معنى ومغزى اتفاق عنان ـ بغداد: بقلم- نعيم الأشهب

اذا سلمنا بان تفتيش القصور الرئاسية في العراق ليس هو الهدف الحقيقي للازمة التي افتعلتها واشطن, وانما هي مجرد غطاء لتبرير ضرب العراق, عندها يبدو منطقيا الخروج بالاستنتاجين التاليين: الاول ـ ان واشنطن التي اضاعت الجولة الحالية نتيجة اضطرارها للتراجع عن ضرب العراق لم تخسر المعركة بعد. فقد اعلن كلينتون, في نطاق موافقته المتحفظة على اتفاق عنان ـ بغداد, عن الاحتفاظ بحشوده الحربية الضخمة في معاييرنا الخاصة بالسماح للمفتشين بالوصول الى جميع المواقع دون قيد او شرط والحفاظ على كرامة فرق التفتيش سيكون موضع ترحيب) واكثر من ذلك فالامر لا يتوقف عند تلبية المعايير الامريكية الخاصة ـ وليس معايير الامم المتحدة ومجلس الامن ـ بل وان يلبي اي اتفاق (المصلحة القومية الامريكية) , كما اشترطت واشنطن قبل ذلك, من جانبها اعلنت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية تعقيبا على الاتفاق بقولها: (ينبغي تصفية قدرات صدام لتهديد العالم باسلحة الابادة الشاملة, بوسائل عسكرية اذا تطلب الامر ذلك, وسننجز هذه المهمة, فهي مهمتنا وهذا ما سنفعله) . ومن هنا, فمن المبكر جدا الاطمئنان الى تراجع واشنطن عن الهدف الحقيقي. فهل تكتفي واشنطن هذه المرة باستعراض عضلاتها العسكرية الجبارة وتوتير الاعصاب حتى حافة الحرب, وذلك لتأكيد همينتها على المنطقة, أم ستواصل التفتيش عن فرصة جديدة للقيام بعملية عسكرية, سواء ضد العراق او سواه في المنطقة, للتذكير من جديد بجبروتها الذي استعرضته في حرب الخليج الثانية؟ اما العراق وعملية احتوائه بالقوة العسكرية او بالوسائل الاخرى, ومنعه من استعادة عافيته, وبالتالي عدم السماح بامكانية تحوله الى قوة اقليمية في المنطقة, تنافس اسرائيل التي تتوجها واشنطن لمثل هذا الدور, فستظل بندا رئيسيا في جدول اعمال السياسة الامريكية في المنطقة. والثاني ـ ان واشنطن ستتربص بمزيد من التحفز لاية فرصة, تسمح بتوريط حكام العراق في اي تصرف يبرر امام العالم ضربه من جديد, مأخوذ في الحسبان ان سوابق نظام الحكم الفردي في العراق تجعل مثل هذا الاحتمال قائما. وبالتالي: فالامكانية الواقعية لتقليل هذا الاحتمال هو في احتواء العراق عربيا بدل عزله بحيث يغدو ممكنا التأثير على حكامه, بما يجنبه ما امكن سلوك المغامرات التي ورطته, سابقا, اكثر من مرة, وامنت الغطاء لضربه عام 1991. اما مغزى هذا الاتفاق, فهو قبل كل شيء ان ارادة السلام انتصرت على آلهة الحرب, وان مفعول القوة له حدود, مهما كان شأن هذه القوة وجبروتها. ومعلوم ان مجموعة اعتبارات تضافرت هذه المرة وافلحت في منع اندلاع لهيب الحرب في المنطقة, كان في عدادها تعارض المصالح في المنطقة لعدد من الدول الكبيرة, وكان منها دور الرأي العام الذي راح يشكل في عصرنا الراهن قوة متصاعدة التأثير يصعب تجاهلها. وفي اطار التحركات الشعبية التي راحت تتحفز وتتصاعد على النطاق العالمي ضد الحرب, كانت بواكير وارهاصات لهذا التحرك في عدد من البلدان العربية, وكان هذا انذارا بأن الاقدام على ضرب العراق عسكريا, سيخلق, هذه المرة, ردود افعال تصعب السيطرة عليها وتحديد مضاعفاتها, وبخاصة ضد الولايات المتحدة ومصالحها, والتي صعدت هذه الازمة من كراهيتها في المنطقة. لقد كان حكام اسرائيل اكثر المتحمسين لشن عدوان امريكي على العراق, وبالتالي: اكثر المحبطين من اتفاق عنان ــ بغداد, وقد صعدوا خلال احتدام الازمة وتركيز اهتمام العالم عليها من عمليات السطو والاستيلاء على الارض الفلسطينية, وكان من المتوقع ان يقوموا بخطوات نوعية في هذا المضمار فيما لو اندلعت الحرب لكن مغزى اتفاق عنان ــ بغداد اكد حقيقتين اساسيتين على صعيد الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي. الحقيقة الاولى ــ ان مجلس الامن الدولي, وبخاصة العمل المشترك لاعضائه الخمسة الدائمين, هو الاقدر على معالجة النزاعات الدولية وايجاد الحل لها, وان الولايات المتحدة, غير مؤهلة بمفردها وبتحيزها لتكون بديلا ناجحا, مأخوذ في الحسبان ان اساس التسوية للنزاع الاسرائيلي ــ الفلسطيني الذي التزم به الطرفان هو قرارات مجلس الامن نفسه, ان هذا الخيار الذي اكد جدواه في تسوية الازمة العراقية المفتعلة ينبغي التمسك به والمناداة باستبداله بالدور الامريكي المتحيز والفاشل حتى الآن, وبخاصة في هذه الايام التي تواجه فيها العملية السلمية الاسرائيلية ــ الفلسطينية مأزقا استراتيجيا يهدد بتدميرها بالكامل, ان المطالبة الفلسطينية باستبدال الاحتكار الامريكي للاشراف على المفاوضات الاسرائيلية ــ الفلسطينية, يبرره اليوم ليس فقط مأزق هذه المفاوضات الذي تتحمل واشنطن مسؤولية اساسية عنه بسبب تحيزها للطرف الاسرائيلي, بل ويبرره ما برهنته الازمة العراقية الاخيرة من ازدواجية السياسة الامريكية في التعامل مع ازمتي العراق والنزاع الفلسطيني ــ الاسرائيلي, وما من شك في ان الطرف الذي تشكل نتيجة لتراجع واشنطن عن شن عدوان جديد على العراق قد خلق جوا مناسبا لمثل هذه المطالبة بان يتولى مجلس الامن نفسه مهمة اخراج المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية من مأزقها, او اضعف الايمان الاشتراك الفعال لكل من اوروبا وروسيا في الاشراف على هذه المفاوضات وكسر الاحتكار الامريكي وفي كل الاحوال, ان تحقق شيء من هذا, فانه سيدفع بقضيتنا الى الامام على طريق الحل العادل, وان لم يصل الى هذا المدى فانه سيشكل قوة ضغط جديدة على واشنطن تدفعها الى تخفيف تحيزها الصارخ لصالح الطرف الاسرائيلي, وفي كلا الحالين تكون قضيتنا الرابحة. والحقيقة الثانية: ان خرافة الامن الاسرائيلي, التي يتخذها حكام اسرائيل غطاء لسياستهم التوسعية على حساب الارض الفلسطينية, ان هذه الخرافة تبددت من جديد خلال هذه الازمة فالهلع الذي عم المجتمع الاسرائيلي, وتوزيع السلطات الاسرائيلية للاقنعة الواقية والعقاقير المضادة, انما يشكل اعترافا بان التوسع الاقليمي الكولونيالي لايشكل ضمانة امنية في عصر الصواريخ, وهذا ما اكدته بالتجربة الفعلية حرب الخليج الثانية, وبالتالي فان الضمانة الحقيقية لهذا الامن الاسرائيلي انما هو السلام الحقيقي, ومعيار هذا السلام, في هذه الحالة الملموسة, هو الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على ترابه الى جانب دولة اسرائيل, وليس من سبيل آخر. ويبقى المغزى الاساسي من الاتفاق انه حتى الولايات المتحدة يمكن ارغامها على التراجع اذا احسنا قيادة المعركة. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق*

تعليقات

تعليقات