البيوت الزجاجية: بقلم- مصطفى كمال

اذا كان بيتك من زجاج فلا تقذف بيوت الغير بالحجارة . هذا مثل سائر او حكمة عربية قديمة يعرفها العرب منذ الازل, واغلب الظن انها موجودة بكل اللغات. ولكن يبدو انها لم تصل بعد الى اولي الامر وصانعي القرار بالولايات المتحدة وخصوصا السادة اعضاء الكونجرس الذين ابدوا حماسا مشهودا لمشروع قرار يتيح للادارة الامريكية التدخل في شؤون الدول الاخرى وفرض عقوبات ضدها بحجة حماية الاقليات الدينية فيها. ورغم صيغة التعميم التي جاء بها مشروع القرار الا ان هناك دلائل واضحة تؤكد انه موجه ضد دول بعينها... بل ان الادارة الامريكية نفسها ادخلت عليه تعديلا يسمح لها بالامتناع عن تنفيذه (اذا كان فرض العقوبات سيؤدي الى الاضرار بالمصالح الامريكية) . ويتضاعف الشك في الاهداف الحقيقية وراء هذا القرار عندما نذكر انه يجيء في اعقاب حملة اعلامية ضارية شارك فيها عدد من قيادات الكونجرس بمجلسيه ضد عدد من البلدان العربية وبالذات ضد مصـر والسودان بزعم اضطهاد المسيحيين في البلدين. ولعلنا لسنا في حاجة هنا الى تفنيد هذا الزعم والتدليل على بطلانه, فالبلدان العربية والاسلامية لم تعرف ابدا الاضطهاد الديني او العنصري على مدى تاريخها... بينما كان هذا امرا معتادا ومعروفا بأبشع صوره في اوروبا على شكل مجازر ومذابح متصلة لمئات السنين... ثم انتقل منها الى امريكا فكان اكثر وحشية وامتهانا للانسان. وما اكثر ما يمكن ان يقال عن حملات الابادة البربرية ضد شعب بأكمله هم اصحاب البلاد الاصليين الذين انكروا على من بقوا منهم حتى نسيهم فسموهم الهنود الحمر. ومازالت عذابات السود الامريكيين التي استمرت حتى بعد الغاء الرق ماثلة للاذهان. ولا تستطيع الولايات المتحدة الزعم بانها تخلصت تماما من ادران التفرقة العنصرية وممارساتها رغم اقرار قانون الحقوق المدنية. (ولنذكر ان الزعيم الاسود مارتن لوثر كينج قتل بمعرفة السي اي ايه في الستينات وهو يقول انه يحلم بيوم لا يعاني فيه الاسود الامريكي لمجرد ان لونه اسود) . هل لنا ان نذكر السادة اعضاء الكونجرس الامريكي الذين مازالوا يعيشون بعقلية الحروب الصليبية بانهم هم الذين يمارسون التفرقة العنصرية والاضطهاد الديني على المكشوف عندما يغمضون اعينهم عن مذابح الصرب ضد المسلمين الالبان في الوقت نفسه الذي يطالبون فيه بمعاقبة مصـر بزعم اضطهاد الاقباط... وهو زعم يعرف جيدا كل من عاش في مصـر اوزارها انه باطل بغير اساس, ولم يكن له وجود على ارضها في اي يوم من الايام. بل الموجود هو العكس تماما فقد كان الاقباط المصـريون على مدى التاريخ جزءا من النسيجي الوطني ولا يزالون ويشهد التاريخ انهم اثناء الحروب الصليبية حاربوا مع المسلمين ضد الغزاة الاوروبيين الذين جاؤوا مستترين بالصليب. وفي اثناء ثورة 1919 وقفوا صفا واحدا مع اشقائهم المسلمين ضد المستعمرين البريطانيين ورفضوا دعواتهم وهو نفس دعوة الكونجرس الامريكي بانهم حماتهم من اضطهاد غير موجود. وهو نفس الموقف الذي يتخذه اليوم اقباط مصـر بقيادة رأس الكنيسة القبطية البابا شنودة الذي بادر بتكذيب الدعايات الامريكية مؤكدا رفض اقباط مصـر للحماية الامريكية بأية صورة وتحت اي زعم او حجة غير موجودة. ونسأل رجال الكونجرس الغيورين جدا على حقوق الاقليات لماذا تتبدد هذه الغيرة عندما يكون الامر متصلا بحق الفلسطينيين الذين يعانون من اكثر اشكال الاضطهاد الديني والعنصري تطرفا على يد الاسرائيليين الذين اغتصبوا اراضيهم ومازالوا يغتصبون الارواح والممتلكات بغير حساب؟ هل اتخذ هؤلاء موقفا ولو حتى بالكلام عندما وقعت مذابح صبرا وشاتيلا... او مجزرة المصلين بالمسجد الاقصى... أو مسلسل اغتيال الأطفال والنساء الأبرياء على يد الاسرائيليين, والذي لم يتوقف منذ خمسين عاما وما زال مستمرا حتى اليوم. والذي شهد العالم إحدى حلقاته في نفس اليوم الذي بدأت فيه مناقشة مشروع القرار المشبوه, حينما قتل الجنود الاسرائيليون ثلاثة عمال فلسطينيين عزل عن أحد منافذ مدينة الخليل بلا أي سبب, وحتى بدون افتعال مشاحنة أو شجار؟ كيف يفسر السادة أعضاء الكونجرس حقيقة ان كل الجرائم التي يرتكبها الاسرائيليون ضد الفلسطينيين انما تتم بأسلحة أمريكية, وتحت حماية المظلة الأمريكية المستعدة دائما لاستخدام الفيتو لاعفائهم من أي لوم.. أو حتى مجرد العتاب؟ ثم كيف يفسرون التناقض بين مشروع قرارهم المريب وسكونهم المخزي عن المذبحة المستمرة ضد مسلمي الفلبين المحاصرين في جزيرة مندناو؟.. وهي - للعلم تجري بدأب محموم منذ أكثر من ثلاثين عاما.. وأيضا بالأسلحة الأمريكية, وبالتأييد الأمريكي. و.. أليس أولى بهم ان ينظروا في ظواهر الاضطهاد العنصرية الموجود في داخل الولايات المتحدة ذاتها, والتي تعتبر جماعة الكوكلاكس كلان واحدة من أبرز علاماتها؟ ان وجود الخطورة في هذا القرار انه يفصح عن تصميم الولايات المتحدة على القيام بدور الشرطي العالمي, الذي يعطي لنفسه الحق في أن يتدخل في شؤون الغير, فيعاقب من يشاء, ويعفي من عقابه من يشاء, دون أن يحكمه في ذلك أية قواعد أو قوانين دولية متعارف عليها. وإنما الذي يحكى هو ما يعتقد انه مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية. ويزداد الأمر خطورة عندما يكون هناك الشرطي الأوحد يملك القوة العسكرية والاقتصادية التي يتيح له املاء ارادته على النحو الذي يراه, بصرف النظر عما إذا كان الذي يراه - وهو هنا الجالس على رأس البيت الأبيض - حقا, أو باطلا.. مشروعا أو غير مشروع. وهذا يعني بالتالي الغاء الشرعية الدولية, وانهاء دور الأمم المتحدة, وابطال مفعول ميثاقها الذي ينص على المساواة التامة بين جميع الشعوب, والذي يحرم التدخل في شؤون الغير. ولنحاول ان نتصور كيف سيكون شكل العالم, عندما يكون في وسع الإدارة الأمريكية أن تدعي في أي وقت ان بلدا ما يمارس الاضطهاد الديني ضد بعض أقلياته فتنزل به العقاب, حتى بدون الرجوع للكونجرس, وطبعا دون ما حاجة إلى استئذان الأمم المتحدة, دون ان يكون مطالبة بتقديم الدليل على صحة الادعاء المزعوم. ان العالم - في وضع كهذا لن يكون عالم أمن وسلام لكل الشعوب, وانما سيتحول إلى غابة لا تحكمها سوى شريعة الغاب. وويل للبشرية بأسرها, وسلام على كل ما أنجزته في طريق الحضارة على مدى آلاف السنين, عندما تتحكم في مصيرها دولة ذهب بصواب قادتها غرور القوة, فأخذتهم العزة بالاثم. وكم من دولة سبقتهم إلى ذلك فحق عليها القول, فدمرت تدميرا.. ولننظر إلى الغد.. فان غدا لناظره قريب.

تعليقات

تعليقات