أبجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

أنت تعيش اليوم طورا حضاريا من حياة الانسان, يسير وفق (كل شخص متهم حتى تثبت براءته) وهو منطق ليس عجيبا فقط, وإنما قاتل ومدمر , ولكن هذا ما تلاحظه اذا حاولت التدقيق وعدم المرور على المواقف مرور الكرام. لقد اصبح تبادل الاتهامات المختبئة في الضمائر, والحصول على صكوك البراءة بأي ثمن, يتم وفق طقوس تعارف عليها الناس فيما بينهم وباركوها وبالتأكيد قبلوها مختارين او مرغمين, لا يهم. لاحظ انك ــ كالآخرين ــ تتحرك بالمنطق ذاته, ويتحرك الناس معك, وتجاهك بالذهنية نفسها, ولا تحاول ان تسأل, هل تربيت وجدانيا لتصل الى هذا المنطق وتسلم به ام ان الضخ الاعلامي الذي تربيت على نظرياته ورموزه اضافة الى الاداء السياسي العربي وكذلك منظومة العلاقات الاجتماعية, هل آتى كل ذلك ثماره, وأوصلك لهذه الذهنية المستعدة دوما لعدم الثقة بالآخرين؟ هل تؤمن بالقول العربي: سوء الظن من حسن الفطن؟ ولذلك فأنت تتصرف تبعا لذلك؟ ربما, ولكن تمعن في هذه الصور جيدا, واعرض نفسك على المواقف التالية ــ وبحيادية ــ لتعرف موقعك من هذه القناعة. تلتقي شخصا (ما) علاقتك به محدودة, فيبادرك بالتحية والسلام ويبدي اعجابه بعملك, واحترامه لشخصك, فتهمس لنفسك سريعا: لابد انه يريد شيئا ما (فالذئب لا يهرول عبثا)! ويتصل بك قريبك الذي انقطعت اخباره منذ زمن, مهنئا وسائلا عن الحال وصحة الاولاد, فيتردد الاتهام في اجوائك الملبدة بالغيوم: لا شك انه يريد مني خدمة ما, او ان اتوسط له لدى شخصية بارزة, بعد ان سمع بخبر ترقيتي! ولانك مدير جيد, فقد احب مرؤوسوك ان يعربوا لك عن تقديرهم لانسانيتك الرفيعة في الادارة (فاقترفوا) ــ حسب ظنك ــ خطيئة تقديم (هدية ما), ولم يمر الامر بسلام طبعا فقد انفجر الشك في ذهنك المستعد لهذه الانفجارات مفسرا (خطيئتهم) بانها نفاق معروف هدفه ومراميه.. وحتى ابنك المراهق, اذا جلست معه يوما تلاطفه, او قدمت له هدية بسيطة (بدون مناسبة) أو زدت له في المصروف اثر نوبة كرم عاطفية مباغتة, جاءك مفجرا شكه المدمر: لماذا كل هذا الكرم, هل تنوي ان تزيد الاوامر, او ان تنقص هامش الحرية؟! خاصة وانه اعتاد ان الاعطيات تأتي اثر (انجازات) معينة, وهو اليوم لم يفعل ما يستحق هذا الكرم الابوي المباغت! بلا شك, هناك ازمة ثقة في تعاملاتنا مع بعضنا البعض, وحتى مع اقرب الناس, استعدادنا لتقبل هذه الازمة, وتعايشنا معها بطلاقة ازمة اخرى, البحث في الاسباب ضروري جدا, و(سوء الظن من حسن الفطن) ليس مبدأ سليما في كل الاحوال.

تعليقات

تعليقات