتقدم أي مجتمع, وهو الوسيلة الرئيسية لتأهيل الموارد البشرية, التي يقوم عليها كيان المجتمع والدولة, فمستوى اداء جميع المؤسسات والهيئات الحكومية, وغير الحكومية يتوقف في نهاية الامر على كفاءة القائمين عليه, وهو ما يتوقف على نوعية التعليم الذي تلقوه, والتدريب الذي حصلوا عليه. ان التعليم هو قضية حاكمة لمستقبل أي مجتمع, والتطوير التعليمي هو اليوم ضرورة وليس ترفا, وهو مهمة تفرضها احتياجات المستقبل, وتتطلبها ضرورة مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ــ جامعة القاهرة *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات