الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ! ـ بقلم: محمد الخولي - البيان

الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ! ـ بقلم: محمد الخولي

منذ 500 سنة بالضبط كتب ابوالخير شمس الدين السخاوي كتابا يحمل عنوانا طريفا هو: (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) . ويصف المفكر السوري الراحل شاكر مصطفى هذا الكتاب بانه اهم واضخم عمل فكري تناول علم التاريخ الاسلامي, كعلم, بالبحث والدرس, حيث قصد مؤلفه, وكان فقيها من علماء الدين, إلى الدفاع عن الثقافة التاريخية, ثم ينقده شاكر مصطفى لان العمل المذكور, على موسوعيته أطل على موضوعه من منظور التراجم والسير وخاصة ما يتعلق منها باصحاب العلوم الدينية ومن ثم لم يتوقف كثيرا عند احداث السياسة وحياة الناس. ورغم ان تراجم الاعلام وهي باب واسع رحب ومجال من اغنى ما يكون في تراث الثقافة العربية الكلاسيكية هو امر له اهميته وخاصة في متابعة تسلسل الانساق والمساهمات الفكرية وقد انضجها التوارث والتناقل بين العصور, الا ان الامر الذي كثيرا ما نفتقده في كتب التاريخ العربي الكبرى هو التعرض لحياة الناس, كما يقول الدكتور مصطفى, أو هو رسم الصور النابضة بتفاصيل الحياة اليومية في عصور التاريخ المختلفة, كيف كانوا يسلكون يجدون ويهزلون, يتسلون ويقصفون إلى آخر ما تحفل به من حياة البشر, كبشر من آلاف آلاف التفاصيل التي تعكس صورا صادقة لعصرهم وأفكارهم واشجانهم وافراحهم والآمال التي كانت تعتمل في نفوسهم, ناهيك عن الميزة التي تتمتع بها نحو الاجيال اللاحقة عليهم في رؤية هذه الآمال, تحققت او لم تجد طريقها إلى التحقيق. لا عجب ان ينشد الباحثون بغيتهم وهم يلتمسون النبض الحقيقي لهذا العصر أو ذلك لا في معظم كتب التاريخ العام, دع عنك مؤلفات التاريخ الرسمي التي تقول تحديدا وتركيزا برموز السلطة عين قمتها العليا من خلفاء وامراء, ومن ملوك وكتاب (وزراء وأشبال وزراء) , لدرجة ان كاد التاريخ العربي الاسلامي يقتصر على سجل الحكام وتوالي المناصب وما يتصل بذلك من صعود نجم هذا الوزير ثم افول نجمه وخمول ذكره وهو ما اودع اجرومية التاريخ السياسي العربي ــ الاسلامي مصطلحات من قبيل نكبة الوزراء أو وشايات الساعين بالسوء أو استصفاء اموال الكبراء, وخاصة في عصور الانحطاط وفي هذا السياق تبرز نماذج صارخة ــ درامية ان شئت التعبير مثل نموذج الوزير العباسي الخطير محمد بن عبدالملك المعروف بابن الزيات (توفى عام 847 للميلاد) وهو العالم اللغوي والاديب المقتدر الذي استوزره المعتصم ومن بعده الواثق, وعندما تولى المتوكل نكب ابن الزيات الذي انتقل من دست الوزارة العليا إلى الموت عذابا وصبرا بين لهيب التنور. حكاية الشماريخ والتاريخ واذا كان (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) للسخاوي اضخم كتاب في الدفاع عن هدم العلم البالغ الاهمية في حياة الناس, فربما وعي المثقفون العرب ــ مسلمين كانوا أو غير مسلمين هذا الدرس, ربما خشية التوبيخ, ومن ثم وجدنا مثقفا آخر ــ من مصر هذه المرة يكتب رسالة في الموضوع نفسه, وهو جلال الدين السيوطي (توفى 1516) اي قبل دخول الخاقان العثماني سليم فاتحا ومستعمرا في القاهرة بسنة واحدة, ورغم ان الفرق بين السيوطي وسلطة السخاوي لم يكد ليزيد على اربعين سنة, الا ان الزمن يبدو انه كان إلي ضيق في ذات اليد وذات الموارد, ولذلك وجدنا ان السيوطي يكتب رسالته في غاية الاختصار والتركيز في 20 ورقة لا تزيد وان استمر حريصا على العنوان المسجوع الذي يقول: الشماريخ في علم التاريخ (والشمروخ عند مولانا الفيروزبادي في القاموس المحيط هو الغصن عليه ثمر كالعنب) ولا ندري ما الذي جرد الشمروخ من هذه الصفات الايجابية المثمرة, وهبط به مع الزمن إلى رتبة دنيا اصبح فيها الشمروخ هو العصا الغليظة في يد اهل الريف بمصر وقد تستخدم في خوض المعارك وحسم الخصومات. ومن الطريف ان يأتي مثقف اخر ينسج على منوال شماريخ السيوطي, أو ليدلك على اهمية ومكانة علم التاريخ في التراث العربي ولكن بصورة مبتكرة, اذ حرص ابوزيد الفارسي (توفى عام 1590 للميلاد) على صياغة الشماريخ في علم التاريخ على شكل ارجوزه قوامها 22 بيتاً من النظم حتى لا نقول الشعر يقول في مطالعها: وبعد فالتاريخ علم واسع والاعتبار فيه نافع والقوم لم يألوا من التأليف فيه من الانواع والتصنيف وقد رأيت ان ألخص هنا ما ليس يخلو ان يبلغ المنى ولعل هؤلاء المثقفين قد اختاروا هذا الشكل (الارجوزي) كما قد نسميه بعد ان دخل العالم العربي في ليل الاستعمار التركي الدامس وبدأت المخاوف تساور نفوسهم من تآكل وتدهور بل وحتى اندثار الميراث الثقافي ــ الفني والفكري والفلسفي الذي ابدعته الحضارة العربية في عصور ازدهارها تحت لواء الاسلام فلجأوا من ثم إلى شكل الارجوزه الشعرية يصوغون من خلالها ما شاء لهم الله ان يصوغوه من صنوف العلوم والفنون كي تعلق ان شاء الله في افئدة الناس بفضل ايقاع الشعر واساغة ترديده وتبقى عبر الاجيال مصونة ولو في صدور الحفاظ, وكانوا بهذا يتأسون بما سبق اليه ابوعبدالله ابن مالك الفقيه الاندلسي الكبير (توفى عام 1274 للميلاد) وهو صاحب ارجوزة الألفية الشهيرة التي حفظت علم النحو العربي عبر العصور ربما لهذا السبب احتفل الباحثون عن جوانب الحياة العربية بكتاب مثل (الاغاني) قدر اهتمامهم بكتاب تاريخ الامم والملوك لابن جرير الطبري, وربما لهذا سارت في الاجيال مقولة (الشعر ديوان العرب) بمعنى ان الشعر صورة امينة للحياة العربية من حيث الافكار والمشاعر والانفعالات, والاغراض الماسة بحياة الانسان, ولانها ابعد عن الاصطناع وعن الاطار الرسمي, فهي اكثر صدقا ولو على نحو نسبي, من بيانات الدواوين وفرمانات الولاة حكايات تسلسل الحاكمين. كثير من اساتذة الاستشراق الغربي ادركوا هذا الجانب من التأريخ للحياة العربية ـ الاسلامية وكثير منهم التمسوا بغيتهم في باب يمكن ان نسميه (تاريخ ما اهمله التاريخ) , وتلك عبارة سبق إلى سبكها صحافي مخضرم من كاتبي الجيل الماضي في الصحافة المصرية ــ العربية وهو المرحوم حبيب جاماتي الذي كان يكتب تحت هذا العنوان, ربما إلى فاتح عقد الخمسينات, في مجلة (المصور) القاهرية. وتاريخ ما اهمله التاريخ (لا يبحث بداهة في توافه الامور وهو ما يسخر منه كتاب الغرب حين قال قائلهم يوما: ــ ما للمؤرخ والامعان الاحمق في تاريخ الادب حتى ليصرف الليالي مسهدا كي يتدارس فواتير الغسيل الخاصة بالشاعر ويليام شكسبير؟! موزاييك الزمن ان البحث هنا هو عن الدقائق عن التفاصيل عن احجار الفسيفساء الموزاييك الدقيقة المتناهية الصغر التي يعكف عليها الباحث الصبور في اناة وذكاء يستند طبعا الى العلم, ويشكل من هذا كله صورة اقرب ما تكون الى الصدق العلمي, وليس بوسعك ان تجد هذه الوثائق او الموزاييك او تفاصيل الوقائع والاحداث في ادبيات التاريخ العامة في تواريخ الامم والملوك اذا استخدمنا تعبير رائدنا الكبير محمد بن جرير الطبري, بل ولا في كتابات واعمال اضرابه وانداده من كبار المؤرخين واعلام المشتغلين بحرفة التأريخ (بسكون الهمزة) عندهم مهما بلغ صدقهم تجد التاريخ مثل محيط زاخر او مثل نهر فياض يشق طريقه في مجراه الواسع, اين هذا كله من ملايين الاحياء المائية التي تضطرم وتتنفس, تصطرع وتتفاعل بين دوامات البحر المحيط او وسط امواج النهر العظيم, انت اذاً تجد بغيتك ان نشدت تفاصيل حركة التاريخ فيما يكتبه او يدونه باحث شاب او كاتب شغوف يستبد به فضول المعرفة, او سيدة عكفت على تدوين مذكرات حياتها اليومية بكل ما تحفل به تفاصيل بعضها قد يبعث على الاملال وربما على الاستهانة أو حتى على التفويت والتجاهل, وتعال ايضا الى مذكرات طبيب خاص عكف سنوات على علاج رجل الدولة او يوميات سكرتيرة ذكية لماحة كانت بمثابة اليد اليمنى عبر سنوات من العمل والنشاط لزعيم خطير او متنفذ كبير ثم تعال ايضا الى ذلك المنجم البالغ الثراء وهو الصحف السيارة او التي كانت سيارة ايام ذلك العصر البعيد او ذاك ولا عليك ان تستوقفك في هذا المسعى عناوين الصفحات الاولى من كبريات الصحف فهي في معظم احوالها اقرب الى تاريخ الامم والملوك بمعنى ان معلوماتها اقرب في اغلب الاحيان الى المعلومات الديوانية التي تحوطها قيود مطرزة ومذهبة لكنها قيود في كل حال, بل دونك المعلومات والاخبار التي تكاد العين لا تأبه بها اخبار الناس, تكاليف المعيشة, اساليب الحياة, طرز البناء والمعمار, اسعار السلع والخدمات في الاسواق, حالات الزواج والطلاق, وبمعنى آخر كيف كان الناس يعيشون يأكلون ويشربون ويحبون ويبغضون, يبدعون فنون القريض واهازيج الغناء ومرددات الفولكلور الشعبية يلعبون في الساحات ويتعاملون في لهوهم مع برية الغابة او الدغل او الصحراء او مع لجج البحر المحيط, تلك هي المادة الثمينة الخام الاولية لمعرفة التأريخ وهي التي يقدم عليها المحيطون بعلم التاريخ وقد تزود كل منهم بضمير القاضي وثقافة المفسر ومنهم من يصل به طول الباع في العلم الى حيث مراقي ما يوصف بانه فلسفة التاريخ, وهذا الصنف الراقي من اهل العلم هو الذي يبسط امام الناس ما يوصف بدوره بأنه عبرة الماضي او الدروس المستفادة من احداث الامم التي خلت ووقائع القرون التي غبرت وانطوت صفحاتها في دفاتر الزمن ومنهم يتعلم الناس وتتسع معارفهم وترتفع درجة وعيهم, والا لصدقت عليهم المقولة التي تلخصها العبارة الشهيرة (الذين لا يتدارسون التاريخ كفيلون بان يكرروا اخطاءه). العد ــ الخبر ــ الايام وربما كان من حسن حظنا ان تناهت الينا في العصور المتأخرة لفظة التاريخ مشحونة بكل ما وعته الحضارة العربية والاسلامية من خبرات الحضارات الاقدم وقد زادت عليها بالطبع خبرة العرب المسلمين في مراحل ازدهار نهضتهم التي تألقت في ظل الاسلام ذلك لان نقطة تاريخ (هستوري او ايستوار) كما يعرفها اهل الغرب ترجع في جذورها اليونانية ومن ثم اللاتينية الى معاني التماس المعرفة من خلال السؤال واستقاء الحكمة عن طريق السرد والرواية ولا يتم ذلك كله الا على يد قوم من الحكماء (قاموس اكسفورد الجديد) اما الوعي التاريخي عند العرب يقول العلامة شاكر مصطفى رحمه الله فقد بدأ بكلمة (العد) لتدل على التاريخ حيث كان بعض الصحابة يقول (ما عدوا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولا وفاته...) في حين ان استخدموا كلمة تاريخ بعد عهد امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستقاة على الارجح من الجذر السامي (ورخ) وهو مأخوذ من لغة اليمن الجنوبية وكان هذا الجزء يشير اصلا الى معنى القمر ومن ثم الى دورات الشهور او حساب الايام هنا فضلا عن استخدامهم كلمة (خبر) و(اخبار) ولها بدورها جذورها السامية على ما يقول المستشرق الكبير (مرجليوت) حيث كانت اخبار الاولين او اخبار الامم السابقة والغابرة هي البدايات الاولى في مادة علم التاريخ اذ بدأ الرواة والنسابون في تناولها من اجل العبرة والتثقيف او حتى من اجل التسلية وربما الالهاء وخاصة في صدر الدولة الاموية وهكذا كان هؤلاء الاخباريون (بكسر الهمزة) هم الآباء المؤسسون ولو عن غير عمد, لعلم التاريخ العربي الذي لم يبدأ من فراغ بطبيعة الحال بل كان نبتا طيبا في ارض مهدتها حتى قبل الاسلام حضارات العرب الاولى ما بين اليمن في الجنوب الى الحيرة في الشرق ثم غرب الشام (تدمر وبطرا ومدين وحوران وغسان في الشمال) وقد تراوح هذا الميراث التاريخي, على نحو ما رواه الهمذاني في كتابه الجامع (الاكليل) بين حفظ الوثائق الاساسية في ارشيف جامع في اليمن الى تسجيل الوقائع على نقوش جدارية في شمال الجزيرة الى التسجيل الشفاهي الملحمي كما قد نسميه لوقائع تاريخ عرب الحجاز ونجد سواء في معلقاتهم الشهيرة او في رواياتهم التي حملت اسم (ايام العرب) . وبين ثنايا الصياغات الشعرية وفي تلافيف المبالغات الديوانية او تهويل الرواة او فوات الذاكرة او تحامل المغرضين وكله, كله كسب انساني يعكف الباحث المدقق على جهد دؤوب كما يستخلص منه ما يمكث في الارض وما ينفع الناس, تماما كما يعمد محترفو التعدين الى فرز الطين والحصباء بحثا عن التبر الذي يستخلصون منه معدن الذهب الكريم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات