القتل بخيط من حرير (1-2) بقلم- د. خليفة علي السويدي

للدول التي احتلت العالم العربي وغيره قواعد تنطلق منها, ومبادىء تسير عليها هذه القوانين, هي التي جعلتهم ينجحون في مهمتهم على قلة عددهم , ومن القواعد التي تعلمناها من دروس التاريخ مقولة (فرق تسد) وكثيرا ما يتعامل اساتذة التاريخ والسياسة مع مثل هذه القواعد التي لا نستخدمها كثيرا كتربويين, ولكن في الادب الانجليزي مقولة تهمنا ــ نحن من تخصصنا في علوم التربية والتعليم ــ لانها في صميم العملية التعليمية انها قاعدة (Slow But Sure) بطيء لكنه اكيد المفعول, نعم ان اثار المؤسسات التعليمية بطيئة لا يبصرها العديد من الناس لكن نتائج هذه التربية اكيدة التحقيق. قالت لي: انها فتاة عربية المنشأ تفوح في بيتها ارقى روائح البخور والطيب العربي, تحتسي في مجلسهم القهوة العربية بنكهة الهال, جلست معها بعد ان انصرف والدها لحاجة مؤقتة, وكطبيعة الصغار بدأت تتحدث عن تعليمها, وبالذات عندما عرفت من والدها انني اعمل معلما في كلية التربية فقالت لي: لم تأت اليوم (مسز) الانجليزي إلى المدرسة لانها تحتفل بـ (الكريسمس) والذي سألت (مسز) الدين عنه, فقالت لي: كلاما يختلف عن كلام (مسز) العربي, وكلهم لا يدري ان (مسز) الانجليزي كانت تحدثنا عنه قبل اجازتها, وبعد ان خرجت من المدرسة, قالت (للذريول) : ان يأخذني إلى احد (السنترات) لاشتري لي (جيم) ـ لعبة ــ جديدة لان كل (الجيمات) عندنا في البيت اصبحت قديمة, نحن عندنا العاب مثل (الفاملي) و(النتندو) و(سوني) وألعب بها, الالعاب بعد ما تنتهي الرسوم التي اتابعها في (ديزني جنال) و(الكارتون نتوورك) وقبل أن يأتي والدها قالت لي: في الجامعة هل لديكم تخصصات بـ (الانجليزي) قلت لها نعم, قالت: لاني لا افهم ما يطرح باللغة العربية, ولا استطيع كتابة كل شىء بالعربي؟! فقلت لها اذا كيف ستنجحين في امتحانات القبول, فلدينا اختبار في اللغة العربية, وهناك بعض المواد التي لابد ان تطرح بلغتنا العربية؟ قالت: اذن سأطلب من الوالد ان يدخلني جامعة في الامارات لا تدرس اللغة العربية, وهنا دخل الوالد فانقطع عني هذا الحلم الحقيقي المزعج. لا احسب ان حريصا على مستقبل هذا البلد يقرأ هذه القصة, الا وهز رأسه اسفا على هذه الفتاة, والتي لا ذنب لها الا انها بدأت تقتل بخيط من حرير ان التربية والاعلام اصبحا يفتكان بهذه الامة بصورة خفية لا ينتبه لها الا القليل, وقد لا نحس بهذا الانسلاخ في هذه الفتاة, ولكن الصورة ستكون اكثر وضوحا في الجيل الذي ستكون له هذه اما, ودعونا نتلمس بعض القضايا التي تساهم في هذه الجريمة. لغة تضطهد اللغة تعتبر الوعاء الحضاري والثقافي للامم, وهي علامة من علامات نهضة الامة أو انحدارها, ولغتنا العربية من اشرف اللغات واقدرها على نقل العلم والمعرفة, كيف لا وقد اختارها الله تعالى لغة لآخر كتبه (القرآن الكريم) , والمتأمل اليوم إلى واقع اللغة العربية يرى امورا غريبة, فقد شوهت هذه اللغة في بعض الدول بجعل اللهجات اداة للتواصل المعرفي ــ ولا ارى ان هذه اللهجات ليست عربية ــ ولكن كثرة استخدام هذه اللهجات جعلت ابناء الامارات في بعض الاوقات يتحاورون فيما بينهم باستخدام بعض اللهجات التي يتعامل معها في التربية والاعلام, وجولة سريعة خارج قاعات التعليم تؤكد مدى شيوع اللهجات في التربية, وحتى في بعض حصص اللغة العربية, ولو قلبنا محطات الرائي ــ التلفاز ــ لرأينا امرا عجيبا حيث بدأت بعض المحطات لا تكتفي فقط باللهجة المحلية, ولكن اصبحت تكتب العربية كما تنطق في اللهجات, وهذا مشروع قديم لهدم العربية, فشل في التعليم, وربما ينجح في الاعلام, وتجاوزت بعض المجتمعات التربية والاعلام إلى عموم البيئة فأصبحت البلديات تتساهل في استخدام الكلمات الاجنبية بدلا عن العربية فتستخدم (تاور) بدلا من برج و(سنتر) بدلا من مركز, كما ونلاحظ ان بعض اللوحات الدعائية باللغة الاجنبية لا تكلف الشركات نفسها بكتابتها باللغة العربية, وان استخدم الحرف العربي كتب بخط صغير, وفي بعض الاوقات تحت اللغة الانجليزية, واذهب إلى بعض المطاعم في دولتنا لتجد انها لا توجد لديها قوائم للطعام باللغة العربية. قدوات تصطنع... يميل الانسان في غالب الاوقات إلى تقليد من يعجب به, وكما قيل قد يبدأ الاعجاب بفكرة بالاعجاب بحاملها, ولكي تتكون قدوات في المجتمع لابد ان تبرز هذه الرموز عبر القنوات المختلفة, وتستمر هذه الاسماء في طرق الاذهان والقلوب, حتى تحفر لها مكانا في شخصياتنا, وتصبح بالتالي قدوة للجيل, وما ادراك ما هذه القدوات فبالامس القريب صعق العالم بموت شخصية كانت نموذجا للكثير في الجمال والاناقة, وصورت للعالم على انها نموذج تحتذى, وبعد يقظة الناس من صعقة الموت, اذا بالعقل يتكلم عن انها كانت مثالا للفشل في جوانب من حياتها, كالخيانة الزوجية, ولكن هل يذكر الناس هذه الجريمة بعدما نقش الاعلام عندنا صورها في قلوب الناس, وهل بامكان العقل ان يمسح ما رسم في القلب, ولم نذهب بعيدا فاعلامنا خصص برامج كثيرة من ساعات البث للحوار مع نجوم صنعها هو, لا تضيء الا في لياليهم, هذه النجوم بالرغم من فشلها الاجتماعي (تكوين اسرة مثلا) أو التعليم (النجاح في المدارس والجامعات) وبالرغم من وجود علامات الانحراف عن قيم وعادات المجتمع ــ كترويج الكلمات النابية ــ أو السخرية من صناع المجتمع ــ كرجال التعليم والفقه, وازدراء كيان الاسرة المتمثل في الاب أو الام والابناء, بالرغم من هذا كله تتسابق قنوات البث لابرازهم كقدوات للمجتمع, وعند ذلك هل يلام الجيل اذا حاكاهم في المدارس؟ أو لبس لبسهم في الشارع؟ أو حاول ان يكون مثلهم في المنزل؟ ان هذه القدوة العملية الفاشلة تسمم هذا الجيل لكي يموت ببطء لا نحس به. انحلال يروج.. اذا كانت اللغة تحمل الثقافة والفكر فان الاجساد تحوي الطاقة والعمل, والمتأمل اليوم الى واقع هذه المجتمعات يجد ترويجا واضحا لعقار هادم وسرطان خبيث, انه الانحلال الاخلاقي, هذا الامر الذي سلمت منه امتنا العربية ردحا من الزمن, حتى استغرب الاخرون من ذلك, فنظمت الدورات والمؤتمرات للتباحث حول سبل جرف هذه الامة الى هاوية تشتكي منها الدول الصناعية اليوم, انها حفرة الرذيلة او اللااخلاق, فهناك من يحاول ان يزيل من قاموس اللغة العربية معان كالحياء او الخجل, وكذلك الشهامة والغيرة المحمودة, فلا بأس ان تتكشف الانثى امام الرجال, او تنكسر في اعينهم, كل ذلك تحت مظلة الحرية الشخصية, ولو كانت هذه الحرية تخالف قوانين المجتمع, او تؤدي الى هذا كله. فقد نشأ في هذه الامة جيل جعل الجنس غايته, وروج لهذا الغاية حتى سقط في هذا الامتحان اناس نجحوا في اصعب الاختبارات, وهدمت بهذه الوسيلة بيوت كانت من ركائز المجتمع. فماذا يفعل جيل الشباب من الذكور والاناث, وهو لا يرى في الاعلام سوى مذيعات ميزتهن الوحيدة قدرتهن الخارقة ــ ليس في الثقافة او الفكر ــ ولكن في ارتداء ملابس الصيف في الشتاء؟! او الخروج امام الناس بمظاهر لا تليق. وابحث عزيزي القارىء عن الاغنية العربية الحديثة لتلاحظ انها اغنية ترى ولا تسمع؟! وتابع ذلك المسلسل الذي يستغرق اكثر من مئة حلقة ليوصلنا في النهاية الى بيئة ملؤها الفساد. وتلك المجلة التي لا تنشر إلا بكثرة الصور فيها؟! ان هذا الامر وغيره ادى بالجيل الى ان يهتف مع جميل بثينه: يقولون جاهد ياجميل بغزوة - واي جهاد غيرهن اريد لكل حديث بينهن بشاشة - وكل قتيل دونهن شهيد هذا الامر قاد الدول التي بدأت بذلك الى امور متعددة منها: تأخر الزواج, وبالتالي قلة الانجاب, ومن ثم تكونت الاسر النووية والتي انشطرت الى اسر وحيدة الخلية. كما دفعهم الامر الى الامراض الجنسية المختلفة والشذوذ, مما جعلهم عناصر هادمة لمجتمع غير معطاء, فهل تريد ان يكون مستقبل امتنا كذلك؟ وكيل كلية التربية ــ جامعة الامارات *

تعليقات

تعليقات