الانتقال العربي المطلوب من التململ إلى المواجهة! بقلم - نصير الأسعد - البيان

الانتقال العربي المطلوب من التململ إلى المواجهة! بقلم - نصير الأسعد

من نافل القول ان تضخيم الظواهر والمعطيات السياسية في اي اتجاه ايجابيا كان أم سلبياً, ينطوي على خطر المبالغة في الاستنتاجات والأحكام السياسية, بحيث يسود معه (أي التضخيم) وعي غير حقيقي أو مزور للواقع السياسي موضوع البحث . والتزاماً بالدقة والموضوعية, أي بعدم التضخيم, يبدو مهما جدا القيام بمعاينة التطورات السياسية التي شهدها الوضع العربي خلال الأزمة العراقية - الأمريكية الأخيرة وفي موازاتها لتعيين حدودها الراهنة والتفكر في احتمالاتها وآفاقها. التطورات في الوضع العربي: انكشاف السياسة الأمريكية قبل الأزمة الأمريكية العراقية الأخيرة, كان الوضع العربي يشهد تململاً واضحاً حيال السياسة الأمريكية في المنطقة, وإزاء الانحياز الأمريكي السافر الى جانب اسرائيل فيما اسمي (العملية السلمية) بحيث ليس فقط لم يتم التوصل إلى (تسوية) بل كانت هذه (التسوية) تبدو استحالة فعلاً. كان العرب في طريقهم إلى تلمس حقيقة ان السياسة الامريكية الشرق أوسطية تستهدف تحجيم المواقف العربية - والمصالح العربية عموماً - لا بل تستهدف استبعاد العرب لمصلحة اسرائيل من جهة والتحالف الاسرائيلي - التركي من جهة أخرى. انعكس هذا التململ العربي في حينه سياسيا في قرارين عربيين مهمين جدا, القرار الأول تمثل في المقاطعة العربية شبه الشاملة لمؤتمر التعاون الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال افريقيا في الدوحة في الخريف الماضي, أما القرار الثاني - المهم هو ايضا - فتمثل في انطلاق حركة تطبيع عربي - ايراني كانت تساعد عليها سياسة ايرانية تعلن الانفتاح على العرب والعزم على تطويره. وليس خافيا في هذا السياق ان مقاطعة المؤتمر الاقتصادي والتطبيع مع ايران يصيبان مفصلين رئيسيين من الاستراتيجية الامريكية الشرق أوسطية اي التعاون الاقتصادي الشرق أوسطي من ناحية والاحتواء المزدوج من ناحية ثانية, ولذلك فان التململ العربي قبل الأزمة العراقية - الامريكية الأخيرة بل حد التجرؤ على أمريكا مما كان يشكل تطورا لافتاً لم يكن له شبيه من طبيعته منذ عدة سنوات. خلال الأزمة العراقية - الامريكية الأخيرة, تواصل التململ العربي يعبر عن نفسه واتخذ التجرؤ على أمريكا ابعادا اضافية. التطور الاول في ظاهرة التململ العربي, كان تبلور موقف عربي اجمالي موحد يدعو العراق الى الامتثال لقرارات (الشرعية الدولية) الى اي تنفيذ ما يتوجب عليه بموجب هذه القرارات, لكنه يعلن بشكل أو بآخر ان القرارات الدولية لاتعني تأييدا للحصار والعقوبات على العراق, غير ان هذا الموقف العربي الاجمالي الموحد ذهب إلى الاعتراض مسبقا على توجيه ضربة عسكرية الى العراق وكانت تحركه خشيتان: الأولى هي الخشية على وحدة العراق وسلامة أراضيه, فيما الثانية هي الخشية من أن يؤدي إضعاف العراق إلى إضعاف الوضع العربي أكثر فأكثر وإلى تكريس توازن ساحق في مصلحة اسرائيل. التطور الثاني فيما أسميناها ظاهرة التململ العربي, تمثل بانفتاح قنوات العلاقة السياسية بين بغداد وعدد من العواصم العربية ذات الثقل, وهو أمر لم يكن حاصلا من قبل, هكذا استقبلت القاهرة ودمشق مسؤولين عراقيين رسمياً, في خطوة تبدو منسقة مع المملكة العربية السعودية غير البعيدة أصلاً عن الموقف المشار إليه آنفاً, وانفتاح قنوات العلاقة السياسية مع بغداد, كان يعكس رغبة عربية في استعادة العراق الى (الصف العربي) في الوقت المناسب. أما التطور الثالث, والفائق الأهمية أيضاً فمثلته القمة السعودية - الايرانية في الرياض خلال زيارة هاشمي رفسنجاني للمملكة, بعض المحللين السياسيين وقد لاحظ أن هذه القمة انعقدت بعد الاتفاق بين العراق والأمم المتحدة الذي ألغى الحرب أو أجلها, سارع الى استنتاج ان الدولتين الخليجيتين الكبيرتين بدأتا التنسيق في عملية البحث عن بدائل من النظام الحاكم في بغداد, لكن لنا رأيا آخر, وهو ان هذه القمة تقع في امتداد نهج مواصلة (التطبيع) تحسسا من الجانبين العربي والايراني بأخطار السياسة الامريكية, خصوصا ان القاهرة وطهران كانتا تعلنان ايضا وفي الوقت نفسه رغبتهما في تطوير العلاقات المصرية - الايرانية. في امتداد التململ العربي الذي انعكس تجرؤاً على الولايات المتحدة, حصلت تطورات اضافية خلال الأزمة العراقية - الامريكية الأخيرة, وكلها تطورات تقع تحت عنوان كبير: اهتزاز الغطاء العربي للنفوذ الامريكي في المنطقة, وانكشاف السياسة الامريكية تاليا فيها. عقد القمة العربية هو العنوان لدينامية عربية ضاغطة ومؤثرة والتزاما بالمبدأ المطروح منذ البداية أي عدم تضخيم الظواهر, لابد من القول أن هذه التطورات على أهميتها بقيت في حدود التململ والاحتجاج, ولم تطلق حتى الآن في الوضع العربي مسارا جديدا جذريا, لايمكن القول ان عجلة العمل العربي المشترك عادت لتدور من جديد أو أن العرب في طريقهم الى استعادة التضامن العربي .. ولايمكن القول - حتى - ان العرب حضروا بشكل فعال ومؤثر خلال الأزمة العراقية - الامريكية الأخيرة, دليلنا على ما نقول امران بارزان: الأمر الأول وهو ان اجتماعا عربيا واحدا لم يعقد خلال هذه الأزمة للارتقاء بالموقف العربي الاجمالي الموحد الى مستوى من التنسيق العربي, والامر الثاني هو ان هذا الموقف العربي الاجمالي الموحد لم يؤسس لمبادرة عربية خلال الأزمة تدعم التحرك الروسي والفرنسي وتتناغم معه, بل كان هناك غياب عربي ملحوظ واكتفى العرب بمواكبة التحرك الدبلوماسي الاوروبي من بعيد, من غير اقتحام للمسرح السياسي - الدبلوماسي. ماذا يعني هذا الكلام بالضبط؟ ان التطورات التي حصلت في الوضع العربي خلال الأزمة العراقية - الامريكية في امتداد التململ العربي, هي مفتوحة على احتمالين: الاحتمال الأول الا تتجاوز التطورات حدود التململ فتتبخر مع الوقت, والاحتمال الثاني ان يبنى على هذه التطورات قرار عربي بتفعيل العمل العربي المشترك واستعادة التضامن العربي المفقود واطلاق دينامية اعتراض نشطة على السياسة الامريكية تعديلاً للموازين المختلة في المنطقة, الاحتمال الأول اى البقاء ضمن حدود التململ المرشح للتبخر مع الوقت يعني بقاء الوضع العربي تحت (السقف الامريكي) ومنضبطا به, فيما يشكل الاحتمال الثاني اعلانا عن الخروج من تحت (السقف الامريكي) .. والامر يتوقف على القرار العربي في هذا الخصوص. وفي السياق نفسه: نسأل: ما سر عدم انعقاد قمة عربية على الرغم من التطورات, وعلى الرغم من المعطيات التي كانت ولا تزال تفترض انعقادها؟ غني عن القول في هذا المجال ان عدم انعقاد قمة يعني ان التضامن العربي مفقود وان العمل العربي المشترك مفقود وان الرؤية الموحدة مفقودة وان الدينامية السياسية غير موجودة, والغريب في الامر فعلا ان اي قمة عربية لم تنعقد منذ ما قبل حرب الخليج الثانية, اي منذ ما قبل مؤتمر مدريد الذي انطلق في عام 1991 واطلق العملية السلمية الشرق اوسطية, مما يعني ان العرب واجهوا هذا المعطى الاستراتيجي متفرقين مفككين, من هنا نجازف في القول ان حجز القمة العربية حجزا للتضامن العربي, هو قرار للولايات المتحدة التي تريد للوضع العربي ان يبقى مفككاً, وهي التي ترعى في الأصل عملية سلمية مختلة من شروطها بقاء الوضع العربي مفككاً. المطلوب من القمة رؤية استراتيجية فعلاً والسؤال الآن: ما المطلوب من هذه القمة العربية التي ندعو الى انعقادها؟ المطلوب أولاً, أن ترمي القمة بالثقل العربي خلف مطلب رفع الحصار وانهاء العقوبات على العراق بعد اقفال ملف الأسلحة في مدى قريب. ان المطلوب إذا أن يشكل الموقف العربي ضمانة للاتفاق الموقع اخيرا بين الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ونائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز وان يشكل ضمانة ضد افتعال أزمة جديدة, وأن يشكل ضمانة (الضوء في نهاية النفق) . ان موقفا عربيا من هذا القبيل سيكون ضروريا لكل ذلك, واضافة اليه لاستعادة العراق الى الصف العربي والأسرة الدولية, والأهم ان موقفا عربيا من هذا القبيل سيشكل ضمانة لوحدة العراق وسيادته وسلامة أراضيه. والمطلوب ثانيا من القمة العربية, ان (تلاحظ) ان ليس هناك عراق واحد في الوضع العربي, بل ثمة (عراقات) عدة إذا جاز القول. الجماهيرية الليبية تواجه عقوبات وحصار, والسودان كذلك والتهديدات بالعقوبات تطاول دولا عربية أخرى ان هي امعنت في عدم التسليم لامريكا .. وهناك الجزائر التي تعيش ظروفا مؤسفة وفق كل المقاييس. المطلوب من القمة إذا أن تضع يدها على هذه الملفات جميعا وتطلق مبادرات لإزالة ما تواجهه شعوب هذه الدول من معاناة ومآسي .. أي ان المطلوب فعلا هو وضع حد للمسار (التفكيكي) لا بل (التفتيتي) للوضع العربي. والمطلوب من القمة ثالثا ان تقوم بمراجعة شاملة عميقة لمسار (العملية السلمية) وما آلت اليه حتى الآن, وان تعيد صياغة اسس (السلام) الذي يرتضيه العرب أو (التسوية) الحقيقة التي يقبلون بها, وان تحدد القمة موقفا رافضا للشروط التي تضعها اسرائيل والولايات المتحدة على (العملية السلمية) والتي تختصر المفهوم الاسرائيلي اي (سلام القوة) أو (سلام الردع) .. وصولا الى رفض المشاركة في (العملية) من ضمن أسسها الراهنة والتمسك بمشاركة عربية موحدة تقطع الطريق على الإمعان في تفكيك الصف العربي. لكل ذلك, فان المطلوب من القمة رابعا ان تضع تصورا استراتيجيا للمنطقة ونظامها الاقليمي وان تستحضر لذلك عوامل (القوة العربية) وأهمها التكتل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة, وحدها قمة عربية استراتيجية فعلا تنقل الوضع العربي من التململ والاحتجاج الى الحضور والفعل المؤثرين من السلب الى الايجاب, من تحت (السقف الامريكي) الى خارجه, من التفكك الى التضامن الى الدينامية السياسية المفتوحة على ايران اقليميا وعلى أوروبا دوليا, وحدها قمة عربية تطلع بما تم ذكره تحقق ذلك, اي تعيد تشكيل الركيزة العربية لمواجهة التفرد الامريكي وانحياز الولايات المتحدة الى اسرائيل لأنه من الواضح ان غياب الركيزة العربية هو عامل سلبي بما في ذلك بالنسبة الى اعادة تشكيل التوازن الاقليمي - الدولي, واكثر من ذلك, لابد من القول ان استئناف العرب لديناميتهم على الأسس المذكورة آنفا, ينقل العرب من (الانتظارية) اي من انتظار ما ستفعله واشنطن وانتظار ان تتوازن من تلقاء نفسها الى الفعل الايجابي الضاغط والمؤثر على امريكا نفسها في المطاف الأخير! وبماذا نختم هذه المقاربة لتطورات الوضع العربي من دون تضخيم أو مبالغة؟ من الواضح أننا إذا دعونا على امتداد هذه المقالة الى الانتقال من تحت (السقف الامريكي) الى خارجه, وعبر قمة عربية استراتيجية, اننا ندعو الى الانتقال من التململ والاحتجاج الى المواجهة السياسية, اي الى مواجهة الإجحاف بالحقوق والمصالح العربية, اننا ندعو باختصار الى ان تكون المواجهة من طرفين وليس من طرف واحد كما هي الحال اليوم, وفي تقديرنا ان الظرف افضل بمعنى من المعاني وثمة امكانية لأن يشكل العرب ركيزة اعادة تحكيم (الشرعية الدولية) بدلا من (الشرعية الامريكية) ندعو بإيجاز الى استجماع الوضع العربي مواجهة لما يخطط له امريكيا واسرائيليا. وبعد ثمة, بين المحللين السياسيين من يرى ان الولايات المتحدة بعد (استراحة) الأزمة العراقية ستعاود اطلاق (مسيرة التسوية) في الشرق الأوسط حرصا على مصداقيتها, ربما لكن بعض المحللين هذا يذهب الى القول ان واشنطن التي انكشف للمرة الألف كيلها بمكيالين ستضغط على اسرائيل ونتانياهو. قد تبرز الولايات المتحدة خلافات جزئية مع اسرائيل لكن القول بأنها ستضغط على اسرائيل فيه قدر من الوهم استنادا الى التجربة والوقائع, على أية حال إذا استمر الوضع العربي مفككا لا أمل يرجى ولماذا ننتظر أن تضغط (لنا) أمريكا على نتانياهو؟ في يد العرب ان يؤثروا على الولايات المتحدة ويضغطوا عليها فإذا كانوا بمجرد تململهم قد أزعجوها, فماذا لو انطلقوا الى مواجهة سياسية؟ ثم لماذا انتظار أمريكا فيما الأمر بيد العرب أن يعدلوا الموازين؟ ثمة فرصة .. والمسألة تنتظر .. القرار العربي! كاتب لبناني*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات