الناقة والتراكتور!: بقلم - شفيق الحوت

بعد اكثر من خمس وثلاثين سنة على وجود اسمي في لائحة الممنوعين من دخول المملكة العربية السعودية, تلقيت السنة الماضية دعوة كريمة من الامير بدر بن عبد العزيز, نائب رئيس الحرس الوطني, للحضور والمشاركة في مهرجان الثقافة والتراث الوطني الثاني عشر المعروف بمهرجان (الجنادرية) , وكان الانطباع الاولى الذى سجلته عن تلك الزيارة ان حقيقة العربية السعودية خير مما كانت في ذهني ومن الصورة التي رسمها الاعلام الخارجي عنها, بما في ذلك الاعلام المحسوب على المملكة, والذي يصح القول في معظمه, بأنه اقرب الى الاعلان التجاري منه الى الاعلام الموضوعي. ولقد سعدت هذا العام بتكرار الدعوة الكريمة, لاستكمال انطباعاتي عن هذه الدولة ذات الخصوصية المكانية الفريدة, كمهبط للوحي وكحاضن للنفط, ولمراقبة هذه العلاقة الجدلية بين الروح والمادة, وانعكاساتها على التطور المجتمعي في تلك البلاد. اقول انطباعات وليس اكثر, لانه ليس من الممكن, خلال زيارات عابرة, لايام محدودة, فهم وتحليل المجتمع العربي السعودي الذي انتقل ــ ولايزال ــ من عهد البداوة الى عهد التقنية المتطورة في اقل من خمسين سنة. ان حفيد راعي الابل الذي رافق ثورة الملك عبدالعزيز آل سعود, يقوم اليوم برعاية ارقى اجهزة الكمبيوتر التي تشرف على تسيير واحدة من اعقد عمليات الانتاج الصناعي ابتداء من التنقيب عن النفط تحت آلاف الاقدام من سطح الارض, ثم ضخه وتكريره ونقله وتسويقه على امتداد الكرة الارضية. ولاشك في ان ملاحقة آثار هذه الطفرة النوعية على نفسية المواطن العربي السعودي وبالتالي على المجتمع ككل تحتاج الى دراسات مطولة كي تأتي خلاصاتها على مستوى ارقى من الانطباعات وتصل مرتبة المعلومات. لا انوي تحويل هذه المقالة الى بحث علمي, وسألتزم حدي في تسجيل بعض انطباعاتي مما شاهدته وسمعته في (الجنادرية) وحولها مما يساعد على اعطاء صورة عن هذا المجتمع المختلط والمحكوم باقدار خصوصية. التراث والدين يكثر في السعودية الخلط بين الدين والتراث خلال المساجلات بين جيلين متعايشين, وشعرت اكثر من مرة بضرورة الحذر في انتقاء الكلمات اثناء بعض الحوارات. سألت شابا عن سبب اطلاقه للحيته, فقال: ـ تلك سنة رسول الله, كان ملتحيا, فالتحينا. فقلت له: ـ ولكن اعداء رسول الله كانوا كذلك ملتحين, لقد كانت تلك سنة القوم في تلك الايام, الرجل العجوز الذي سمع حوارنا أشاح بوجهه غاضبا. وما يمكن قوله عن اللحية يمكن قوله عن حجاب المرأة, هل هي مسألة تراث موروث ام مسألة دينية؟ الناقة والتراكتور تعرفت على الامير مقرن اصغر ابناء عبد العزيز, كان طيارا في سلاح الجو الملكي ثم تعين مسؤولا عن احد الاقاليم التي حاول نقلها من البداوة الى الزراعة. سألته عن مدى استجابة الطبيعة لتحويل الصحراء الى اراض زراعية, فقال: ــ الارض اكثر طاعة من الانسان, فبفضل العلم والآلات الزراعية الحديثة وحفر الآبار الارتوازية استطعنا استصلاح عشرات الآلاف من الهكتارات ولكن المشكلة. وتردد قليلا قبل ان يقول: ــ ولكن المشكلة هي في الانسان المتمسك بالتقاليد, والذي ينظر الى (المهنة) نظرة دونية ... ثم اخذ يبتسم حتى تحولت البسمة الى ضحكة مسموعة, وقال: ــ اول ما جئت الى هنا وبدأنا مشروعنا الزراعي, ارتديت بنطلونا وقميصا, ووضعت قبعة على رأسي, وسقت تراكتورا على مقربة من بعض السكان, ولما طرحت عليهم السلام انكروا علي من انا, ولم يصدقوني, فقلت لهم: نلتقي غدا بالديوان وسترون. ــ وهكذا كان, واقبل بعضهم, بعد ذلك, على الفلاحة. مدن الملح كنا في جلسة مع مسؤول كبير عن (الجنادرية) , عندما اطل علينا كل من الاستاذ حمدي قنديل والاستاذ فتحي غانم, القادمين للتو من القاهرة بعد الانتهاء من مهرجان الرواية العربية, فأخبرانا بفوز الروائي السعودي المبدع عبدالرحمن منيف بالجائزة الاولى. وكانت مناسبة مؤاتية للبحث في كتابات الاستاذ منيف وموقف الحكومة منه ومن خماسيته الشهيرة (مدن الملح) . ولقد فوجئت عندما علمنا من المسؤول الكبير ان الدعوة قد وجهت لعبدالرحمن منيف لحضور (الجنادرية) اكثر من مرة, وأن خماسيته موجودة في مكتبة الملك فيصل لمن يريد التأكد من ذلك. هذا تطور هائل يستحق التحية والتشجيع ويشير الى سرعة الخط البياني في التقدم بهذا الاتجاه. لست في مقام يسمح لي بالتدخل في شؤون الروائي الكبير, ولكني اعترف باني سأكون في شوق كبير لقراءة ما قد يكتب عن الجزيرة ـ الان ـ بعد ان اتحفنا بما سبق ان كتبه. لا شكر على واجب في المملكة (بروتوكول) كما في غيرها من الدول والممالك. فالرأس فيها هو خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز. ومن بعده يأتي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء, رئيس الحرس الوطني, ويليه النائب الثاني وزير الدفاع والطيران والمفتش العام الامير سلطان بن عبدالعزيز. اثناء الجلسة التحضيرية لافتتاح المؤتمر, حاول احد الضيوف استغلال الميكروفون لالقاء قصيدة مدح بالشيخ عبدالعزيز التويجري الذي كان يرأس الجلسة. فما كان من هذا الاخير الا ان طلب من الرجل ان يتوقف عن المديح, قائلا له: ـ أنا هنا مكلف اقوم بواجبي ولا حاجة لكل هذا المديح. ولكن ماذا تفعل في بعض (المثقفين) ممن لم يعوا بعد ان رموز المملكة لم يعد يطريها مثل هذا النفاق! أمريكائيل كنت في لوبي الفندق, عندما تقدم مني احد الضباط المكلفين برعاية ضيوف المهرجان, واستأذن في مجالستي. بعد ان قدم نفسه, ثم سألني اذا كان باستطاعته ان يطلب مني خدمة خاصة. ولما اعربت له عن سروري بذلك, اخرج من محفظة كان يحملها ملفا يحمل عنوانا مثيرا هو (انحياز الولايات المتحدة في عملية الصراع العربي ـ الاسرائيلي) . واعترف بأني دهشت وتوجست خيفة في البداية, لا سيما عندما فهمت ان الملف عبارة عن اطروحة كان الضابط قد قدمها لاحد المعاهد العسكرية في بنسلفانيا خلال دورة أركان. قال العقيد الركن محمد بن فيصل ابوساق: ـ انا اعرف انك قضيت معظم سنوات عمرك تعمل لقضية فلسطين ولا يخفى عليك سر من اسرارها. لذلك جئت لارجوك قراءة هذه الاطروحة وابداء ما لديك من ملاحظات عليها لاني انوي طباعتها ونشرها. ألم أقل لكم ان الدنيا بخير, وان في ارجاء هذا الوطن رجال اوفياء وفرسان ترفض الضيم. ولما صافحته واعدا بقراءة اطروحته, لفت نظري وانا اتصفحها مصطلح لم يسبق ان قرأته من قبل. انه يسمي الولايات المتحدة امريكائيل.. ولا اعرف حتى الان ان كان احد قد سبقه الى هذه التسمية. شعر وطرب محمد الرطيان وطلال حمزة شابان سعوديان لم يصل اسماهما بعد الى دور النشر واندية الشعر وشاشة التلفاز. ولكني اراهن ومعي العديد من أرباب الشعر والنقد ممن ضمهم مجلسنا مع هذين الشاعرين الشعبيين, في رحاب الفنان المطرب ابوبكر الفقيه, انهما سرعان ما سيلمعان في شعرهما ويعيدان للبيداء بعض ذكرى شعرائها القدامى. نعم, في المملكة نهضة أدبية وفنية, تستحق العناية والرعاية والاهتمام, وقبل كل شيء التعرف على روادها. ما كنت أصدق اني سأطرب لاغنية سعودية بلهجة بدوية ولحن محلي.. ولكني طربت وانا استمع للفقيه, وحلقت وانا ارى لوحات صحراوية لمعاناة معاصرة من الشاعرين الشابين. خلاصة: (الجنادرية) باختصار مشروع ثقافي لتعريف الاخرين على تراث الجزيرة وتطورها المتسارع, وتعليمهم الكثير عن مكنونات كنوز هذه الامة.

تعليقات

تعليقات