قضايا تصنع المستقبل: الذهب النازي أو الابتزاز الاسرائيلي؟ بقلم - رجاء جارودي

أعلنت الأسبوع الماضي ثلاثة بنوك سويسرية كبرى انها ستشرع في دفع تعويضات مالية للعائلات اليهودية التي ادعت انها اودعت اموالها وذهبها لديها اثناء الحرب العالمية الثانية من 1939 الى 1945, كما تبث مدة الايام جميع القنوات الفضائية أخبار الاتفاقات الموقعة بين البنوك السويسرية والبنك المركزي السويسري والجمعيات الأهلية اليهودية في أوروبا حول ما وصف باسترجاع الكنوز الذهبية والنقدية التي اودعها اليهود من عام 1939 الى عام 1945 في البنوك السويسرية حينما اضطهدتهم النازية الالمانية والموالون الفرنسيون والنمساويون والسويسريون والبلجيكيون لألمانيا الهتلرية وشردوهم في أوروبا وقد ادعت تلك الجمعيات الاهلية اليهودية بأن ذلك الذهب يقدر بآلاف ملايين الدولارات وبأن دولة هتلر النازية سحبت منه كميات كبيرة لتمويل التسلح ومواصلة الحرب ضد الحلفاء. وقد رأينا رئيس الجمعية اليهودية الفرنسية (كلارسفيلد) يقود هذه المعركة القانونية ومعه جيش من المحامين ورأينا مشاركة اغلب الصحف والقنوات الفضائية التلفزيونية في نقل الأخبار بصورة منحازة تماماً لطروحات هذه الجمعيات والادعاء بأن عائلات يهودية أوروبية سليلة العائلات اليهودية المضطهدة من حامية الحق في اعادة هذا الذهب (لأصحابه الشرعيين) وبالطبع فإن هذه الخديعة تزعم بأن مستودعات البنوك السويسرية يجب ان تصب في جيوب اليهود ثروات طائلة. وأنا لا أرفض مبدأ المحاسبة الذي مر طبيعياً في الديمقراطيات الأوروبية بحيث من حق أي وريث ان يطالب بحقه في مال أودعه والده او والدته في البنك ولو منذ نصف قرن اذا كان لديه ما يثبت. لكني اعتقد أن في هذا الأمر خديعة بسبب التوقيت والمنهجية والغاية. 1ــ التوقيت تم اختياره على اساس سحب البساط من تحت أقدام السلطة الفلسطينية في دوائر القرار المالي وفي حلبات الاعلام الغربي بتلهية الرأي العام المهيمن عن قضية حقوق الفلسطينيين. ونحن نعلم ان (الدول المانحة) التي تعهدت بدفع مبالغ مناسبة لحجم المظلمة الفلسطينية لم تدفع الا خمس تعهداتها تحت دعاوى واهية لا تستقيم عند الفحص الأمين, منها بطء سير عملية الرقابة على الصرف ومنها عدم توصل الجهات المانحة بملفات دراسات المشاريع بصورة متكاملة. فالاضواء الاعلامية تسلط على مستحقات الفلسطينيين وهم بصدد بناء دولة كاملة من عدم وعلى بنية تحتية شبحية او معدومة. فالتوقيت في قضية الكنز النازي اختير على هذا الأساس, عندما بدأت السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات بالذات يقومون بعمل دبلوماسي مكثف في العواصم الاوروبية واليابان لحث الدول المانحة على الايفاء بتعهداتها وبدلا من ذلك فان الذي سيحصد المال الاوروبي هم اليهود, ولديهم معابر اعلامية ومنابر سياسية ووسائل ضغط على الرأي العام والحكومات اكثر بكثير مما لدى السلطة الفلسطينية. 2 ــ المنهجية في تنسيق الجهود اليهودية ما بين رجال البنوك والمال وما بين رجال الاعلام وما بين الدبلوماسية الاسرائيلية وهي منهجية شيطانية تخضع لحسابات دقيقة وتقاسم الادوار حتى يكون الامر ظاهرا بمظهر طبيعي عادي لايثير فعندما يتكلم رئيس جمعية اهلية يهودية في التلفزيون يتناول موضوعا محددا ويترك الموضوع الثاني لاحد الاعلاميين والثالث لاحد المحامين مما يجعل الشبكة اللوبية اليهودية اشبه بأوركسترا تعزف في تناغم وتناسق عجيبين. 3 ـ اما الغاية فهي بالطبع تزويد الحركة الصهيونية المتطرفة بالمال مهما كان مأتاه وايا كانت مصادره وقد تزامنت هذه الانفاقات مع زيارة نتانياهو الى باريس يومي 5 و 6 ديسمبر الجاري لمقابلة الرئيس ياسر عرفات ووزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت والمسؤولين الفرنسيين. هاتان الغايتان كبيرتان في نظر اسرائيل فالمال السويسري سوف يصب لدى اللوبيات المؤيدة لليكود ولبنيامين نتانياهو شخصيا والتي تشتغل في دهاليز الدبلوماسية وردهات البنوك وهي التي تمول بناء المستعمرات (المسماة بالمستوطنات) وتشجع السياسة المتهورة للحكومة الاسرائيلية بالمال لا بالاقوال مما ضايق حكومة فرنسا التي وصف وزير خارجيتها (ميبر فدرين) السياسة الاسرائيلية في عهد بنيامين نتانياهو بأنها (سياسة مدمرة لعملية السلام) . في هذا الظرف بالذات تنطلق خدعة استرجاع الاموال اليهودية لتذكر الرأي العام الاوروبي والغربي والعالمي بمسألة اضطهاد اليهود وتجلب المزيد من التعاطف بقصد تغيير اتجاه الرأي العام من السخط على سياسة نتانياهو الى العطف على اليهود. ويبقى الظهور بمظهر الضحية المظلومة المسلوبة هو جوهر العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وهي سياسة ثابتة منذ مؤتمر بازل عام 1897 ووعد بلفور عام 1917 واغتيال الشهيد عز الدين القسام عام 1937 وانشاء دولة اسرائيل بفضل تقسيم فلسطين الذي اتخذته منظمة الامم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 والى الحرب العدوانية يوم 5 يونيو 1967 الى اليوم عام 1998 اي بعد مرور قرن كامل باليوم على مؤتمر بازل بسويسرا, وتظل سويسرا بالامس واليوم رغم فارق قرن كامل هي ارض المخادعات الكبرى والتمويهات اليهودية.

تعليقات

تعليقات