نافذة: جولة نتانياهو الاوروبية: بقلم- د. يحيى الجمل

زار نتانياهو خلال الاسبوع الماضي عددا من البلاد الاوروبية وحاول في جولته هذه ان يركز على ان اسرائيل ليست هي الدولة التي تعوق مسيرة السلام , وانما الفلسطينيون والعرب هم الذين يعوقون هذه المسيرة. ونتانياهو يدرك انه سيجد اذنا صاغية حيث حل في اوروبا, خاصة في المانيا التي (تريد) ان تستمر في معاناة عقدة الذنب في مواجهة اليهود رغم كل ما حدث من اعتذارات وتعويضات. ونتانياهو يثير مسألة اساسية ومسألة اخرى ثانوية. نتانياهو ـ ولن لم يصرح بذلك ــ يريد ان يؤكد حقيقة ان الاحتلال الاسرائيلي لاراض عربية سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا كان نتيجة لانتصار عسكري والشىء الطبيعي ان (ثقل الغزو) لابد وان يعكس نفسه في اي تسوية سلمية, ان المساواة بين المنتصر والمهزوم هي امر خيالي لا يطيقه واقع الحياة الدولية, على المهزوم ان يدفع ثمن هزيمته وللمنتصر ان ينتظر المكافأة على انتصاره, هذا هو المنطق الاسرائيلي في النظر إلى الامور, وهذا المنطق كان مقبولا بعد نشأة عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولى, ثم هيئة الامم بعد الحرب العالمية الثانية, ان الغزو العسكري وثقله لا يمكن ان يؤدي إلى مكافأة الغازي. والعالم كله يعرف ما جرى للعراق وما يجري حتى الآن. ولكن اسرائيل شىء آخر, اسرائيل كيان ليس كمثله كيان. واسرائيل وحدها في هذه المنطقة من العالم التي تملك اسلحة الدمار الشامل من كل نوع, وتعلن ذلك جهارا نهارا, وترفض التفتيش الدولي, وترفض التوقيع على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية, ومع ذلك فلا احد يعاقبها أو يفكر حتى في معاقبتها, لان اسرائيل شىء آخر لا ينطبق عليه ما ينطبق على بلاد العالم كله, انها وحدها تتمتع بما لا يتمتع به احد, لانها ــ ولا حول ولا قوة إلا بالله ــ كيان وديع مسالم وحوله غيلان يريدون افتراسه ويقدرون على ذلك. وتجد اسرائيل من يسمع هذا الكلام, وتجد من الاعلام العالمي بصفة عامة ومن الاعلام الامريكي بصفة خاصة من يروج لهذه الاساطير. اسرائيل ترفض ان تترك الارض لاصحابها استنادا إلى امرين: اولهما حقيقة الغزو, وثانيهما نظرية اسرائىل في الامن. وحتى تدلل اسرائيل على (حسن) نيتها فانها تبدي استعدادها للانسحاب من جنوب لبنان, ولكن بشروط تضعها. وانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان هو قرار دولي واجب النفاذ منذ قرابة خمسة عشر عاما, وهذا الانسحاب غير معلق على شرط ولكن اسرائيل تعلق ذلك على شروط عديدة كلها تدور حول الامرين السابقين (ثقل الغزو) ونظريتها في الامن. وبالنسبة لهذا الامر الثاني ــ الانسحاب من جنوب لبنان ــ فان اسرائيل تريد من ورائه احداث الوقيعة بين سوريا ولبنان وتريد ان تنفرد بكل منهما وحدها لكي تملي عليهما شروطها. لست ادري إلى متى سنظل نعالج الامور على هذا النحو الذي لا يدرك ابعاد ما يحيطنا ويتهددنا ويجعل مصيرنا نفسه محل تساؤل كبير. هل نكون أو لا نكون, هذا هو السؤال كما قال (شكسبير) في غابر العصر وسالف الاوان, ولا حول ولا قوة الا بالله.

تعليقات

تعليقات