ما هكذا تورد الابل ـ بقلم: عبدالرحيم الشاهين قسم العلوم السياسية جامعة الامارات العربية المتحدة - البيان

ما هكذا تورد الابل ـ بقلم: عبدالرحيم الشاهين قسم العلوم السياسية جامعة الامارات العربية المتحدة

لقد أثارت الازمة الاخيرة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية العديد من وجهات النظر حول التواجد الامريكي في المنطقة وكيفية التعاطي مع الازمة وتحقيق الامن والاستقرار, والخروج من النفق المظلم الذي يعيشه واقعنا العربي وحالة التردي والتشتت التي نعانيها وصولاً الى تحديد اولويات المصلحة الوطنية لشعوب ودول المنطقة. انبرى البعض مدافعاً دفاعاً اعمى عن التواجد الامريكي لانه القادر حسب رأيهم على حماية مصالحنا الوطنية والدفاع عن امننا. والبعض الآخر كان على العكس يرى ان مصلحتنا الوطنية ومصلحة دول وشعوب المنطقة كما علمنا التاريخ ترتبط ارتباطاً ازلياً بشعوبها. وما هذا التواجد الامريكي في المنطقة الا تواجداً مؤقتا استدعته ظروف وتطورات, وهو زائل بزوال تلك الظروف والمسببات التي لم نكن سببا في حدوثها, وانما نتيجة اخطاء استراتيجية ارتكبت بحق دول المنطقة وشعوبها وكانت دعوة هؤلاء دائما الى سرعة ازالة تلك الاسباب والانطلاق في دفاعنا عن امننا الوطني ومصلحتنا الوطنية والقومية وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة, اعتماداً على دفاعنا الوطني وسواعد ابنائنا, وفي التنسيق الاقليمي والعربي لأننا جزء من الوطن العربي, وان المصلحة القومية العربية كل لايتجزأ لأن بقاءنا ووجودنا يعتمد بشكل اساسي على سواعد شبابنا وتلاحم القيادة والشعب, وعلى ايماننا بانتمائنا لعروبتنا ولاسلامنا, وليس الارتماء في احضان الغرب كما يتصور البعض. ان المؤيدين للوجود الامريكي والمشككين بقدراتنا الوطنية والمتعللين بانكشافنا الامني وبضعف اهمية التنسيق الاقليمي والانتماء القومي العربي, والذين تعاطوا مع الازمة العراقية من وجهة النظر الامريكية لم نقرأ لهم حرفا واحداً في كتاباتهم او نشراتهم يتحدثون فيه عن معاناة الشعب العراقي الشقيق, والتي يجب علينا ان نعيها كخليجيين وكعرب وكمسلمين وان لنا في العراق اشقاء يعانون الجوع والموت والمرض والتشرد والضياع والحرمان من التعليم والصحة والعلاج, لم نلمس تضامنا من هؤلاء مع تلك المعاناة التي ادمت القلوب والتي كان لقيادتنا السياسية ممثلة برئيس الدولة من خلال دعواته المخلصة والمتكررة لرفع معاناة الشعب العراقي, كما كان لابناء الامارات وعلى امتداد الوطن العربي, وكل الشعوب المحبة للسلام دورا في تقديم شتى انواع المساعدة الى ابناء الشعب العراقي في حين نجد التبرير الوحيد للتيار الامريكي بان النظام هو السبب ولم نقرأ استنكاراً او تضامنا مع معاناة الشعب العراقي من قبل هؤلاء, وهم يعرفون حق المعرفة ان لا ذنب للعراقيين بما جرى ويجري في العراق. وقد حاول هؤلاء من خلال كتاباتهم ونشراتهم خلط الحقائق بادعائهم بان كل من يتضامن مع شعب العراق ومعاناته ورفضه للضربة العسكرية الامريكية فهو موال للنظام في العراق وحاولوا القفز عن نقطة الخلاف الجوهرية وهي انهم يرفضون اي نقد يوجه للسياسة الامريكية في المنطقة, فهم امريكيين اكثر من الامريكان. ان العراق عضو مهم في الخليج العربي وفي العالم العربي, والعراق الضعيف يجعل التوازنات معقدة في المنطقة وخصوصاً بالنسبة للدول الصغيرة. نحن من دعاة خلق التفاهم مع جيراننا بما فيها العراق. ولا ننكر ان للولايات المتحدة الامريكية مصالحها في المنطقة ولكن التساؤل الذي نطرحه لو انتهت هذه المصالح بعد فترة ولم نرتب البيت الخليجي ماذا سنفعل؟؟ ايضاً نحن لا نريد ولا نتمنى ان يتربى اولادنا واولاد اخوتنا في العراق على العداء. ومما يعجب له المرء انه اثناء الازمة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية عارضت شرائح عديدة من المجتمع الامريكي, وغيرها من شعوب العالم توجيه ضربة عسكرية للعراق ولم يتهمها احد بأنها تسوف للنظام العراق او انها تتضامن مع النظام في بغداد ولم يتجرأ احد في الولايات المتحدة الامريكية او غيرها من الدول التي خرجت فيها مظاهرات تندد بالسياسة الامريكية, أن يشكك في مواطنيها او ولائهم الوطني او يخونهم في انتمائهم لتراب وطنهم, او يطالب باسكات تلك الاصوات وعدم السماح لها بالتعبير عن وجهة نظرها!! قلة عندنا في الخليج هي وحدها التي تغني خارج السرب وتطالب بمنع الاقلام المعارضة والمنتقدة للسياسة الامريكية وبقاء اللحن الذي يعزف للغناء الامريكي دون سواه. لا زال التيار الامريكي يردد تصريحات المسؤولين الامريكيين وتقارير وكالة المخابرات الامريكية عن العراق لا زال يشكل خطراً على دول المنطقة في الوقت الذي تصرح فيه القيادة السياسية في الدولة وعلى رأسها رئيس الدولة وهذه حقيقة للتاريخ ومن منطلق عروبي قومي اصيل عهدناه في سموه بوضع حد للازمة في الخليج العربي, وعودة العراق الى الصف والتضامن العربي. وهذا ما أقرته ايضاً معظم دول العالم بأن العراق لم يعد يشكل خطراً على جيرانه باستثناء الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا والعدو الصهيوني وهؤلاء القلة من التيار الامريكي الذين يصرون على وجود مثل هذا التهديد العراقي وبالتالي ضرورة التواجد الامريكي الذي يعتبرونه قدر ومصير وليس وجودا مؤقتا كما تصرح قيادات دول الخليج العربي. كما ينادي هؤلاء بعدم اعطاء اي وزن او قيمة للرأي العام ويسمونه (بالغوغائية) وان ابناء الشعب العربي لا يدرك بعد مصالحه, وان هؤلاء المنظرين للسياسة الامريكية (التيار الامريكي) هم ادرى بمصالح وشعوب المنطقة.. وهذا ما رفضناه ونرفضه وترفضه قيادتنا السياسية لانه يتعارض مع توجهاتها التي دائما تستمع وتحترم وجهات نظرمواطنيها وتشجعها حتى وان اختلفت معها ولم تتهمها يوما بالغوغائية ولأن حرية الرأي والتعبير حق كفله لنا دستور الامارات والقوانين وديننا الاسلامي. ايضاً لم نجد في كتابات هؤلاء اي اشارة عن ازدواجية المعايير الامريكية في المنطقة, ولم نقرأ لهم اي نقد للسياسة الامريكية تجاه قضايانا العربية العادلة, وان هناك ازدواجية في التعامل بين القضية العراقية وكافة القضايا والحقوق العربية المشروعة بل على العكس نجد البعض من هؤلاء يحاول تبرير تلك الازدواجية!! في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن سياسة الكيل بمكيالين التي تمارسها الولايات المتحدة في المنطقة العربية, كما تتحدث عنها صحافة العالم الغربي, وعلى سبيل المثال اوردت صحيفة الاكسبرس الفرنسية (نقلاً عن صحيفة الخليج بتاريخ 13/3/98) ان هناك شعور بالكراهية الشديدة ازاء الامريكيين لان عملية السلام اصبحت على حافة الموت نتيجة تعنت الامريكيين والاسرائيليين معا فاسرائيل كانت ولا تزال طفل الامريكيين المدلل بل وصلت درجة التدليل الامريكية لاسرائيل ان احد القادة الامريكيين قال ان على العرب ان يلزموا الصمت او يوجهوا الشكر لواشنطن لان اسرائيل لا تملك سوى 300 رأس نووي فقط وترسانة من الاسلحة الكيماوية ومجموعة من الطائرات الحديثة جداً. هل وصل الظلم الامريكي والتبجح الاسرائيلي هذا الحد؟ ويضيف نفس المراقب الامريكي ان اولبرايت يتملكها الرعب الشديد عندما تعلم ان الولايات المتحدة تهدد بلدا أغلب اطفاله جوعى ومرضى وجيشه مدمر, لذلك فهي تتوقع منهم رداً عنيفاً اذا ما وجهت اليهم ضربة ما فالشعور بالظلم الشديد يمكن ان يقلب الموازين رأساً على عقب فالكل يرى الآن ان العراق هو الضحية الكبرى للظلم الامريكي ــ اليهودي) . ان المدافعين باستحياء عن وجهة النظر الامريكي عليهم ان يسموا الاشياء بمسمياتها فالمظلة الدولية تعني الولايات المتحدة الامريكية, والشرعية الدولية تعني الهيمنة الامريكية وعليهم ان لا يلجأوا الى تأويل تصريحات رسمية كلنا ابناء الامارات نباركها ونؤيدها بل والمنادين دائما بها انها كلمة حق اراد البعض تحويرها الى باطل, لانها تعبر بصدق عن تطلعات شعب الامارات وشعوب المنطقة وقياداتها بان التواجد الامريكي في المنطقة مؤقت, وان هناك ظروف استدعت مثل هذا التواجد نتيجة اخطاء استراتيجية ارتكبها النظام في العراق. وان المصلحة الوطنية للدولة يحميها ابناء الوطن بارواحهم ودمائهم, وليس الاجنبي او المرتزق ولن تبقى الالتزامات الدولية اساس الامن في الخليج الى ما لا نهاية كما يروج البعض, ان هؤلاء الذين ارادوا قلب الحق الى باطل يريدون تبرير مواقفهم ويطالبون باسكات كل الاصوات الوطنية التي لا تتفق مع وجهة نظرهم. ان قيادتنا السياسية عودتنا على مبدأ الحوار والمشاركة والقبول بالرأي والرأي الآخر, بل اننا في دولة الامارات نفخر بأن لنا من الحرية سواء من خلال وسائل الاعلام او من خلال الاتصال المباشر بقياداتنا ومسؤولينا نعبر فيها عن ارائنا بكل حرية وصراحة ودون كبت او خوف. فنحن موالون للوطن وندعوا الى عدم خلط الامور وتصويرها في غير موضعها ومحاولة البعض التشهير بالاقلام والاصوات الوطنية المخلصة التي لا ولن تحتاج الى من يمنحها صكوك الوطنية او يلقنها دروسا في الانتماء والولاء لهذا الوطن لا لذنب اقترفته سوى رفضها لوجهة نظرة حفنة من المؤيدين والمروجين للسياسة الامريكية, لان حب الوطن والاستعداد للدفاع المطلق عن ترابه اكبر من كل المزايدات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات