رامبو ... وفرنسا.. ودرس في الدبلوماسية: بقلم - د. محمد مخلوف

اثناء بث تلفزيوني ساخر لـ(مسرح العرائس) السياسي اليومي قدّمته القناة الفرنسية الرابعة قبل توقيع الاتفاق بين الامم المتحدة والعراق وتجنب لجؤ امريكا للخيار العسكري أطلّ (رامبو) ـ الدمية ذات العضلات المفتولة ـ البطل الامريكي الذي (لا يقهر) قادما من بعيد وهو يدق طبول الحرب, وعندما اقترب من مقدم البرنامج ـ الدمية التي تمثل المذيع التلفزيوني الفرنسي الشهير باتريك بوافر دارنور ـ وجهّ له هذا الاخير الحديث قائلا: لا شك بان هذه الاستعدادات الكبيرة والحشود الهائلة تعني بانكم تريدون ان تقتلعوا هذه المرة صدام حسين من الجذور وتتخلصوا منه مرة واحدة والى الابد. اجاب رامبو: عجيب امركم ايها الفرنسيون, اذ يبدو انكم لا تفهمون شيئا في السياسة. اننا نريد (تكسير) صدام حسين فقط, لكننا لا نسعى للخلاص منه نهائيا, بل اننا حريصون على بقائه. اننا بحاجة الى (شيطان) بصورة مستمرة بحيث نخرجه وندفعه الى واجهة المسرح كلما اردنا تحويل الانظار عن حدث امريكي داخلي مقلق مثل انتشار اخبار مغامرات الرئيس النسائية او نشوب ازمة كبيرة داخل الكونجرس. الفرنسيون لم تجذبهم (لعبة) رامبو الحربية واعلنوا منذ البداية بأنهم لن يشاركوا في (الحملة التأديبية) العسكرية على عكس موقفهم في (عاصفة الصحراء) عام 1991. ففي المرة السابقة كان صدام حسين معتديا بوضوح على الكويت, اما هذه المرّة فالعراق هو الذي يتعرض للعدوان. واذا كان الفرنسيون لا يرون في بقاء صدام حسين على رأس السلطة في العراق اوفي رحيله عنها اولوية بالنسبة لهم, فانهم حريصون بالمقابل على مصلحتهم في العراق ومنطقة الخليج والعالم العربي. ومصلحتهم هي تجنب الضربة العسكرية كما عبروا بوضوح منذ بداية الازمة واستمروا في هذا الموقف حتى نهايته. كانت فلسفة موقفهم تقوم على اساس ان الضربة العسكرية لن تجلب اي حل حقيقي ونهائي ولن تغير النظام, بل وربما ان المقصود منها اصلا هو شيء اخر غير ذلك التغيير. ذلك فضلا عن انها قد تؤدي الى نتائج خطيرة في ظل واقع الطريق المسدود الذي آلت اليه عملية السلام في الشرق الاوسط. لقد فهمت باريس بانه من الصعب على الولايات المتحدة الامريكية ان تجمع تحالف دولي حولها مثلما كان الامر عام 1991, وبالتالي لن تستطيع ان تقرر بسهولة منفردة ـ اومع بريطانيا ـ القيام بعمل عسكري قد يؤدي الى وقوع عدد كبير من الضحايا مما سيزيد شعور النقمة السائد لدى الرأي العام العربي بسبب الانحياز الامريكي لاسرائيل. كما ان احد النتائج المباشرة للعمل العسكري الامريكي ستتمثل في تعزيز مواقع الجماعات المتطرفة وبالتالي زعزعة الاستقرار في منطقة لفرنسا فيها مصالح كبيرة. على قاعدة المصلحة الفرنسية, وكذلك على اساس سياسة فرنسا العربية كما حددها الرئيس الفرنسي جاك شيراك منذ وصوله الى سدة الرئاسة في شهر مايو 1995, وبوجود تنسيق كامل في المواقف بين دوائر قصر الرئاسة ووزارة الخارجية دون اي تباين حول هذه المسألة بين يمين ويسار, جاء الموقف الفرنسي منسجما مع ذاته ومتمايزا عن مواقف البلدان الاوروبية الاخرى. لقد كانت باريس خلال الاسبوع الاخير الذي سبق ايجاد حل للازمة هي المحطة الاساسية في الدبلوماسية الدولية حيث استقبلت خلال ذلك كل من مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية ويفيجيني بريماكوف, وزير الخارجية الروسي, وكوفي عنان, الامين العام لمنظمة الامم المتحدة. وقد اجمع المراقبون السياسيون الدوليون على ان فرنسا قد لعبت الورقة (الصح) حيال الازمة الامريكية ـ العراقية الاخيرة.وقد لعبتها ببراعة شدّت اليها انظار الاخرين ونالت اعترافهم بأنها قد ساهمت بفعالية في نزع فتيل مغامرة غير محسوبة النتائج والاخطار. ولا شك بان الدبلوماسية الفرنسية قد استفادت من عدة اوراق عملت في صالحها وفي مقدمتها العلاقات الوثيقة والقديمة بين فرنسا والعراق والتي لا تزال توجد منها بقية باقية لم تنقطع على الرغم من حرب الخليج الاخيرة ومشاركة فرنسا بها داخل قوات التحالف الدولي. كذلك وجدت الدبلوماسية الفرنسية عونا كبيرا لها لدى الدبلوماسية الروسية بوجود يفجيني بريماكوف على رأسها وهو المعروف بخبراته العميقة (والعتيقة) في قضايا العالم العربي. اضف الى هذا المواقف الداعمة طيلة الازمة لايجاد مخرج دبلوماسي من قبل اغلبية الدول العربية التي اعلنت بصراحة ووضوح لا لبس فيها معارضتها لتوجيه ضربة عسكرية للعراق رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها واشنطن لحشد حلفاء الامس الى جانب مشروعها العسكري. الموقف الفرنسي بقي ثابتا في عمقه رغم اظهار بعض (التفهم) احيانا للموقف الامريكي وذلك ضمن القياس الذي ما زالت فيه الدوائر الفرنسية تشك بان العراق لا يزال يخفي اسلحة بيولوجية وكيميائية. وضمن هذا السياق يمكن القول بان الدبلوماسية الفرنسية قد نجحت في استخدام ورقة الضغوط العسكرية الامريكية لدفع العراق الى التراجع عن مواقفه الاولية وموافقته على تطبيق قرارات مجلس الامن وعلى تفتيش المواقع الرئاسية مع ما يتضمن هذا من موافقة على استمرار دور اللجنة الخاصة؟ اي ما كانت واشنطن تطالب به باستمرار. لكن من جهة اخرى نص الاتفاق على وجود فريق دبلوماسي يساعد اللجنة الخاصة في عملها وهذا ما كانت بغداد تطالب به. اضف لذلك نجاح العراق في نقل ملف المواجهة العسكرية مع واشنطن الى الامم المتحدة وفتح حوار مباشر مع مجلس الامن. هذا النجاح هو ايضا نجاح في محصلة الامر لبقية الاعضاء الدائمين في هذا المجلس حيث يفترض ان يكون لهم دور اكبر واكثر فاعلية. لقد كانت فرنسا هي القوة الاوروبية الوحيدة التي تجرأت على التحرك بشكل منفرد وعلى حث الامم المتحدة كي تأخذ دورها وهي التي فتحت امام الامين العام سبل نجاح مساعيه لدى العراق. وقد حققت هذه الدبلوماسية الفرنسية عدة اهداف يتمثل اهمها في: ـ تحسين صورة فرنسا في العالم العربي وذلك عبر اسماع صوت مختلف عن بقية الجوقة الاوروبية. صوت مختلف واكثر استقلالية. ـ انعاش الارضية الملائمة للمبادلات الاقتصادية والتجارية الفرنسية مع العالم العربي عموما, ومع العراق بشكل خاص. ـ التمايز عن الموقف الامريكي مما يعطي لفرنسا هامش حركة اكبر في امكانية لعب دور اكثر فاعلية في عملية السلام بالشرق الاوسط. ـ اكتساب مصداقية اكبر على الصعيد الدبلوماسي الدولي حيث بدت فرنسا بأنها قادرة على استعادة روح المبادرة واستقلال القرار السياسي. ـ الظهور بمثابة القوة الاوروبية المحركة الاولى في مجال السياسة الدولية وذلك في ظل الانحياز التام لبريطانيا الى الموقف الامريكي وهامشية, بل وغياب, دور بقية البلدان الاوروبية الاخرى وفي مقدمتها المانيا. في المحصلة يمكن القول بان الدبلوماسية الفرنسية قد حققت نجاحا كبيرا وساهمت بنشاط في الوصول الى اتفاق جنب امريكا خطأ كبيرا كانت في طريقها لارتكابه وجنّب العراق ضربة موجعة وجنّب المنطقة عاصفة جديدة هي ليست بحاجة لها, وجنب العالم مواجهة عسكرية غير محسوبة النتائج.. لكن قبل هذا وذاك جنب اطفال العراق وشعبه مزيدا من الالام والكوارث.

تعليقات

تعليقات