عندما تتساقط أحجار الدومينو في البلقان: بقلم- د. حسن ملحم - البيان

عندما تتساقط أحجار الدومينو في البلقان: بقلم- د. حسن ملحم

جون فوستر دالاس عندما تطرق لاحجار الدومينو انما تطرق اليها في آسيا ــ بالتحديد ليبر ــ حرب بلاده في فيتنام... اذ حسب زعمه فان سقوط نظام سايجون لمصلحة الشيوعيين سيجر معه سقوط أنظمة اخرى حوله.. ومن ثم فان جميع انظمة جنوبي شرق آسيا ستتساقط كأحجار الدومينو , فانطلاقا من هذا الزعم, واستنادا الى (نظرية الدومينو) خاضت الولايات المتحدة الامريكية حربها المدمرة.. الخاسرة في فيتنام, ثم سقط نظام سايجون... الا ان احجار الدومينو لم تسقط. في حوض البلقان قد تطبق نظرية دالاس بشكل افضل, ولو كان حيا.. وحسن النية أيضا, لقرر هو نفسه نقل نظريته الى حوض البلقان بدلا من ابقائها في جنوب شرقي آسيا. وصحيح ان الصراع في البلقان ليس ما بين شيوعية ورأسمالية الا انه صراع اكثر عنفا واشد ضراوة... انه صراع عرقي ــ ديني, وان عاد الصراع بين الشيوعية والرأسمالية الى عام 1917 حيث توضح تدريجيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية... فان الصراع العرقي ــ الديني قد يعود بنا الى ما قبل خمسة قرون موازيا للفتوحات العثمانية, وليتوضح تدريجيا مع الصراعات القومية في القارة الاوروبية. صحوة الاحقاد الكامنة في حوض البلقان قد لاقت فرصتها مع انهيار الامبراطورية السوفييتية... ونهاية عصر الايدلوجيات, واذا ما تفككت بعض الديمقراطيات سلميا, مثل تشيكوسلوفاكيا, فان بعضها الاخر قد تفكك بالعنف مثل الاتحاد اليوغسلافي.. وهنا بالاحرى تكمن (عقدة) البلقان التي اكتشف العالم أجمع (بشاعتها) في الحرب البوسنية, اما وان هذه الحرب قد (تجمدت) الى حين.. فان اقليم كوسوفو هو التالي في حلقات سلسلة مطولة. النزاع التركي ـ اليوناني عداء تاريخي قديم بين الدولتين, بدأ مع العهد اليوناني وتأصل مع الامبراطورية العثمانية, من حيثياته القضية القبرصية التي كان من نتائجها المباشرة تقسيم الجزيرة بين قبارصة اتراك وقبارصة يونانيين وخاصة بعد ان اقدمت انقرة على غزوها عسكريا عام 1974. اما في بحر ايجة فان النزاع بين الدولتين يدور حول المياه الاقليمية وحول مجموعة من الجزر الصخرية, اهمها جزيرة ايميا التي تطالب بها انقرة بعد ان كانت اثينا قد ضمتها اليها منذ عام 1947 اضافة الى سلسلة جزر دودميكانيس, وجميع هذه الجزر لا حياة فيها الا انها تمثل مواقع استراتيجية هامة.. غالبا ما كانت وراء تصاعد التوتر بين الدولتين... بانتظار الحرب. وصحيح ان تركيا واليونان عضوان في منظمة حلف شمال الاطلسي الا ان الجهود الاوروبية ــ الامريكية منفردة ام مشتركة لم تفلح ابدا في ايجاد حلول مقبولة, وقد يقال بأن موضع النزاع أقرب الى الشرق الاوسط الا انه مع ذلك يشكل امتدادا لما يجري في حوض البلقان. النزاع اليوناني ـ الالباني (الايبروس) منطقة تقع في جنوب البانيا وتضم اقلية يونانية قد تصل الى حوالي 400 الف نسمة حسب احصائيات أثينا ولا تتجاوز الستين الف نسمة فقط حسب احصائيات تيرانا, وفي كل الاحوال فان هذه الاقلية قد شكلت لنفسها حركة استقلالية تدعى (حركة أمونيا) تحظى بدعم وتأييد اليونان. اثينا من جهتها غالبا ما هددت ألبانيا بالحرب الا ان هذه الحرب لم تشتعل بعد, ورغم ان البانيا لن تستطع الصمود طويلا امام القوات اليونانية الا ان تفجير النزاع سيشمل اماكن اخرى في حوض البلقان. ولا شك ان التوتر بين الدولتين قد كان (متجمدا) ولو الى درجة ما في ظل النظام الماركسي الالباني الا ان سقوطه قد فتح الشهية اليونانية لتصعيد مطالبها في ذات الوقت الذي حثت فيه حركة امونيا على التحرك. البانيا دولة اسلامية واليونان دولة مسيحية ارثوذكسية, فلا غرابة ان تجد الحركة دعما متواصلا من قبل الكنيسة الارثوذكسية... اضافة الى ان ا ثينا تلاقي شيئا من التأييد الاوروبي بحجة انتماءاتها الحضارية... التي لا يمكن ان نجدها لا عند البانيا ولا عند تركيا. قضية مقدونيا مقدونيا عبارة عن مقاطعة كانت تشكل جزءا من الاتحاد اليوغسلافي, يبلغ عدد سكانها حوالي المليوني نسمة منهم 66.5% من اصل مقدوني وما يقرب من 22.9% من اصل الباني اضافة الى 4% من الاتراك 2.3% من الغجر و2% من الصرب, بعد ان اعلنت استقلالها اثر تفكك الاتحاد اليوغسلافي, على امل تشكيل دولة متعددة القوميات الا انها ظلت لأكثر من سنة ونصف من دون اي تغطية دولية لها نتيجة عدم الاعتراف بها, ورغم ان الاتحاد الاوروبي قد اقدم على الاعتراف بمقدونيا عام 1993 الا ان طموحات اثينا في اجزائها الجنوبية قد دفعتها الى فرض حصار عليها, والصرب من جهتهم يؤيدون اليونانيين عكس الاتراك الذين يؤيدون المقدونيين, ولهذا التأييد التركي اسبابه خاصة وان هناك خلفيات يونانية ــ صربية لاحتلال المقاطعة وتقاسمها. يلاحظ بأن مقدونيا من الداخل هي ايضا من الخارج كالبركان فالنزعات العرقية قد تتطور الى صراعات دموية خاصة اذا ما وجدت من يدعمها اقليميا... وبالدرجة الاولى من قبل اليونان التي كانت قد طالبت بتغيير مقدونيا لاسمها ولعلمها وحتى لدستورها كدولة مستقلة على اساس ان الاقليم ا ليوناني الشمالي المجاور لمقدونيا يحمل ذات الاسم, وان لمقدونيا المستقلة طموحات واضحة فيه. بين رومانيا والمجر تقع ما بين الدولتين منطقة ترانسلفانيا, وتشكل ما لا يقل عن ثلث الاراضي الرومانية الا ان اقلية مجرية هي التي تقطنها وتعود الى عهد الحكم المجري بين سنوات 1867 ــ 1918 ورغم ان المجر كانت قد خرجت من ترانسلفانيا في نهاية الحرب العالمية الاولى الا انها عادت فاحتلتها ابان الحرب العالمية الثانية... الى ان غادرتها مجددا بعد الحرب. ترانسلفانيا اذن هي منطقة رومانية وعدد سكانها حوالي 1.6 مليون نسمة او ما يقارب 7% من سكان رومانيا حسب الاحصائيات الرسمية. رومانيا تتمسك بالمنطقة بينما تتمسك المجر بالاقلية التي تسكنها والحقيقة ان هناك اكثر من اقلية مجرية موزعة في اوروبا الوسطى منذ معاهدة تريانون 1920 التي قسمت المجر واذا ما كانت بودابست قد حلت مشكلة اقليتها فوق اراضي سلوفاكيا بـ (الاتفاق) الا ان مشكلة اقليتها في منطقة ترانسلفانيا تبقى مؤرجحة حتى بعد ان كانت الدولتان قد (اتفقتا) على التفاوض في مؤتمر الامن الاوروبي المنعقد في باريس اواخر مارس من عام 1995. حروب اوروبا القديمة هي التي صنعت (بركان) الاقليات ولان هذه الاقليات مؤرجحة بين هذه الدولة وتلك فان عدم التوصل الى حلول ناجعة بشأنها لابد وان يؤدي الى تفجير حروب دموية خاصة وان بعض الدول تطالب حتى بالارض التي تعيش عليها اقليتها ضمن حدود الدولة المجاورة, كالمجر التي تطالب بمنطقة ترانسلفانيا بحجة ان الاقلية التي تسكنها هي اقلية مجرية. ـ اقليم كوسوفو: الذي كان تابعا لبلجراد في ظل النظام الماركسي الا انه قد كان متمتعا بصورة من الحكم الذاتي منذ عام 1974 وصحيح ان مطالب سكانه القومية قد كانت (هادئة) إلا انها لم تتوقف ابدا, وما ان بدأت هذه المطالب بالخروج الى العلن موازية تفكك الاتحاد الفيدرالي اليوغسلافي حتى ردت بلجراد بعنف منتظر.. اذ الغت الحكم الذاتي للاقليم في عام 1989 لتفسح المجال الى توسع دائرة التوتر. سكان الاقليم هم من المسلمين الالبان وبنسبة تتراوح بين 90 ـ 93% أي انهم يشكلون الاغلبية الساحقة والصرب هم الذين يشكلون الاقلية.. ومع ذلك فانهم يحتكرون لانفسهم السلطة وجميع المناصب الادارية بلا تقاسم او شراكة مع المسلمين الالبان. المسلمون الالبان قد تحركوا منذ سنوات مطالبين بالاستقلال, واذا ما التزموا بالمقاومة (السلمية) فعلى أمل ان تقتنع بلجراد ـ وخوفا من ان يتعرضوا الى مجازر عرقية على طريقة مجازر مسلمي البوسنة. وفي عام 1993 اعلنوا جمهوريتهم المستقلة من طرف واحد سرا الا ان احدا لم يعترف بها باستثناء البانيا, وانتخبوا لها رئيسا الدكتور (ابراهيم ريجوفا) زعيم رابطة كوسوفو الديمقراطية, اضافة الى انشائهم لادارة مدنية موازية للادارة الصربية.. وكل هذه الامور قد حدثت سرا بعيدا عن رضا بلجراد. والحقيقة ان للصرب طموحاتهم في كوسوفو اذ تعتبر الكنيسة الارثوذكسية الارض فيه (مقدسة) استنادا الى الهزيمة التي مني بها الصرب في موقعة كوسوفو بيلي على يد العثمانيين في عام 1389 في ذات الوقت الذي يعتبر فيه الاقليم جزءا من (صربيا الكبرى) من الناحية السياسية.. اكد ان التفريط فيه مقدس دينيا وسياسيا معا. بلجراد كانت قد اعلنت حالة الطوارىء في كوسوفو منذ عام 1991 واقترفت ضد السكان المسلمين فيه اكثر من مجزرة غالبا ما فضحتها المنظمات الانسانية العالمية, بينما تبقى منظمة الامم المتحدة لا مبالية.. اذ انها تنتظر الضوء الاخضر من قبل (العظماء) من اجل التدخل لمصلحة السكان. وحيث ان هوية الاقليم العرقية والثقافية مسلمة البانية خالصة فان الصرب قد حاولوا تبديلها او مسخا بأكثر من وسيلة.. خاصة وانهم قد قرروا مؤخرا طرد السكان امام موجة عارمة من العنف من اجل توطين اللاجئين الصرب الذين كانوا قد هربوا,خوفا او طوعا من البوسنة وبالدرجة ـ اقليم كراينيا الكرواتي ـ حيث ان المصادر شبه الرسمية تتحدث عن خطة تقوم بلجراد بتنفيذها من اجل توطين ما لا يقل عن نصف مليون صربي. ـ المستقبل في البلقان تبحث كل من صربيا واليونان.. وحتى البانيا عن بعض المكاسب الاقليمية نتيجة الحلم بـ(العظمة) بل حتى تركيا التي تعتبر ان لها في البلقان مصالح تاريخية قديمة, اضافة الى مسألة صراعها مع الجوار اليوناني, فاذا ما بدأت احجار الدومينو بالتساقط فان لكل منها دوره الذي يجب ان يلعبه كاملا. بالنسبة لاوروبا ـ هي الاخرى معنية وخاصة المانيا وفرنسا وايطاليا.. والنمسا ورومانيا والمجر ـ لنتذكر هنا بان الحرب العالمية الاولى قد انطلقت من البلقان. واذا ما قلنا ـ مثلا ـ بان روسيا هي الحليف الطبيعي لصربيا انطلاقا من الارثوذكسية الدينية والعرقية السلافية فان المانيا لم تتنكر ابدا لتحالفها مع كرواتيا, ولقد ظهر هذا التحالف, في الحالتين اثناء الحرب البوسنية. الدول العظمى ـ وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية لا تنظر بعين الارتياح الى ما يجري في البلقان, لا الى ما جرى خلال السنوات القليلة الماضية ولا الى ما يمكن ان يجري خلال السنوات القادمة ومع ذلك فانها لا تقدم حلولها الا بالقدر الذي يستطيع ان يحافظ على الحال (على ما هو عليه) حيث ان (تجميد) الصراعات في البوسنة قد نصت عليه اتفاقيات دايتون, واذا ما دعت بلجراد الى التفاوض مع مسلمي كوسوفو فمن اجل العودة الى الحكم الذاتي.. لا اكثر, الامر الذي ترفضه الاغلبية الساحقة في الاقليم. الدول العظمى المتمدنة قد (تحملت) عار المجازر العرقية ضد مسلمي البوسنة على الاخص, ويبدو انها مستعدة لتحمل هذا العار ثانية فيما يتعلق بمسلمي كوسوفو. ولا نظن بان المسألة تتعلق بمعارضة موسكو لكل تدخل (ضد بلجراد) .. بقدر ما هي مسألة تتعلق بمنع انشاء اي (دويلة) اسلامية في الحوض.. اما لانها لا تريد ان تفسح المجال لمطالبات اسلامية اخرى من هذا القبيل واما لانها لا تريد ان تفتح مجال (الصحوة العرقية) مهما كانت مصادرها. على كل فان في الافاق سوء نية واضحة المعالم لم تغفلها احداث حربي البوسنة والشيشان. وبما ان المعالجة ضمن هذا الاطار تبقى قاصرة فان فتيل الاشتعال اذا تلألأ في البلقان فانه سيمتد حتما الى وسط اوروبا وشرقها والى الحوض المتوسطي برمته.. ليهز أمن واستقرار اوروبا اولا وأمن واستقرار العالم ثانيا. الدول العظمى غالبا ما لجأت الى لغة التهويل والوعيد والتهديد.. ولكن عن بعد, ونحن قد رأينا بان (العقوبات) لم تؤثر في ممارسات بلجراد الاجرامية اثناء الحرب البوسنية ولا نظن بأنها ستؤثر اكثر في ممارساتها الحالية في اقليم كوسوفو.. الا اذا قصد بها, واستنادا الى سوء النية دائما, اعطاء المجال للقوات الصربية لتطهير الاقليم من سكانه الالبان, اما عن طريق المجازر واما عن طريق الالزام بالنزوح. على سبيل المثال فان سكان الاتحاد اليوغسلافي قد كانوا يعدون حوالي 23.5 مليون نسمة, تسبب صرب البوسنة بنزوح ما لا يقل عن اربعة ملايين نسمة.. منهم حوالي ثلاثة ملايين نسمة من مسلمي البوسنة, فلماذا ستعجز بلجراد عن (طرد) حتى مليوني نسمة من سكان كوسوفو؟ في البلقان احقاد تعود لحوالي خسمة قرون او اكثر, هي التي فجرت حروب تصفية حسابات دموية (قذرة) وهي التي ستظل تفجرها اليوم وغدا.. الا اذا قررت الدول العظمى معالجة هذه الاحقاد بحسن نية, بعيدا عن النظام السياسي او الديني. ونحن نعرف ان هذه الدول تمثلهم امريكا, ولقد قدمت لنا امريكيا براهين عن (جديتها) في التعامل سواء على نطاق العملية السلمية في الشرق الاوسط سواء على نطاق تطبيقها للعقوبات ضد العراق.. وليبيا. في وقت من الاوقات, وبمناسبة تفكك الاتحاد اليوغسلافي, انفصلت كل من كروايتا وسلوفانيا..واعلنتا استقلالهما, فسارعت الدول العظمى والغربية على الاخص بتقديم الدعم والعون والمساعدة لها في كل المجالات. سلوفانيا لم تدخل حربا لعدم وجود اقلية صربية فوق اراضيها, عكس كرواتيا, الا ان مثال انفصال واستقلال (الدولتين) قد جعله الغرب (استثناءا) مقارنة مع البوسنة او كوسوفو او حتى مقدونيا.. لسبب بسيط هو ان سكان هذه المناطق معظمهم من المسلمين! كاتب سوري*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات