دعوة الى الانتحار الجماعي!! ـ بقلم: مصطفى كمال - البيان

دعوة الى الانتحار الجماعي!! ـ بقلم: مصطفى كمال

الزميل حازم صاغية له كل الحق في أن يدير ظهره لما لا يطيقه, فيلقي اليه بتحية الوداع, وينصرف عنه الى حال آخر يعتقد انه أقل إيلاما , وربما أيسر هناك, وادعى الى الاسترخاء وراحة البال. ومن ثم, فلا لوم عليه ولو تثريب اذا كان قد ضاق صدره بعروبته فخلعها عن كتفه كما يخلع المرء اي رداء عتيق, والقى بها في عرض الطريق, بل راح يدفنها ويهيل عليها التراب, مؤكدا انها ماتت وشبعت موتا من سنوات, على الاقل منذ لفظت آخر انفاسها يوم اجتياح صدام حسين للكويت. هو حر إذن في ان يودع ما يشاء, ويستقبل ما يشاء, فهناك حدود لقدرة اي انسان على الاحتمال.. وقد يبلغ الألم احيانا ببعض الناس مبلغا لا يجدون معه سبيلا للخلاص سوى الانتحار. ووأضح ان هذه هي الحال التي وصل اليها زميلنا حازم صاغية وهو يكتب سلسلة مقالاته تحت عنوان (وداعا للعروبة) .. وكأنما هي رسالة منتحر يودع الحياة.. فالعروبة ــ في نهاية الامر ــ انتماء ــ يشترك فيه حازم صاغية, او كان يشترك قبل ان ينسلخ عنه ــ مع أكثر من 250 مليون عربي .. يجمعهم معاً تاريخ مشترك , وتكوين نفسي مشترك, وامجاد مشتركة, وزغاريد مشتركة اطلقناها مع الانتصارات, ودموع مشتركة ذرفناها مع الهزائم, وتطلعات وآمال مشتركة في غد افضل مما نعانيه الان. ولا نزاع في ان هذا الانتماء اصبح اليوم مكلفا, بل باهظ التكلفة. وبقدر ما كان في يوم ما ــ ولنقل في الخمسينات, وحتى يوم 5 يونيو 67 على الاقل منبعا فياضا للفخر والاعتزاز, بقدر ماهو اليوم باعث على الاحساس المرير بالاحباط والعجز والمهانة.. ولقد طالت النكسة, ثلاثين عاما او تزيد. والطعنات تتوالى على جسد العروبة المنهك, بعضها من الخارج واكثرها من الداخل, حتى تكسرت النصال على النصال, وحتى قد يخيل للبعض انه لم يعد هناك مكان لجرح جديد, فاذا بالضربات تنهال احيانا فوق الرؤوس, واحينا تنهش الاطراف لتنبهنا الى انه مازالت هناك فسحة لمزيد من الألم... والنكسات. كل هذا ونحن صامدون.. نعم. تكسرت كل اسلحتنا, وتشتت كل اراداتنا. حتى نرى انفسنا اليوم مجرد ارقام تسبقها زوائد ونواقص فاذا محصلتها في النهاية صفر, او ما يشبه الصفر. ولكن بقى لنا شيء واحد لم تفلح كل الضربات في اذابته او تحطيمه, وذلك هو انتماؤنا المشترك .. هويتنا المشتركة.. عروبتنا.. وهذا التشبث العنيد بهويتنا المشتركة ــ أي بالانتماء للعروبة ليس من قبل (العناد الاحمق) أو (رغبة اولية طفلية) كما يقول الزميل حازم صاغية في مقدمة مقالاته.. وانما هو تعبير غريزي عن وعي جماعي بأن الحفاظ على هذه الهوية هو السبيل الوحيد الى تخطي النكسة الكبرى التي تلفنا جميعا بظلامها, والافلات من المصير الذي تدبره لنا قوى تقيم كل استراتيجيتها على اساس ان يبقى العرب الى ماشاء الله في حالة ضعف او شتات, فرائس متفرقة اسهل احتواء, والتهاما, وهضما. وغنى عن البيان ان اسرائيل وحماتها يعرفون جيداً هذه الحقيقة, الا وهي ان العرب ستظل فرصتهم قائمة وممكنة لكي يقفوا على اقدامهم ويداووا جروحهم طالما خيط العروبة سليما, لم ينقطع. انه المحور الذي يمكن ان يلتفوا حوله, والنواة التي تتيح لهم ان يبدأوا من جديد. ومن أجل ذلك يتحايلون بشتى الحيل حتى يقطعوا بالعنف اذا لزم الأمر, وبالخديعة إذا لم تنفع القوة, وبافتعال عوامل الانقسام كلما لاحت فرصة.. وباختراع هويات جديدة تحت أسماء جديدة, يمكن ان تذوب فيها الهوية العربية.. اي الانتماء للعروبة, وينتهون منها الى الابد.. ولعل آخر حيلهم في هذا السبيل, كان مشروع السوق الشرق اوسطية, الذي مابرحوا يروجون له ويخططون لتنفيذه باعتباره الاستجابة الطبيعية لنداء النظام العالمي الجديد القائم على اساس التكتلات الاقليمية.. وكان مفهوما منذ البداية ان احد اهداف هذا المشروع, ان لم يكن أهم اهدافه على الاطلاق هو ذوبان الهوية العربية في هوية اخرى اكثر اتساعا تضم الى جوار عرب الشرق الوسط دولا اخرى لاتمت للعروبة بصلة, مثل تركيا وايران واثيوبيا وربما قبرص وباكستان.. وفي نفس الوقت تعزل عنهم عرب شمال افريقيا ــ المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس وليبيا ــ الذين يمكن اذابة عروبتهم في هوية اخرى.. ولتكن هوية حوض البحر الابيض المتوسط على سبيل المثال. وعلى أية حال, لا اهمية للمسميات ــ فالمهم هو شيء واحد, الا تكون سبيلا لوصل ما انقطع.. او لاحياء الانتماء العربي باي شكل من الاشكال.. ولكن, وبنفس الوعي الغريزي الذي تشبث بآخر خيط للانتماء العربي كان المسعى من أجل احياء السوق العربية المشتركة معبرا عمليا عن المقاومة المشتركة للمشاريع التي تستهدف اذابة الانتماء للعروبة. المعركة اذن مستمرة... ورغم كل ما نزفته العروبة واستنزفته من دماء, وأرض, وجهود, فقد لاحت في الشهور الاخيرة بوادر تشير الى انها يمكن ان تخطو اكثر من خطوة تخرجها من المستنقع الذي طال تخبطها فيه. وقد يعتقد البعض ان ترميم الجسور بين مصر والسودان, والمصالحة الصومالية, وصمود مجلس التعاون الخليجي امام كل محاولات التفرقة, وبروز التضامن العربي ضد الهجمة الضارية المدبرة لتدمير العراق, والنجاحات الاولى في طريق اقامة المناطق العربية الحرة لتكون ارضية للسوق العربية المشتركة, وبوادر التقارب بين دمشق وبغداد, وتضامن الجميع مع القيادة الفلسطينية في معركتها من اجل السلام العادل... نقول قد يعتقد البعض ان هذا كله لا يعدو ان يكون مجرد انكسارات صغيرة في خط هابط نحو الصفر, أو دون الصفر. غير انها في الواقع العملي تعبر في مجموعها عن تحول في اتجاه رمال الساعة اي في اتجاه النهوض من مستنقع التفرقة والتمزق, وبعد ذلك الانطلاق الى الامام. وهو تحول يقلق كل القلق لاولئك الذين بنوا استراتيجياتهم على اساس ان العرب قد يفقدون الى الابد خيط الانتماء المشترك, ولم يعد امامهم سوى الاستسلام لمصيرهم كامم شتى وليس كأمة واحدة, وكيانات صغيرة لا مكان لها في عالم الافيال. واليأس هو اوسع الابواب المؤدية للاستسلام.. انهم يريدون لنا ان نيأس .. ان نتخلى عن اي امل في الخلاص مما نحن فيه, فقد انتهت العروبة من سنوات. بل لعلها لم تكن سوى مجرد حلم طفولي, او قناع كاذب يخفي وراءه سوءات دكتاتورية بشعة معادية للانسانية وقاتلة للحريات. اليس هذا ما يقول زميلنا حازم صاغية في مقدمة دعواه؟ ثم الا يرى ان هذه الدعوة الى انكار العروبة انما تخدم اهداف حملة اليأس التي يشنها اعداؤنا لحساب مصالحهم دون سواها؟ ومع ذلك, دعونا جدلا نواصل السير معه حتى نهاية المطاف. ولنفترض صحة كل الحجج التي ساقها ليبرهن على كذب هوية العروبة وعبثية الانتماء اليها.. فنسأل: ثم ماذا بعد؟ هل سنكون اسعد حالا, واكثر أمنا, وحرية وتطلعا لمستقبل افضل, لو حطمنا كما يقول صنم العروبة ــ اي لو قطعنا بأيدينا الخيط الوحيد الذي مازال يربطنا ــ أمما وافرادا في انتماء واحد, وامل واحد في غد افضل ــ ان لم يكن لنا فعلى الاقل لاجيالنا المقبلة؟ ماذا سيكون مصيرنا لو تخلينا حتى عن هذا الامل.. وذهب كل منا في طريق يغني على ليلاه؟ ثم تبقى بعد هذا الحديث ملاحظة اضافية حول جملة عرضت في السطور الاولى من مقدمته.. تلك التي تحدث فيها شامتاً عن فشل الوحدة المصرية السورية, ناسبا المجد الى (الانفصاليين الذين كسبوا استقلال بلادهم بفك وحدتها مع مصر عام 1961... ولكم كنت ارجو الا تندس هذه العبارة وسط الحجج التي ساقها الزميل حازم صاغية تبريرا لدعواه.. فالشعب العربي كله يعرف ان ماحدث في دمشق يوم 28 سبتمبر سنة 1961 لم يكن حركة استقلال, وانما كان جريمة انفصال دفعت من اجل تنفيذها اموال, وقام بها عملاء.. ولم يصنعها احد بوصف الاستقلال سوى الابواق المشروخة العاملة في خدمة اعداء الامة العربية.. ابتداء من اسرائىل حتى آخر سراديب السي اي ايه.. اما القول بان العصر الذي نعيش فيه هو عصر تفتيت الوحدات, وليس وحدة الفتافيت, والاستدلال على ذلك بالهند التي كانت موحدة فانقسمت الى ثلاث دول, هي الهند وباكستان وبنجلاديش, وبالصين التي انقسمت الى جمهورية الصين الشعبية وتايوان.. فهو قول مغلوط لان اسباب هذا الانقسام او ذاك قائمة وموضوعية ومناقضة تماما للاسباب التي تحتم الانتماء العربي ولو بعد حين. *** وبعد فكما قلنا من قبل من حق الزميل حازم صاغية ان يعبر عن رأيه, ولكن ليس من حقه ابدا ان يبشر بهذا اليأس ثم يتخذ منه مبررا ليدعو أمته بأسرها الى الانتحار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات