الاتفاق... وفاتورة الاتفاق: بقلم - د. عبدالله عبدالرحمن سعيد

حسب اكثر من اشاعة فإن الاتفاق الذي وقعه كوفي عنان مع طارق عزيز في العراق قد وضع بخط يد وزيرة خارجية الدولة العظمى مادلين اولبرايت , وان مسودة الاتفاق قد اعلمت بها بغداد قبل سفر الامين العام الامي اليها.. فوافقت على الاتفاق المذكور مقدما كشرط مسبق لقبول السفر. قد يكون الامر صحيحا الى درجة ما خاصة وان مادلين اولبرايت هي التي وقفت امام الجمهوريين من اعضاء الكونجرس لتدافع عنه.. الا انها لم تنس الشعور بالاحباط عندما تطرقت الى امكانية عدم تطبيق بغداد له. من هذا المنطلق فقد تجدد التهويل للحرب, ولان بيل كلينتون لم يسحب قواته من الخليج فإن الازمة ان انتهت في ظاهرها بتوقيع الاتفاق إلا انها لم تنته في مضمونها.. وكأن الولايات المتحدة الامريكية على يقين بان صدام حسين لن يحترم اتفاق عزيز ــ عنان, وكأنه استعد فعلا للضربة العسكرية (الضخمة) تماما مثل استعداد امريكا لها, فلماذا لايكون في الامر خدعة اطرافها الولايات المتحدة الامريكية والعراق بالذات؟ منذ عام 1991 والعراق (ملتزم) بالعقوبات الدولية المطبقة عليه, ومنذ ذلك التاريخ ايضا لم تحرك امريكا ساكنا بشأنها.. بل انها حتى وان اخطأت احيانا في التعبير فغالبا ما اكدت بأنها لاتهتم باسقاط نظام صدام حسين.. اي انها غير مهتمة بالرجل نهائيا, وصحيح انه في اصطلاحات مسؤوليها طاغية وديكتاتور ومخادع.. الا انه يبقى مقبولا بشأن التعامل معه, اليوم في ظل العقوبات وغدا اذا ما قدر لهذه العقوبات بان ترفع, احتراما للمثل الذي قيل حول علاقة صدام بأمريكا (شيطان تعرفه افضل من ملاك لاتعرفه) وهذا طبعا مايفسر تغافلها عن البحث عن بديل له.. لا بين صفوف المعارضة في الخارج ولا بين صفوف (المخلصين) في الداخل. في كل الاحوال فإن الازمة لم تنته اذن, ولا احد يريد لها ان تنتهي طالما ان الفاتورة لاتدفعها اطراف تلك الازمة انما هم الذين ادخل بروعهم بأنهم (موضوع الحماية) في هذه الازمة, وفي ازمة الغد وبعد غد.. مثلما كانوا معنيين بأزمة الامس وقبل الامس. اذن, لماذا لايكون اي حديث عن الحرب وعن السلام وعن الضربات العسكرية وعن الاعادة الى العصر الحجري وعن التقسيم.. وحتى عن العقوبات مجرد حديث مفتعل.. مشبوه وفيه من الرياء والنفاق اكثر مما فيه من الحقائق, لماذا لايكون هذا الحديث مجرد وسائل مفضوحه للابتزاز والمساومة او بشكل ادق.. من اجل تفريغ الجيوب اذا امتلأ بعضها او الجزء منها رغم ان هذه الجيوب كادت ان تصبح فارغة فنحن اذا تغاضينا عن (الفاتورة) المتجددة دوريا هناك الانخفاض الحاد في اسعار النفط.. اي ان الخسارة هي في السلم مثلما هي في الحرب, فقانون الحماية ليس مجانيا كما يخيل لبعض السذج. أزمة العراق بصدام وازمة صدام بالعراق هي مثل ازمة المنطقة الخليجية بأمريكا فصدام يطبق بخناقاته على العراق وشعب العراق وامريكا هي الاخرى تطبق بخناقاتها على شعوب المنطقة من خلال ذات انماط الخناقات التي تطبق بها على الشعوب العربية.. وعلى اكثر من مجموعة من شعوب العالم الضعيفة, اي ان قاسمنا مشترك, فالولايات المتحدة الامريكية هي المرجع, اما محاولات اختلاق الذرائع لايجاد تبريرات مضللة فليس من الضروري ابدا على اساس ان الواقع لن يتبدل فيه شيء.. والدخول في التفاصيل لن يغني قضيتنا بزيادة تتجاوز ماهي فيه (مجملة) من دون تفاصيل. ومن هنا فإن التزام العراق بتطبيق اتفاق عزيز عنان او عدم التزامه به انما يدخل في سياق الازمة التي يجب ألا تنتهي.. فالاطراف على اتم وفاق في هذه المنطقة, ومن يتفاءل بالعكس قد نعود لنضعه في خانة السذج. المسألة لأول وهلة قد تبدو معقدة الا انها ليست كذلك, وبما فيه الكفاية ايضا, فامريكا هي التي رفضت في كل حين اجراء اي تمييز بين صدام وشعبه, وهي التي رفضت, وبكل صلف وتعنت اجراء اي تمييز بينها وبين منطقة الخليج.. ولهذا فإنها في هذا الصدد تقرر بأن اللجوء الى الضربة العسكرية ضد العراق سيظل قائما, والامر هنا لايرتبط باتفاق عنان عزيز انما يرتبط بالمصالح الامريكية, واذا ما تضمن الاتفاق بنودا واضحة وصريحة فإن المصالح الامريكية هي مقولة غامضة ليس لها اول ولا آخر, ان كانت اليوم في صورة فإنها في الغد هي بألف صورة, وان كانت منسجمة احيانا فإنها في معظم الاحيان متناقضة.. تشرح في ابهى حلة سياسة الدولة العظمى الخارجية, وخاصة تجاه المنطقة العربية برمتها, بسبب جوهري بسيط هو تواجد اسرائيل فيها, عسكريا واقتصاديا.. بل ان كلمتها لها دورها حتى فيما يتعلق بتوجيه اي ضربة عسكرية للعراق. بغداد تتهم واشنطن باطالة امد العقوبات, واشنطن تتهم بغداد بالخداع والمماطلة لحماية ترسانتها من اسلحة الدمار الشامل, اسرائيل كلما اتجهت الازمة الى الهدوء اتجهت الى البحث عن افضل الطرق لاثارتها او لمواصلة احتدامها. واشنطن تقول بأن بغداد اذا ما طبقت اتفاق عزيز عنان او اذا ما دمرت كل ترسانتها من اسلحة الدمار الشامل لن ترفع العقوبات عنها الى ان تطلق سراح الاسرى الكويتيين الذين تحتجزهم منذ عام 1991 وبديهي ان بغداد طالما تنفي ان لديها اسرى كويتيين لابد من اللجوء الى الاستعانة بـ (يونسكوم) بلغة اخرى واختصاصات اخرى حيث ان عمليات التفتيش لابد وان تطال تحت الارض وما فوقها, ولان الحشود الامريكية ستعود لتأتي وستأتي لتعود فإن (الفاتورة) لن تتوقف. بيل ريتشاردسون سفير الدولة العظمى لدى منظمة الامم المتحدة يقول: اننا صبورون.. لكن اذا اخل العراق بالتزاماته فستكون لنا ردود فعل (متعددة) الا اننا نتساءل عن صبرنا نحن, خاصة وان بروس رايدل مسؤول الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي الامريكي, يؤكد بأن امريكا ستحافظ على سياسة الاحتواء المزدوج تجاه كل من العراق وايران, لان البلدين يمثلان تهديدا لابد من التعامل معه بشكل او بآخر.. ولهذا فإن سياسة الاحتواء المزدوج مستمرة, واستمرارها هو الذي يبرر استمرار التواجد الامريكي العسكري من حولنا, في ذات الوقت الذي يبرر فيه تفاقم حجم الفاتورة.. المستمرة ايضا. فما الذي فعله كوفي عنان, وما الذي فعلته مادلين اولبرايت اذا ما كانت هي نفسها التي سطرت الاتفاق المعجزة فالكل عبارة عن حلقات متواصلة في سلسلة بدأت حتى قبل عام 1991 ولن تتوقف طالما ان امريكا هي التي تقرر لها بدايتها ونهايتها معا. والنتيجة, فإن عدم التزام العراق باتفاق عنان ــ عزيز او عدم تطبيقه (حرفيا) هو مثل محاولات الانقلاب عليه من قبل الولايات المتحدة الامريكية او بريطانيا, وصحيح انه قد وقع باسم منظمة الامم المتحدة الا انه ليس كوفي عنان ولا حتى مجلس الامن الذي سيدعي عدم التزام العراق به او امتناعه عن تطبيقه.. انها امريكا وامريكا وحدها والا فلن تستطيع ان تقدم فاتورتها فيما بعد.

تعليقات

تعليقات