افتحوها... آمنين! بقلم- جلال عارف

انفجرت قضية الصحافة الصفراء أو صحافة الفضائح بقوة بعد ان أثارها الرئيس مبارك امام المجلس الاعلى للصحافة. ونحن نرجو ألا يتحول الأمر الى مجرد هوجة تشغل الرأي العام لفترة ويشارك فيها الابرياء والمغرضون, ومن يعلم ومن لا يعلم , ثم ينتهي الامر بالصمت المريب كما يحدث عادة في الكثير من القضايا التي تثار في ظروف موسمية أؤ لأسباب سياسية أو غير سياسية... أو ان تستغل الضجة حول الصحافة الصفراء للاطاحة بها مثل الديمقراطية البمبي! وأيضا... فاننا نرجو ألا يتم الخلط في الاوراق بين قضية الصحافة الصفراء التي ينبغي مواجهتها بكل حسم, وبين قضيتين هامتين تشغلان الساحة الصحفية الآن... الاولى قضية حبس الصحفيين مجدي حسين ومحمد هلال بعد اتهامهما بالقذف في حق وزير الداخلية السابق وأولاده, وقضية منع طبع صحيفة (الدستور) في مصر. ولا نريد ان نخوض كثيرا في قضية حبس الصحفيين, لاننا نعلم ان جهودا كبيرة تبذل للبحث عن حل وتحقيق المصالحة وحفظ القضايا. ولأننا نعلم ان الصحفيين ليسوا وحدهم في هذا المأزق الذي صنعه اصرار الحكومة على الابقاء على عقوبات الحبس والسجن في جرائم النشر في وقت يتخلى العالم المتحضر كله عن ذلك. وها هي الجزائر ــ رغم ظروفها الصعبة التي نعلمها جيدا ــ تعد قانونا جديدا يلغي هذه العقوبات. اننا نرجوا ان تتم المصالحة ويخرج الصحفيان من السجن, ولكننا نرجوا أيضا ان تكون هذه القضية مناسبة لاعادة طرح الموضوع من أساسه, والاستجابة لمنطق العصر, وتعديل القوانين لالغاء الحبس والسجن في جرائم النشر. نقطة اخرى تتعلق بهذه القضية وهي المسؤولية السياسية, فالقانون يجعل عبء اثبات الوقائع التي تسببها الصحفية لأي فرد يقع على عاتق الصحفي نفسه, وقد يعجز الصحفي عن تقديم الوثائق الكافية لاثبات اتهاماته لهذا المسؤول او ذاك في ظل التعتيم الاعلامي الذي تمارسه دوائر الدولة, ولكن هذا لا يعني ان هذا المسؤول بريء. وفي هذه الحالة وغيرها, فان من حق الرأي العام ان يعرف الحقيقة, وأن يتأكد من سلامة تصرفات كل المسؤولين... وفي هذه القضية مثلا... فان من حق الناس ان تعرف هل كان تصرف وزير الداخلية السابق سليما حين باع الفيللا التي يملكها في الساحل الشمالي للحباك؟! وهل كانت التصرفات المالية لاسرة الوزير سليمة أم ان فيها شبهة المجاملة من البنوك والمؤسسات التي تعاملت معهم؟ ثم.. لماذا لا تكون هناك قاعدة عامة تقضي بنشر البيانات الخاصة بالمسؤولين وعائلاتهم عند توليهم المسؤولية وعند تركهم لها ومصادر أي زيادة فيها؟ اننا بذلك نسكت كل الألسنة, ونقضي على أي شائعات, ونطمئن كل مواطن على حرمة المال العام ونزاهة المسؤلين في التعامل معه, وبعدهم عن مصادر الشبهات وأحاديث الصفقات. القضية الاخرى التي لا يجوز الخلط بينها وبين ما يثار حول (الصحافة الصفراء) هي قضية صحيفة (الدستور) ... وقد كانت (الدستور) تجربة شابة ناجحة بغض النظر عن اخطاء صغيرة او خلافات مع اجتهاداتها. كانت صحيفة شابة وسط صحافة شاخت وترهلت. وبغض النظر عن التقرير (المدسوس) الذي نشرته عن تهديد رجال الاعمال الاقباط والذي تسبب في اغلاقها, وبغض النظر عن علامات الاستفهام التي تحيط بموقف الرقابة التي أجازت توزيع الصحيفة وبها التقرير المدسوس, وبغض النظر عن اننا لم نسمع حتى الآن عن تحقيق جرى مع المتهمين بدس التقرير على الصحيفة وعلى (روز اليوسف) بغض النظر عن ذلك كله, فان اغلاق (الدستور) ينبغي ان يضع القضية الاساسية امام عيون الجميع... وهي قضية حرية اصدار الصحف والقيود المفروضة عليها, خاصة بعد ان صدر حكم القضاء هذا الاسبوع برفض تأسيس شركة خاصة لاصدار الصحيفة, لان الامن اعترض, ولان القانون الجديد يعطي رئيس الوزراء وحده حق الترخيص لمن يشاء ويرفض من يشاء دون ابداء الاسباب, اي اننا نغلق الباب, ثم نعاقب الناس اذا قفزوا من الشبابيك. وما يهمنا أن نؤكد عليه هنا ان الحكومة نفسها هي التي فتحت ابواب طباعة الصحف الاجنبية في مصر, وعندما اثيرت لأول مرة في منتصف الثمانينات عارضناها في نقابة الصحفيين لكن الحكومة قد صممت, ثم شجعت على نمو الظاهرة لان فيها منافع للكثيرين ومصالح للكثيرين, بينما كنا ــ ومازلنا ــ نرمي ان الظاهرة كلها هي هروب من مواجهة الواقع, ومحاولة للافلات من الدعوة لاطلاقة حرية اصدار الصحف... تحت زعم ان الحالة تمام, واننا نطبع مئات الصحف والمجلات في مصر, دون الاشارة الى ان مثل هذه الصحف لا تجرؤ على توجيه كلمة نقد لمسؤول... والا اوقف طبعها او منع توزيعها تحت حماية القانون الذي هو من صنع مجلس شعب مطعون في شرعية عدد كبير من اعضائه. ان حبس الصحفيين في جرائم النشر والقيود على حرية اصدار الصحف هما القضيتان اللتان ينبغي للمجتمع كله ان يواجههما بشجاعة, ودون الخلط بينهما وبين قضية (الصحافة الصفراء) التي لاخلاف على ضرورة مواجهتها والتصدي لها بكل حسم. وأول دلائل الجدية, ان نملك جميعا القدرة على الاعتراف بالخطأ, والعزم على تصحيحه. وبداية.. فان الاحتفاء بالجنس في الكثير من الصحف المصرية ليس وليد اليوم, بل هو ظاهرة نمت في السنوات الاخيرة, وشاركت فيها صحف قومية وحزبية, بل انها لم تقتصر على الصحف فقط, بل امتدت الى السينما والمسرح, واخيرا الى التلفزيون الذي اصبح يعرض افلاما من عينة (ألو.. انا القطة) !! وتصور البعض ان ذلك علاج للفراغ السياسي الذي يعيش فيه شبابنا, بل واعتقد البعض ان في ذلك نوعا من المواجهة لظاهرة التطرف بشغل الشباب بالموضوعات العارية وقضايا الاداب الصحيحة والملفقة, والتعمق في بحث المشاكل العويصة التي تواجه المجتمع.. مثل زواج الانس من الجن!! وفي ظل هذا المناخ, كان لابد ان تظهر صحف الفضائح وان تنمو وتزدهر ــ تحت سمع وبصر الدولة ــ واحيانا بتشجيعها.. او بتشجيع بعض المسؤولين فيها ليستخدموها ضد مسؤولين آخرين! وقصة عبدالعال في هذا المقام تصلح مثلا وعبرة فهذا (الرجل) الذي تحيطه الشبهات من كل جانب منحته الدولة حزبا وصحيفة ودعما ماليا لكي يصدر صحيفة هي المثل الذي يضرب الان على صحافة الفضائح. وهذا (الرجل) وحده يعري كل النظام الصحفي والحزبي عندنا... فمن الذين عينه عضوا بمجلس الشورى؟ ومن الذي جعله مسؤولا عن وضع القانون الجديد للصحافة؟ ومن الذي حماه طوال السنوات الماضية وهو يمارس كل صنوف البلطجة الصحفية والسياسية والاخلاقية؟ ومن الجنس... الى الفضائح... الى الابتزاز الذي يتحمل مسؤوليته الكاملة رجال أعمال فاسدون لو لم يكونوا مشبوهين لما دفعوا, وأدعياء صحافة لو لم يتمتعوا بالحماية الرسمية لما تجرأوا ولما قبضوا!! نقول ذلك لأن البعض يحاول ان يجعل من نقابة الصحفيين ــ وبالتالي من الصحفيين أنفسهم ــ المتهم الأساسي وربما الوحيد في هذه القضية, وليس ذلك صحيحا في أي حال! لقد وقف الصحفيون ــ من خلال نقاباتهم ــ قبل سنوات ضد محاولة الافساد الجماعي التي قام بها (الريان) حين عرض على الصحفيين رشوة قدرها مليون جنيه في وقت كانت كل اجهزة الدولية تعاني من الغيبوبة!! فماذا فعلت الدولة بعد ذلك.. هل عاقبت المسؤولين عن الجريمة أم قربتهم واعتبرتهم من الانصار المخلصين! لقد قام الصحفيون ــ من خلال نقابتهم ــ باتخاذ اجراءات التأديب ضد عدد من الذين خالفوا القانون والاعراف الصحفية.. فماذا فعلت الدولة؟ عطلت اجراءات التأديب وساعدت (المتهمين) على الفرار بجريمتهم, لانهم كانوا يتمتعون بالحماية. لقد قام الصحفيون ــ من خلال نقابتهم ــ بوضع ميثاق الشرف الصحفي الذي يلتزم به الصحفيون جميعا منذ عام ونصف وعقب صدور قانون الصحافة الجديد, ولكن الميثاق لم يصدر حتى الان, لأن المجلس الاعلى للصحافة لم يكن موجودا, والمجلس الاعلى لم يكن موجودا لأن الحكومة في ورطة بعد صدور أحكام القضاء بعدم قانونية وجود بعض رؤساء المؤسسات الصحفية القومية في أماكنهم. واذا كانت الحكومة نفسها لا تخدم القانون فكيف تطلب من الآخرين ان يحترموه؟! و... ليس المطلوب فقط ان نواجه الصحافة الصفراء, ولكن الأهم ان نقضي على الاسباب التي كانت وراء ظهورها وازدهارها, وان نحترس من الذين يخلطون الاوراق ليخربوا الحريات, وان نؤمن ان خير ما نفعله لحماية صحافتنا ان نضرب خفافيش الظلام والمنحرفين بيد.. وان نفتح ابواب الحريات الصحفية وندعم التجربة الحزبية باليد الاخرى. اغلقوا كل النوافذ الخلفية للاقلام المشبوهة, ولكن... افتحوا كل الابواب امام صحافة تليق بمصر واحزاب تمثل القوى السياسية الحقيقية... افتحوها آمنين!

تعليقات

تعليقات