صحافة الرسالة وصحافة السوبر ماركت ـ بقلم: محمد الخولي

هذه القصة عمرها سبعون عاما قد تنقص وقد تزيد والقصة تقول: ان الفنان الموسيقي (الناشئ) محمد عبدالوهاب دخل يوما على صديقه الكبير وراعيه امير الشعراء احمد شوقي وفي يده حزمة من الجرائد, ودخل شاكيا الى شوقي بك من الاقلام الصحفية التي تهاجمه ومن المقالات النارية التي أوسعته نقدا وشتيمة مقذعة تنبو عن الذوق وتخرج عن الاعراف. وما كان من الشاعر الكبير الا ان امره بأن يضع حزمة الصحف على الارض وان يقف فوقها... واكثر ولا يهولنك مثل هذا الهجوم فمعظمها اقلام مأجورة وافئدة موتورة ومصالح مقدورة... وليكن ردك على هذا كله ان تواصل تثقيف نفسك وتجديد فنك واداء رسالتك. الشاكوش والكشكول ولم يكن الشاعر مبالغا في تقييم هذا النوع من جرائد الشتيمة والتهجم والابتزاز... فقد كانت تلك الفترة ــ عقد العشرينات من القرن الحالي حافلة او مصابة في مصر بنوعيات من الطفيليات الصحفية تحمل اسماء غريبة وسوقية من امثال المطرقة والشاكوش والكشكول وحمارة منيتي والخلاعة (تصور مجلة اسمها الخلاعة!) وكانت مهمتها اطلاق اللسان وابتذال القلم لزوم التشهير ومن ثم الارتزاق والرواج الزائف والابتزاز. لكن القوم لم ينكروا ايامها في ان يغلقوا ابواب تلك الصحف وربما آثروا ان يتركوها كي تتعايش مع الصحافة الجادة التي تؤدي رسالتها في رصانة واحترام لعقلية القارئ واخلاقيات الكلمة ثم تؤديها في الوقت نفسه في اطار من تجديد الاسلوب ورشاقة العرض وعينها في هذا كله على مهمتها بوصفها منبرا قوميا وجسرا يعبر به الوطن الى حيث آماله في الحرية وفي التقدم.. هكذا تعايشت جرائد مثل (السياسة) و(البلاغ) والاهرام و(كوكب الشرق) ومن بعدها مجلتا (احمد الصاوي) والمجلة الجديدة (سلامة موسى) . الى جوار الشاكوش والمطرقة والحمارة... والخلاعة.. ولان الزبد يذهب جفاء فقد كان طبيعيا وفق نواميس النضوج وسنن الارتقاء ان تغلق (الخلاعة) ابوابها لكي تستمر (السياسة) ولكي تسلم الشعلة من بعد الى احمد حسن الزيات كي يصدر (الرسالة) التي تعلم منها ولا شك جيل الآباء من المثقفين المخضرمين, اطال الله في أعمارهم على امتداد وطن هذه الامة من الخليج الى المحيط. حكايات تشارلز ديكنز على اننا لم نكن بدعا بين اقطار الارض ونحن نشهد منذ ثلاثة ارباع القرن هذه الظاهرة التي تعارف الناس على وصفها بضمان (الصحف الصفراء) ومثلما سبقتنا دول (امريكا مثلا) في مضمار الصحافة خدمة ومهنة ومؤسسة ورسالة, فقد سبقتنا ايضا الى معاناة صحف الاثارة والسخافة والابتزاز وبيع الفضائح في اسواق الترويج, اقرأ مثلا قصة تشارلز ديكنز بعنوان (حياة ومغامرات مارتن شزلويت) وقد نشرها عام 1843. والرواية الديكنزية مازالت محط كراهية القارئ الامريكي وخاصة في الفصول التي شاء فيها الروائي الانجليزي ان ينقل بطله (مارتن) عبر الاطلسي بحثا عن ثورة موعودة او مزعومة يرثها في امريكا, ها هو مارتن يهبط من الباخرة الى الميناء الامريكي وفي نفس اللحظة تصك اذنيه نداءات باعة الصحف يزدحمون بأوراقهم ـ التابلويد اياها وهم يصخبون وتتداخل نداءاتهم الزاعقة فوق رصيف الميناء اقرأ فضائح نيويورك.. عندي جاسوس العيلة.. اقرأ جريدة البصاص.. ملحق من ثقب الباب.. معايا السيف والخنجر اخر طبعة بنس واحد يا محترم تقرأ قضايا نيويورك.. الخ.. الخ. ويبدو ان ديكنز دفع بطل روايته الى ان يشتري جريدة القبضاي او فتوة نيويورك (اسمها الرسمي في الرواية نيويورك رودي جورنال) ثم يقرأ مقالتها الرئيسية فاذا بصاحبها وهم نجم الجورنال ينهي المقال بعبارة بقلم الصحافي (بريك) وترجمتها انه الاستاذ.. طوبة (راجع حكاية الشاكوش والسيف والمطرقة او الكرباج والنحلة والدبور في مفردات الصحف المصرية في الربع الاول من القرن) وفي هذا المقام يقول الكاتب آدم جود هارت وهو من كبار الصحافيين في مجلة (الحضارة) الشهرية الامريكية.. ان تشارلز ديكنز لم يبعد عن الصواب في اختيار الاسم الروائي او الخيالي لواحد من شخوص روايته بل كان الاسهم (طوبة) اسما مثاليا بالفعل للصحافيين في تلك الايام التي كانت الاخبار والمعلومات فيها تنتشر زاعقة وصاعقة مثل وابل من حجارة يقذفه الصبية عبر نوافذ الآمنين. صحافة السوبرماركت هي الصحافة التي قامت بالامس على البصّ والتصنت وعلى تسقّط اخبار الناس وعلى كشف او هتك الاسرار تكاد تصبح جزءا للأسف من الحياة اليومية للمواطن الامريكي والغربي بشكل عام, وان تغير اسمها لتحمل اسما جديدا هو (صحافة السوبرماركت) بمعنى ان مكان بيعها وترويجها بالدرجة الاولى هو محلات البقالة الكبيرة وخاصة عند نقاط الدفع وماكينات الحساب حيث الناس ينتظمون في صفوف, وحيث تمتد الايادي بفعل ملل الانتظار الى صحيفة معلقة تتصفحها وتنشد الى صورة هنا وعنوان هناك ثم يكون القرار هو شراء الصحيفة, فالصورة ملونة ومثيرة والعنوان لا بد ان يكون اكثر اثارة وقارىء الصحيفة (او القارئة) متعجل وما اسهل ان تضاف الصحيفة المختارة على حساب المشتروات والمسألة كلها بيع وشراء وجذب وانجذاب, وعرض وطلب وبضاعة معروضة لزوم الاستهلاك يستوي في ذلك الصابون وانواع السردين واوراق الكلينكس وصحف التابلويد.. لا عجب ان يطلقوا على هذا النمط من السلوك والتعامل والتفكير اسم (حضارة السوبرماركت) . كراسات حقوق الانسان ومن عجب الا يكون هذا هو دأب الحرفة الصحافية ولا سيرتها المتواصلة من جيل الى جيل. الامريكيون مثلا عرفوا منذ فجر وجودهم كدولة وثورة استقلالية وكان ذلك في اخر عقدين من القرن الثامن عشر ـ عرفوا صحافيين وكتابات ومنشورات صحافية اضافت الكثير والنفيس الى الفكر السياسي الانساني بعامة ـ عرفوا منشورات وكراسات رجال من امثال توماس بين (توفي عام 1809) واهمها كراسة يمكن ترجمتها بعنوان (لا يصح الا الصحيح) وفيها اول دعوة رائدة لاستقلال امريكا عن الاستعمار الانجليزي, هذا فضلا عن المنشور الاشهر الذي اصدره (يين) في عام 1787 بعنوان (حقوق الانسان) وكان من مصادر الهام الاعلان العالمي لحقوق الانسان وهو المحور الاساسي لقيام ووجود منظومة الامم المتحدة عبر اعوامها الاثنين والخمسين. اول جريدة عربية ولم تمض عشرون سنة على وفاة (توماس بين) الا وصدر في القاهرة اول عدد من جريدة الوقائع المصرية (3 ديسمبر سنة 1828) وهي اول جريدة واقدم جريدة عربية تصدر على الاطلاق.. وقد تعاون على اصدارها وتحريرها رجال من رواد النهضة العربية الحديثة من امثال رفاعة الطهطاوي وصالح بك مجدي والاستاذ محمد عبده وبلغ من تقدير رفاعة الطهطاوي لرسالة الصحف كما رآها وقرأها اثناء بعثته في فرنسا (1826 ـ 1831) ان اشاد بما اسماه (الورقات اليومية المسماه بالجرنالات والكازيطات (جمع غازيته وهي الجريدة) التي يعرف فيها الانسان سائر الاخبار المتجددة (الاخبار فقط هي التاريخ كما عرفه العرب) سواء كانت داخلية او خارجية. مع ذلك فلم يكن رفاعة رافع ذلك الفتى الازهري الذكي اللبيب لينبهر امام هذه الورقات او الكازيطات بل استطاع ان يعاملها من منظور نقدي مستنير حين مضى في تقييمها يقول (وان كان قد يوجد فيها من الكذب مالا يحصى) وفي كل حال فقد كانت (الوقائع) هي الجدة العليا لسلسلة مضيئة من الصحف الجادة والمفيدة والبناءة التي اسهمت في تشكيل ذوق القارىء العربي وفي دعم وتوطيد اركان الثقافة العربية المعاصرة.. منها مثلا روضة المدارس التي انشأها العلامة علي مبارك عام 1870 ورأس تحريرها استاذه رفاعة الطهطاوي.. بل ومنها ايضا مجلات متخصصة مثل (اليعسوب) التي اصدرها الدكتور محمد علي البقلي وهو من رواد الجراحين العرب وكان ذلك عام 1865 ويصفها المؤرخ الاستاذ عبد الرحمن الرافعي رحمه الله بأنها كانت اول مجلة طبية عربية. واذا كانت رصانة الدكتور البقلي قد املت عليه ان يختار لمجلته الطبية اسم اليعسوب وهو ذكر النحل او الرئيس المقدم الكبير كما يقول القاموس, فان كاتبا وداعية شعبيا مثل عبد الله النديم لم يخرج عن هذه القاعدة من احترام الكلمة واجلال مهابتها فعمد الى لقط (الاستاذ) يختاره اسما لمجلته التي اصدرها سنة 1893 وكان قد سبق الى اصدار مجلة (الطائف) والى الكتابة في مجلات عصره في سبعينات القرن الماضي ومنها (المحروسة) و(الوطن) و(مصر) ثم قرر عبد الله النديم ان يخاطب البسطاء واشباه المتعلمين بل والمحرومين من التعليم في عصره ــ اختار ان ينشىء جريدة شعبية يستخدم فيها النقد السياسي والاجتماعي اسلوبا لتوصيل رسالته الى الحاكمين والمحكومين ومع ذلك فقد اختار النديم بجريدته اسما ينم عن ذوق ادبي وحس مرهف ومطبوع يرفض السوقية او الترخص او الابتذال واسماها ــ كما هو معروف ــ باسم (التنكيت والتبكيت) بمعنى ان السخرية في التنكيت ليست مطلوبة لذاتها ولا هي مجرد استظراف لازجاء الفراغ او الامعان في اللهو او مطلق الترفيه بل هي من اجل ان نغلب ظالمنيا بالحجة وان نوسع المستبدين والمرتشين والمستغلين تقريعا وايلاما اذ نكشف سيئاتهم ونسلط الاضواء بالنقد العنيف على ما يقترقونه في حق الوطن واهل الوطن والغلبة بالحجة والمقارعة بالكلمة واحيانا بالعصا وحتى بالسيف هو معنى التبكيت كما يقول الاب المعلوف في قاموس (المنجد) ولم يملك النديم سوى عصا الكلمة وسوى سيف النقد وقد دفع ثمن هذا كله من عمره وصحته ومن غربته ومنافيه بعد احتلال الانجليز لوطنه في عام 1882 نريد ان نقول ان صحافة الاثارة الصفراء تتعايش في كثير من الاحيان مع صحافة الحرية والرصانة ومسؤولية القلم وشرف الكلمات. وبقدر ما تعلو منظومة القيم في هذا العصر او ذاك, وفي هذا البلد او ذاك, بقدر ما يرتفع وعي الناس وترتقي اذواق جماهير المستقبلين لمضامين الصحف ورسالة الصحافة بشكل عام, وهو ايضا بقدر ما تزدهر صحافة الوعي البناء وتضمحل صحافة اللاوعي او اللهو الفارغ او التغييب. العرض والطلب ولعل مشكلة المجتمعات الرأسمالية هي احترام المنافسة على السوق وهي الاصغاء التام او السيادة المطلقة لقوانين العرض والطلب حيث الهدف الاساسي, الجوهري, والاوحد هو تحقيق الربح بوصفه المقياس الوحيد للانجاز والنجاح. وفي هذا نعود الى صاحبنا الكاتب الامريكي آدم جودهارت حين يقول: ــ ومن اسف ان الصحفيين (في امريكا) قد اصبحوا تحت رحمة دورة الاخبار على مدى الاربع والعشرين ساعة او حمى التلقيم المستمر وكأن القدم امام كائن خرافي يفتح فمه باستمرار ولا يشبع ومن شأن هذه الاوضاع ان المحررين ورؤساءهم باتوا يعملون وفق شعار يقول: ليس المهم ان يكون الخبر صحيحا او تكون المعلومة على حق بل الاهم ان تكون انت (ايها الصحفي) اول من يذيع الخبر او ينشر المعلومة على جماهير القارئين. ثم جاءت الانترنت يضيف جودهارت لتزيد الطين بلة وبدلا من ان تؤدي الى تدشين المنافسة ادت الى اشعال جذوتها وفتح شهية الوحش الاسطوري الى الجديد والى المثير. هكذا احتارت واحتار دليلها صحيفة رصينة مثل نيويورك تايمز مازالت ترفع شعارها العنيد الذي تعتز به وهو: نحن ننشر من الاخبار كل ما يليق نشره.

تعليقات

تعليقات