... وأين المبادرة العربية: بقلم - جلال عارف - البيان

... وأين المبادرة العربية: بقلم - جلال عارف

أثناء حرب الخليج الثانية وفي أعقابها زار القاهرة عدد كبير من المسؤولين من الشقيقة الكويت الذين حرصوا جميعا على اللقاء بالصحفيين والمفكرين والمثقفين ليشرحوا قضيتهم. وأتذكر اليوم لقاء مع أحدهم في نقابة الصحفيين المصريين, كان الرجل فيه واسع الصدر وهو يستمع لآراء كثيرة اتفق بعضها معه واختلف بعضها, وأقف بالتحديد أمام ما قيل للمسؤول الكويتي يومها من أن هذه لحظة للسمو فوق أعداء الأمة العربية. لقد وقع الخطأ أو الخطيئة, وتم استدراج العراق الى الكويت لإنهاء هذه القوة التي كانت رصيد الأمة في معاركها, ولوضع المنطقة تحت الهيمنة الامريكية لسنوات طويلة قادمة, وأن أعظم ما نقدمه للعرب وللعراق وللكويت نفسها أن نعبر جسر الآلام بسرعة, وألا نظل أسرى المأساة التي وقعت والتي تريد أمريكا أن تسجننا فيها إلى أبد الآبدين. وما قيل يومها ولم يستجب له أحد, لابد أن يقال اليوم في ظل الظروف التي نعيشها... فالمأساة مازالت مستمرة, والقصة تتكرر أمام أعيننا, والضحايا على الجانبين هم العرب... العراق الذي يعاني الحصار والجوع والمهانة في جانب, وعلى الجانب الآخر الذين يدفعون الفواتير ويتعرضون للابتزاز الامريكي الذي حول أغنى دول العالم الى دول مدينة, ونهب بترول العرب بأرخص الاسعار, وفرض ما يشاء من صفقات سلاح ليس لها من هدف إلا تشغيل مصانع السلاح الامريكية, وانتابه الهوس حين سمع حديث المصالحة العربية فاخترع الازمة الراهنة ليعيد الاوضاع الى نقطة الصفر ويؤكد أن الولاية الامريكية على المنطقة قدر لا مفر منه. إن الوقت مازال مبكراً للحديث عن الخسارة والربح في هذه المعركة التي لم تنته بعد, ويريد البعض لها ألا تنتهي أبدا, فالحشود الامريكية مازالت تتوالى على الخليج, والتهديدات باستخدام القوة مازالت اللغة الرسمية في واشنطن, وكل الاحتمالات واردة مادامت أمريكا قد أعلنتها بوضوح وصراحة: أنها لا تتحرك إلا وفقا لمصالحها الخاصة, فإذا اقتضت هذه المصالح ضرب العراق فسيحدث, أما الشرعية الدولية والقانون والمجتمع الدولي... فكلها (أدوات) في خدمة سيد العالم وتاج رأسه, يستخدمها متى شاء, ويلقي بها بجانب حائط الامم المتحدة إذا لم تسهل له مهمته وتحقق له أغراضه. وإذا كان اتفاق بغداد وكوفي عنان قد وفر للجميع فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات, فإنه بالنسبة لنا ينبغي أن يكون مناسبة لوقفة مع النفس طال انتظارها. يشجعنا على ذلك عدة ظواهر كشفت عنها الأزمة الاخيرة, لعل أولها وأهمها أن الشارع العربي بأكمله وقف بحزم ضد العدوان على شعب العراق. وإذا كانت درجات التعبير عن هذه المعارضة قد اختلفت من قطر إلى قطر, فلا شك أن وقوع العدوان بالفعل كان سيفجر الموقف في كل انحاء الوطن العربي. ولقد انعكس ذلك على موقف الأنظمة العربية, فلم يستطع نظام واحد أن يجاهر بوقوفه مع أمريكا في عدوانها على العراق. وإذا كانت أمريكا ـ على لسان وزيرة خارجيتها ـ قد أشارت إلى أن ما يقال في العلن غير ما يقال في الغرف المغلقة, فما يهمنا هنا هو أن أحدا لم يحاول أن يتحدى الرأى العام في بلده, ومن لم يستطع أن يجاهر برفض العدوان, ظل يتحسس موقفه ويدعو الله أن تمر الأزمة على خير, لأنه يدرك أن شعب العراق لن يكون وحده الذي يدفع الثمن. الأمر الثاني الذي ينبغي الوقوف عنده هو أن أمريكا ـ رغم كل الحشود العسكرية ـ لم تكن أضعف مما كانت عليه أيام الأزمة. فقد وقفت وحيدة مكشوفة, ورغم كل الضغوط التي مارستها فقد أدركت في النهاية أن ثمن العدوان سيكون فادحا. ورغم كل حملاتها الدعائية فقد فشلت في إقناع أحد بأن العراق ــ بعد سبع سنوات من الحصار والتجويع ــ يمكن أن يمثل تهديدا حقيقيا لجيرانه, كما فشلت في تبرير تلك الحكمة الامريكية التي ترى في دولة مهزومة ومحاصرة (البعبع) الذي يخيف العالم, بينما لا ترى في اسرائيل المدججة بالسلاح المنفردة بامتلاك القنابل النووية مجرد قط أليف لا يضمر شرا لأحد! والامر الثالث الذي نقف عنده, أن اللعب قد أصبح على المكشوف, وامريكا التي كانت ترى أنها تدافع عن الشرعية الدولية أصبحت تدرك أن أي حديث عن التقارب العربي أو العمل العربي المشترك هو ـ في نظر أمريكا ـ شروع في جريمة يجب إيقافها بالضغط أو بالتهديد أو بضرب العراق أو حصار ما تبقى من العرب. ورغم العجز العربي العام, فإن بوادر المقاومة ظهرت وأثرت. وفي الوقت الذي تعاونت فيه شرطة عرفات واسرائيل في القبض على المتظاهرين في الارض المحتلة واشتعلت الاردن بالغضب على أي تعاون مع أمريكا في ضرب العراق. كان الموقف السوري والمصري حاسما, وأعلن الرئيس مبارك أن أمريكا فقدت مصداقيتها, وعلا صوت الامارات في الخليج يعلن الرفض القاطع للعدوان الامريكي. وحتى الجامعة العربية دبت فيها الحياة, وسافر الأمين العام عصمت عبد المجيد إلى بغداد بعد أن كانت مثل هذه الخطوة من الممنوعات منذ حرب الخليج الثانية. وانفتحت أبواب القاهرة ودمشق أمام وزير الخارجية العراقي. وكان كل ذلك محل ترحيب من كل القوى السياسية في الوطن العربي مهما اختلفت مواقعها ومواقفها. إن ذلك كله يفتح الطريق أمام خطوة حاسمة لابد من اتخاذها تفتح الباب أمام مصالحة عربية تستعيد العراق وتنقذه مما يدبر له, وتضمن أمن الكويت وبقية دول الخليج في إطار عربي. لقد أعلن العراق مجدداـ في اتفاقه مع كوفي عنان ــ التزامه بتطبيق كل قرارات الامم المتحدة, ومن حق العراق أن يتأكد أن التزامه هذا سيقابله رفع الحصار وإنهاء العقوبات في مدة محددة بعد أن طال عذاب الشعب العراقي في حرب التجويع التي تخوضها ضده أمريكا. ومن واجبنا أن نساعد العراق على الخروج من محنته, وأن نساعد الكويت على تجاوز المأساة التي عاشتها, وأن نساعد أنفسنا في الخروج من النفق المظلم الذي يراد لنا جميعا أن نظل فيه إلى الأبد. ومن هنا فلا بد من الامساك بالايجابيات في اللحظة الراهنة مهما كانت ضآلتها لكي نفتح بابا للأمل اعتقد أن الفرصة مناسبة للطرق عليه الآن من خلال مبادرة عربية تقف وراءها كل القوى العربية الفاعلة, وتستند على القرارات الدولية, وتنطلق من الاتفاق الأخير, لتعلن أن الجامعة العربية سترسل فريقا للمراقبة ليتأكد من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه, مع إعطاء الجميع مهلة محددة ــ ولتكن ستة شهور مثلا ــ فإذا أيقنت اللجنة العربية أن العراق يتصرف بالتزام, وإن العراقيل توضع عمدا من الجانب الآخر لإبقاء الحصار الى مالا نهاية, فإن عليها أن تعلن على الفور إنهاء الحصار من جانبها على العراق, لتضع العالم كله أمام مسؤوليته. والتفاصيل كثيرة, ولكن النقطة الاساسية أن يرى العراق نهاية النفق المظلم الذي يعيش فيه منذ أكثر من سبع سنوات, وأن يلتزم بكل الضمانات التي يطلبها اشقاؤه العرب, وأن يتم تفعيل اتفاق دمشق ليشكل مظلة أمن حقيقية للخليج, وأن تحل كل القضايا العالقة بين العراق وأشقائه في إطار عربي. لقد فشلنا في حرب الخليج الثانية في أن ننقذ الوضع بحل عربي... فهل ننجح هذه المرة, أم نترك مصيرنا جميعا في يد أمريكا, وهي تعلن على الملأ أنها لا تتحرك إلا لحماية مصالحها والتي تتحقق الآن على خير وجه بحصار نصف الشعب العربي وابتزاز النصف الآخر ليتحول العرب في النهاية الى أمة من اللاجئين تحكمهم محمية أمريكية في اسرائيل هي ـ بحكم العدل الامريكي ــ واحة الديمقراطية ومنارة التقدم! وإلى أن يتم ذلك, ستظل البوارج الامريكية في الخليج, ويظل الخطر على أعناق الجميع, وسنظل ندفع الثمن الى آخر طفل عراقي وآخر دينار في الخزائن العربية!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات