جارودي: الوعي وصحوة الضمير: بقلم- فايز سارة

تمثل حالة الفيلسوف والمفكر الفرنسي روجيه جارودي في تجلياتها الراهنة نموذجا ــ اضافة الى وعيها ــ ومثالا لصحوة الضمير في الموقف من العالم ومن قضاياه الساخنة, وهو امر يبدو, وكأنه ظاهرة غريبة في عالم يتجه الى تجاوز الضمير, بل الى إماتته ! ورغم ان حالة اتجاه قتل الضمير, يتسع مداها ويجري تعميمها فان ذلك لايعني ان العالم قد صار بلا ضمير يحركه ويهزه بين وقت وآخر, بل ربما تأخذ ظاهرة كهذه مدى اوسع لها دافعة الى صحوة ضمير في ظل ما يجتاح العالم من تطرف وتشدد, وتجاوز للضمير الانساني, وتضليل للرأي العام بتوجيهه في مسارات فرعية ونحو قضايا غير ذات اهمية. واذا استرجعنا بعضا من الاسماء التي اتخذت لها مسارات فكرية وسياسية في مناهضة التضليل وقتل الضمير العالمي في السنوات الاخيرة, لأمكن جمع مئات من الاسماء التي وقفت الى جانب قضايا عادلة وحيوية في العالم سواء كانت قضايا عامة تهم البشر جميعا, او قضايا تهم مناطق من العالم بعينها وهي تعني العالم كله بسوية معينة. لقد لفتت سياسات وممارسات لا انسانية وغير عادلة نظر كثيرين من الكتاب والمفكرين فرفعوا اصواتهم ووظفوا اقلامهم من اجل عدالة تلك القضايا, بما يمثل حالة من وعي وصحوة الضمير ولعل بين الابرز في هذه المواقف في نصف القرن الاخير موقف فرانز فانون المفكر الفرنسي في نصرته ثورة الجزائر وهو في هذا يتماثل مع موقف المفكر والفيلسوف الانجليزي برانتد راسل وزميله الفرنسي جان بول سارتر في الموقف المعادي للحرب في الهند الصينية ويبدو موقف المفكر وعالم اللسانيات الامريكي ناعوم تشومسكي في نصرة قضايا حقوق الانسان والحريات في العالم في ذات السياق, اذ وقف ضد الانتهاكات الجارية ولاسيما تلك التي تقوم بها الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. وينتمي المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي الى هذا المستوى من المفكرين الذين انشغلوا بقضايا الهم الانساني, وعبروا في كتاباتهم وفي ممارساتهم عن وعي ومعرفة بالقضايا وعن يقظة الضمير الانساني في تحديه للواقع, ومحاولة دفع الظلم عن البشر. والوقوف عند جارودي, يستدعي بطريقة ما عودة سريعة الى مسيرة الرجل, ورؤية الخلفيات التي تطور على اساسها وعي الرجل والصحوة التي يمثلها بما صار له من آراء ومواقف تبدو متجهة الى التجذر اكثر فأكثر وهذا ما يوحي به نتاجه الفكري الاخير من جهة وطريقته في مواجهة الهجمات التي كان هدفا لها على مدار العام الاخير من جانب الجماعات اليهودية والصهيونية في فرنسا خصوصا وفي الغرب عامة. وكانت بداية جارودي في الماركسية وفي مساراتها الفكرية قضى عقدين ونيف من السنوات مفكرا وناقدا, كان بين نتاجه في ظلها كتابته عن الحرية في عهد ستالين, كما كتب في رحابها عن النموذج الوطني للاشتراكية ومالبث ان غادر الماركسية الى المسيحية ليقف مفكرا ومتأملا وكاتبا فيها قبل ان يغادرها ليستقر في رحاب الاسلام مؤمنا ورجلا صوفيا الى حد كبير, وفي رحاب الاسلام كتب في نواح مختلفة في رؤية تبدو خاصة للاسلام بأجوائه ودلالاته ومعانيه. غير ان هذه التحولات الفكرية, والانتقالات الايمانية, لم تكن كل ما هناك, بل اضافة اليها كان يجري مسار اخر في ذهن وافكار جارودي, وفيها موضوعات تتصل بالبشر وبحياتهم المعاشية, وربما كانت البداية في اقتراب جارودي من موضوع الصراع العربي ــ الصهيوني, بما فيه من اهمية وسخونة كادت تحرق العالم اكثر من مرة في توترات الاستنفار النووي الامريكي ــ السوفييتي وفي احتمالات المواجهة المباشرة بينهما اكثر من مرة بين عامي 1956 و 1982, بسبب سياسات اسرائيل وممارساتها في الشرق الاوسط. واكتشف جارودي بشاعة الصهيونية واسرائيل فكتب فيها ملف اسرائيل الذي صدر بعد حرب لبنان في صيف عام 1982 وفيه تناول الاسس التي تقوم عليها سياسة اسرائيل على نحو ما تجسدت في سلوكها السياسي في الاتجاهين: اتجاه السياسة الداخلية ذات الطابع العنصري, ثم السياسة الخارجية ذات الطابع التوسعي, وتناول في ان معا الارهاب الاسرائيلي باعتباره اساس الوسائل الاسرائيلية في تحقيق الاهداف المطروحة. ووقف جارودي مطولا امام ما تضمنه ملف اسرائيل ليقوم باجراء تكامل في محتواه مع آراء وافكار أخرى كان يقاربها جارودي, ويتابع معها مجريات الواقع وهو ما قاده الى التوصل الى اكتشاف (الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) وقد فضح فيها بعمق ومن خلال كل الوثائق اسرائيل والصهيونية من خلال تناولها في ثلاثة مفاصل اساسية: الاساطير اللاهوتية ثم اساطير القرن العشرين, واستخدام الاسطورة السياسي, وكان له في ذلك قول فصل في الموضوع مما ادى الى الحملة الواسعة الصهيونية ــ اليهودية على جارودي, ووقوفه امام القضاء بتهمة معاداة السامية! غير ان جارودي وقد اتسعت دائرة رؤيته في تأكيد العلاقات بين الظواهر المربوطة بالسياسات ذهب في الابعد, في رؤية اصل ومستند السياسة الاسرائيلية فربط الاخيرة بسياسة نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة وتدفع فيه العالم الى الانحلال والكارثة, وهو في هذا انما يتوافق مع مارآه ناعوم تشومسكي في سياسة امريكا, لكنه في هذا يضيف الى تشومسكي رؤية اجمالية لأفق القرن الحادي والعشرين طالبا التصدي للواقع لتجنيب البشرية الخطر القادم, وهو في هذا قدم جديدا على نحو ما اعتاد ان يقدم. جارودي في سيرته وتنقلاته الفكرية والسياسية مثال للانسان الباحث عن الحقيقة والذي يتوقف في اي محطة يكتشف فيها هاجسه استنادا الى مبادىء آمن بها لكنه لايلبث ان يغادرها الى اخرى متلمسا الحقيقة وفي هذا يقول (الاخلاص للحقيقة قد يتطلب خيانة المبادىء, انا املك الشجاعة لقول الحقيقة, كما تتراءى لي, ولو كلفتني هذه الشجاعة ان اتهم بالخيانة) . جارودي في هذا كله وقد بلغ عتبة الخامسة والثمانين عاما, يمثل الساعي الى الحقيقة فقط, وهذه يملكها الكثيرون, ويضيف اليها انه يمثل صحوة الضمير في عالم له اتجاه آخر يواري الضمير ويحاول إ ماتته غالبا.

تعليقات

تعليقات