دروس آسيوية: بقلم- د. علي الدين هلال - البيان

دروس آسيوية: بقلم- د. علي الدين هلال

في منتصف الستينات اصدر استاذ الاقتصاد السويدي الشهير جونار ميردال كتابه الموسوعي من جزأين بعنوان (المعضلة الآسيوية) والذي صور فيه مأساة الركود الاقتصادي, والتدهور السياسي, والبؤس الاجتماعي الذي كانت تعانيه الدول الآسيوية. ولكن سرعان ما تغيرت الصورة, وفي ربع القرن التالي من الزمان استطاعت دول جنوب شرق آسيا ان تحقق معدلات عالية من النمو الاقتصادي مما جعلها نموذجاً تقتدي به الدول النامية الاخرى, وتسعى ومع نهاية التسعينات, وفي الشهور الاخيرة, شهدت هذه الدول اهتزازات صارخة في أسواقها المالية مما اعاد التساؤل حول حجم الانجاز التي حققته, وطرح على بساط البحث مدى سلامة السياسات التي اتبعتها هذه الدول, وما هي الدروس المستفادة من الخبرة الآسيوية. واذا بدأنا باستعراض اهم جوانب الانجاز التي حققتها مجموعة الدول الآسيوية والمتمثلة اساسا في كوريا الجنوبية, وتايوان, وسنغافورة وهونج كونج وتايلاند وماليزيا واندونيسيا, فان اول ما يأتي الى الذهن قدرتها خلال الفترة الممتدة من 1980 ــ 1995 على تحقيق معدل لنمو الناتج المحلي بلغ متوسطه 7.5% سنويا مقارنة بمعدل النمو الذي حققته الدول الصناعية المتقدمة والذي كان متوسطه 2.5% خلال الفترة نفسها. هذا في الوقت الذي حققت فيه هذه الدول معدلات مرتفعة من الاستثمار, والانفاق الاجتماعي على التعليم والصحة, دون ان يصاحب ذلك زيادة للعجز في الموازنة العامة للدولة. وقد ادى ذلك الى قيام المؤسسات الاقتصادية الدولية باعتبار ما حققته هذه الدول تجربة فريدة في النمو الذي يقوده قطاع الصناعات التصديرية ووصفتها الدراسة التي صدرت عن البنك الدولي بانها (المعجزة الآسيوية) وشاع في ادوات الاعلام تسميتها (بالنمور الآسيوية) . فماذا حدث؟ وماهي جوانب الخلل التي ظهرت؟ لقد تلاحقت الاحداث بشكل سريع, وانتقل الاضطراب المالي من دولة الى اخرى بشكل يذكرنا بنظرية (الدومينو) فالازمة التي بدأت في تايلاند والتي ادت الى انخفاض قيمة عملتها الوطنية بمقدار الربع تقريبا سرعان ما انتقلت الى الدول الاخرى فانخفضت قيمة العملات الوطنية في اندونيسيا وفي كل من الفلبين وماليزيا, ورافق ذلك اضطراب في اسواق المال والبورصات وخروج مكثف لرؤوس الاموال الاجنبية مما ادى الى تفاقم الازمة ولجوء كل من كوريا الجنوبية واندونيسيا الى البنك الدولي للحصول على قروض ضخمة لمواجهة الازمة. وجاء أول رد فعل سياسي في تفسير ماحدث من رئيس الوزراء الماليزي د. مهاتير محمد الذي ارجع ما حدث الى نشاط المغامرين والمضاربين, وخص بالذكر النشاط المالي الذي قام به البليونير سوروس, واتهم المضاربين بالتآمر والفوضوية, وسعى للتدخل لوقف هذه الانشطة, فقامت الحكومة الماليزية بمنع بعض انواع التعامل في الاسهم الامر الذي من شأنه صعوبة خروج المستثمرين الاجانب من السوق. كما قامت كل من ماليزيا وتايلاند باستخدام جزء من رصيد الاحتياطي بالعملات الدولية للحيلولة دون مزيد من انخفاض اسعار الاسهم, كما قامت برفع سعر الفائدة. ومن الارجح ان يكون للمضاربة والمضاربين دور في تفاقم هذه الازمة ولكن من المؤكد ايضا ان هذا الدور ماكان يمكن ان يؤتي ثماره في غياب مجموعة من جوانب الضعف البنائية الموجودة في اقتصادات هذه الدول. ولعل أول هذه الاسباب يكمن في تزايد العجز في ميزان المدفوعات وذلك بسبب زيادة معدل نمو الواردات عن الصادرات, وتمويل هذا العجز من خلال القروض الخارجية واسواق المال. وساعد على ذلك التزام هذه الدول بنظام سعر الصرف الثابت الامر الذي ادى الى انسياب ضخم لرؤوس الاموال الاجنبية اليها. كما ساهم في ذلك ارتفاع اسعار الفائدة على العملة المحلية وهكذا, فكما ادى هذا النظام الى تدفقات مالية هائلة من الخارج, فانه سمح ايضا بخروج هذه التدفقات في الشهور الاخيرة. ويتمثل ثاني الاسباب في تصاعد حجم عمليات الاقراض المحلي, واستخدام نسبة كبيرة من الائتمان المحلي في مشروعات لا تساهم بشكل فعال في نمو الانشطة الانتاجية, كما ادى الى نمو الطبقة الوسطى التي ارتفعت دخولها, مع توقع استمرار هذه الزيادة, الى تزايد ظاهرة القروض الشخصية وخاصة في مجالات العقارات والائتمان الاستهلاكي, وقد ادى هذا كله الى ازدياد حجم الاقراض المحلي بنسب غير مسبوقة, وفي نهاية عام 1996 بلغت نسبة الائتمان المقدم للقطاع الخاص الى 140% من حجم الناتج المحلي الاجمالي في كل من تايلاند وماليزيا, والى 133% في كوريا الجنوبية والى 60% في الفلبين والى 50% في اندونيسيا,و ارتبط بذلك ارتفاع ديون القطاع الخاص للبنوك الاجنبية. وعلى سبيل المثال, فقد ارتفعت ديون الشركات الكورية لهذه البنوك بنسبة 40% في الثمانية عشر شهرا التي سبقت نهاية عام 1996 بحيث بلغت 100 مليار دولار, ثلثها قروض قصيرة الاجل ينبغي الوفاء بها في اقل من عام. اما ثالث الاسباب, فيتصل بالتباين والخلل القائمين بين ضعف الجهاز المصرفي والاداري من ناحية, واعتماد اسواق الاوراق المالية في هذه الدول على ادوات مالية ذات درجة مرتفعة للغاية من المخاطرة من ناحية اخرى. اضف الى ذلك ما تردد في اعقاب هذه الكارثة المالية من اتباع ممارسات خاطئة, بل وفاسدة شهدها النظام المصرفي تحت تأثير التدخلات السياسية والمصالح الشخصية. وارتبط بتوسع في الانفاق على مشاريع تفاخرية, وفنادق فاخرة, وانشطة غير انتاجية تضمنت قدرا كبيرا من سوء الادارة والفساد المالي. وقد ادى ذلك الى ازدياد نسبة الديون المعدومة اي تلك التي لا تقوم البنوك باستردادها, والتي من المتوقع ان تصل في عام 1998 الى 73 مليار دولار اي حوالي 14.7% من اجمالي الديون القائمة, وهو ما يماثل 13.3% من اجمالي النتاج المحلي لــ تايلاند, واندونيسيا, وماليزيا, والفلبين, وسنغافورة مجتمعة. ويضيف البعض اسبابا سياسية لما حدث مثل اعتبار ذلك بمثابة عقاب وجهته الولايات المتحدة والدول الغربية لدول جنوب شرق آسيا لرفضها النصيحة بعدم قبول دولة (ماينمار) في عضوية منظمة دول جنوب شرق آسيا للتعاون الاقتصادي (الآسيان) ويرى آخرون ان ماحدث هو نتيجة قيام هذه الدول (باللعب مع الكبار) , وان كثرة الحديث عن المعجزة الآسيوية قد دفع مسؤولي هذه الدول الى سياسات توسع اقتصادي غير مبررة, وغير رشيدة اقتصاديا, أو دفعها لتجاوز الخط المسموح به للدول خارج اطار الدول الصناعية المتقدمة, فازداد حديث مسؤولي الدول الآسيوية وكبار رجال الاعمال فيها عن اقتصاد عالمي في القرن 21 تسيطر عليها آسيا, وتفاخرهم بسمو القيم الثقافية الآسيوية التي مكنت من تحقيق معدلات عالمية للنمو لم تتمكن اي مجتمعات اخرى من انجازها. وهذه الازمة سوف تطرح بظلالها على الاقتصادات الآسيوية لسنوات مقبلة, فسوف يكون على هذه الدول اتباع سياسة مالية متشددة بهدف تخفيض الانفاق العام, وتخفيض معدلات نمو الواردات حتى يتحقق التوازن في ميزان المدفوعات, وسوف يترتب على انهيار قيم الاصول المالية والعقارية ارتفاع نسبة الديون, وتراجع معدلات الاستثمار الخاص والاستهلاك مما يؤدي في النهاية الى انخفاض معدلات النمو, ولن يقتصر التأثير على هذه الدول وحسب, بل سوف ينتقل الى الدول الاخرى التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة معها مثل اليابان التي يتجه نحو 18% من صادرتها الى مجموعة دول الآسيان, واستراليا التي تمثل هذه النسبة 16% من اجمال صادرتها. ولن يقتصر التأثير على الدول ذات الارتباط المباشر بمجموعة الآسيان, وانما على الاقتصاد العالمي ككل. وفي احدث تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم الدول الصناعية المتقدمة ورد ان معدل النمو في اقتصادها عام 1998 سوف يقل بنسبة 1% عن العام الماضي بسبب تلك الاحداث. ولا احد يستطيع ان يجزم بمتى تنتهي هذه الازمة, وحجم اثارها, وهل ستكون مجرد انقطاع حاد قصير كالذي حدث في عام 1985 وتم تجاوزه في ستة شهور, اما انها ستكون مقدمة لمرحلة عميقة من الركود الاقتصادي قد تستمر لعامين او ثلاثة, ويختلف المحللون في هذا الامر, فبينما يرى البعض ان العوامل التي مكنت هذه الدول من تحقيق نموها الاقتصادي السريع في العشرين عاما السابقة لم تختلف مثل وجود اسواق مفتوحة, ودرجة عالية من الادخار, وسياسات اقتصادية مرنة, فان فريقا اخر يرى ان هذه الازمة كشفت عن جوانب ضعف ثابتة لا يمكن تداركها في شهور معدودة. والدروس التي ينبغي ان تخرج بها الدول النامية التي بدأت في تطبيق سياسات التحول الى اقتصاد السوق عديدة ومتنوعة, منها ان تحرير اسواق المال كما انه يجذب الاستثمار الاجنبي وصناديق الاموال الدولية الى السوق المحلي, فإنه يسمح لها بالخروج ايضا من هذه السوق وفي الوقت الذي تختاره, ومنها ان ازدياد حجم القروض الداخلية او الخارجية التي يحصل عليها القطاع الخاص تطرح نتائج سلبية على الاقتصاد القومي تماثل تلك الناتجة عن قروض الدولة وشركات القطاع العام. ومنها ان اندماج اي اقتصاد في اسواق المال العالمية واستفادته من الفرص التي تقدمها تلك الاسواق يتطلب وجود نظام مصرفي قوي, ومؤهل, ولا يخضع في قراراته لاي تدخلات تتعلق بمصالح شخصية او اهواء سياسية ومنها, ان الاعتماد على آليات السوق لا يعني باي حال من الاحوال انتهاء دور الدولة او ضعف هذا الدور, بل على العكس تماما فانه يتطلب وجود مؤسسات حكومية قادرة على توجيه السوق والتعامل مع تغيراته, وبالذات في حالة الاختلالات الحادة فاذا كانت آليات السوق بمفردها قادرة على التكيف واحداث التصحيح المطلوب في حالة حدوث اختلالات طفيفة بين العرض والطلب, فانها بالتأكيد غير قادرة على ذلك في حالة الاختلالات الحادة. واخيرا, فمن هذه الدروس ضرورة (الرشادة الاقتصادية) طويلة الاجل, والا يؤدي الانجاز في المراحل الاولى الى شعور زائف بالتفوق, او الى اوهام بالتميز سرعان ما تبددها الاحداث. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات