أبجديات:بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

(اذا أردت ان تذكر, فافعل خيرا او منكر!) هذا القول سمعته مرارا من اشخاص كبار في السن في مجتمعنا تعليقا على سؤال لا أظن ان احدا لم يتفوه به يوما: لماذا يتحدث الناس عن بعضهم اكثر من اللازم, وبدون داع احيانا؟ طبعا اكثر من اللازم هذه او بدون داع, من وجهة نظرك ليس الا, اما الذين يتحدثون فلا شك لهم تبريرهم, وايا كان التبرير وايا كان نوع الحديث فانه لن يخرج عن كونه اما اعجابا مفرطا ( وهذا امر قد يكون نادرا) أو ذماً شديد اللهجة, أو سرد حكايات واحاديث اكثرها مفتعل واقلها صحيح, وفي مجملها خوض غير مشروع في حياة الاخرين وتسكع فاضح في ممراتها الخلفية. كلام الناس كثير, وكما تقول عجائزنا الحكيمات دوماً: الناس كلامهم لا يتوقف, وهم في كل الاحوال سيتكلمون عنك, سواء كان هناك داع للكلام أو لم يكن. وحين تتصنع السذاجة, وتسأل لماذا؟ تكون فعلا على حافة البئر, ان لم تكن قد سقطت فيها وشربت حتى الشبع, والبئر هو الكلام الذي نغرف منه جميعا في كل لحظة. هذا الكلام هو ما يعرف في موروثنا الديني والشعبي (بالقيل والقال) وهو اكثر الممارسات قبحا في السلوك الانساني لأنه السلوك الذي اذا تم تبريره ظهرت سوءات صاحبه بشكل مؤذ جدا. نعود الى سؤالك: لماذا يتحدث الناس من وراء ظهرك, هذا اذا كنت من اولئك المبتلين بسهام هذا الداء؟ ان كلام الناس عن بعضهم يأتي لسبب بسيط جدا هو انهم يحبون الكلام كثيرا, خاصة في ظل البطالة المقنعة التي يعيشها الانسان عندنا (الموظف ــ وغير الموظف) ولذا فانه لابد ان يتبع سياسة ملء الفراغ المعروفة على نطاق السياسة الدولية والعالمية, وبما انه لا يحب السياسة بطبعه فهو يملأ فراغه بالكلام عنك, وعن سواك. هذا سبب (قد لايكون وجيها) ولكن هناك سبب آخر هو انك ودون ان تدري شخص هام جدا وذو شخصية ملفتة تستحق الاعجاب والتقدير, فيتحدث الناس عنك وعن نجاحاتك وانجازاتك, تماما كما يتحدثون عن نجوم السينما والغناء الذين تفرد لهم المطبوعات العديدة للحديث عنهم وحول اخبارهم التي ربما تكون اتفه من التفاهة نفسها. وربما جاء الحديث عنك حقدا وحسدا وغيره, وهذا أمر واسع الانتشار في اوساط الناس, فلأنك ناجح فلابد ان يكثر اللغط حولك والاختلاف على نجاحك, ومعروف ان كل ناجح محسود بلا نقاش, ومعروف ــ ايضا ــ ان الحسد طاقة شريرة هائلة اذا حبسها صاحبها قتلته كمدا, فهو ينفس عنها بالكلام الذي يقطر سما لان الإناء بما فيه ينضح. ولا تنس بأن الناس تتحدث عن كل مشهور وذائع وغريب في المجتمع من الاخبار والطرائف, فاذا تزوجت أو طلقت او تعرضت لحادث او اشتريت فيللا فاخرة, او سيارة او حتى علبة سجائر, فلن يتوقف الحديث عنك حتى ينجلي سر هذه الحوادث وتعرف خفاياها. الناس يجب ان يتحدثوا في النهاية لسبب او بدون سبب فان لم يجدوا ما يتحدثون عنه, اخترعوا حكايات واخباراً وتداولوها... للتسلية لا أكثر.

تعليقات

تعليقات