العراق يبحث عن أجياله القادمة: بقلم - د. عبد الله عبد الرحمن سعيد

سبع سنوات مرت حتى الآن على حصار وعقوبات العراق فقد خلالها الكثير من أطفاله, وبما أن كل المؤشرات تكاد تدل على أن أمريكا قد تستمر لسبع سنوات أخرى إن لم يكن أكثر فإن هذا سيعني أن العراق لن يكون له جيله الجديد أو حتى جيله (الشباب) فيما بعد. إن كانت أمريكا تبحث عن إذلال العراق فإنه قد تجاوز حتى مرحلة الذل, والإذلال هنا للشعب لا لصدام الذي يبقى لنا بأن صداما غيره لن يعتلي السلطة في بغداد بدلاً منه, وللتذكير مرة ثانية فإن ألمانيا قد هزمت وذلت في الحرب العالمية الاولى التي لم يشارك فيها هتلر, هتلر الذي تمكن من تحريك مشاعر الشعب الألماني من أجل الانتقام فكان له ذلك .. فالنازية إذن لم تلد إلا بحثا عن محو الإذلال, ولقد تمكنت من مهمتها فدفع العالم مالا يقل عن أربعين مليون قتيل قبل أن ينتحر هتلر وتنتحر معه النازية. الصحيفة الإسرائيلية (هآرتس) وعلى لسان زئيف شيف تقول بأن البنتاجون حائر حول الأهداف التي يتوجب ضربها في العراق, وهذا صحيح تماما ويشرح بالأحرى, إن لم نقل بأنه يفضح عجز الولايات المتحدة في الانتهاء من هذه القضية خاصة وأن هذا العجز قد امتد خلال سبع سنوات مضت, فلماذا يجب أن نصدق بأن هذه المرة هي (الأكيدة) . كل ما قدمته أمريكا حتى الآن قد كان مجرد (احتمالات) ولانعتقد بأنها ستخرج من هذا الإطار على أساس أن خروجها منه لابد وأن يمهد لـ (النهاية) وبديهي أن أمريكا لاتهتم إلا بالابتعاد عن هذه النهاية وبأي شكل من الأشكال. أمريكا مصممة على متابعة التفتيش, فوق الأرض وتحت الأرض في القصور الرئاسية وفي الثكنات, وفي كل المنشآت الحكومية حيث إذا ما أكملت المهمة توجهت إلى أي مناطق مدنية عادية .. إذا ما انتهت منها فإنها ستعود مجدداً إلى النقطة التي انطلقت منها .. وهكذا إلى أجل غير مسمى, تلك هي الحقيقة التي يجب علينا استنتاجها من سلوكيات الدولة العظمى - بل إن أمريكا قد برهنت عليها قولاً وفعلاً, ولانظنها على استعداد لتبديلها بسلوكيات مغايرة. كلنا قد اكتشفنا بأن صدام مخادع ومراوغ إلا ان أمريكا قد أثبتت للعالم أجمع بأنها أشد خداعا ومراوغة نجحت حتى الآن بتضليل حلفائها وغير حلفائها - وإلا كيف علينا الاقتناع بأن الدولة العظمى, والأعظم في المجتمع الدولي المعاصر أنها تملك أكبر ترسانة عسكرية, تقليدية وغير تقليدية, ومع ذلك فإن شخصا مثل صدام قد أعجزها خاصة وأنها جندت ضده في عام 1991 تحالفا دوليا ضم مالا يقل عن 33 دولة, تزعمته بكل عنفوانها وجبروتها, ومن بعد الحرب استمرت في ممارسة سياسة الخنق .. على عراق مصدع بين وسط وشمال وجنوب؟ أمريكا في تاريخها القديم والحديث لم تعرف غير العنف ولم تعترف إلا بلغة القمع والدم, وإذا ما فضلت القوة على الدبلوماسية فمن أجل البرهنة على أنها ليست (ضعيفة) فالدبلوماسية برأي الكثيرين من أصحاب القرار فيها إنما هي لغة الضعفاء, وأمريكا رغم أنها (قوية) تظل تحتاج إلى تبديد ظنون المشككين بقوتها, وربما تأكيد من هذا القبيل ضروري وخاصة بالنسبة للدول التي تنتظر من أمريكا الدخول في مرحلة (الترهل والشيخوخة) لتفرض عليها اعترافا صريحا بحتمية مشاركتها في قطبيتها الأحادية. أمريكا ليست بالدولة الغبية إلا أنها تحب أن تتظاهر بالغباء أحيانا فهي طالما تجزم على أن العراق ما زال يملك أسلحة دمار شامل - وطالما أنها تحدد مواقعها بشكل شبه قطعي .. نتساءل عن السبب الذي يمنعها من قصفها أو تدميرها من أجل كتابة الفصل الأخير في الرواية .. وإذا لم تفعل حتى اليوم فهل يجب أن نقتنع حقا بأنها متخوفة - مثلاً. من نتائج مثل هذه العملية وما يمكن أن تفرزه من مآس بيولوجية أو كيميائية؟! مالا شك فيه أن أمريكا, وبصفتها قد وظفت نفسها راعية للأمن والاستقرار في المنطقة, تحتاج وبشكل دوري أيضا إلى إسماع صوتها .. لمجرد إثبات وجودها, وللاثبات أيضا بأنها لن تفرط برعايتها حتى في المجالين: الأمن والاستقرار من جهة والسلام من جهة أخرى حيث أن الحالتين تختص بهما المنطقة, والحالتان معاً تختص بهما أمريكا حتى رغم أنف الرافضين. نقلاً عن صحيفة (الوطن) القطرية فإن الاستقرار والأمن والسلام لايمكن أن يستمر في ظل التهديد والاستفزاز والمهانة, ولكن ما العمل يا تُرى إن لم تكن أمريكا تجهل كل الجهل أي وسائل أو أساليب موازية أو أقل همجية؟ مساكين هم أطفال العراق الذين يموتون جوعاً قبل أن يدفنوا أحياء في أحضان أمهاتهم أو سرر المستشفيات التي تحولت إلى أطلال, ونحن كعرب قد تعودنا أن نهتم بأطفال الغير قبل أطفالنا, حتى أطفال أعدائنا, إنها حقيقة مرة إلا أنها حقيقة مع ذلك خاصة وأن اسرائيل قد حققت معجزة إذ استلمت مليون دولار ثمنا لبعض أطفالها, من دون أن يفكر أحد لا بأطفال العراق ولا بأطفال قانا .. فهل هو الكرم أم حب التزلف والظهور بغير المظهر؟ اسرائيل قد اعتادت ألا تفرط ولو باحدى شعيرات أبنائها ولا حتى بعظام قتلاها في الوقت الذي اعتدنا فيه بالتفريط بالآلاف من أحيائنا .. ربما لأن لدينا الكثير ولم نعد نعرف ما نفعل بهم خاصة وأنهم بالنسبة لبعض أنظمتنا السياسية غالبا ما يشكلون (عثرة) أو حاجز احتجاج ضد القهر والطغيان, أمريكا قد اشتطت لأنها وجدت من يشجعها ومع الوقت ستشتط (زيادة) فأمريكا ليس لها صديق ولا حليف, وهي نفسها التي برهنت على ذلك من خلال سلوكياتها وتمردها على الحق والعدالة .. إن أمريكا ليس لها سوى مصالحها وأنانيتها. كلية الشريعة والقانون - جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات