التفاؤل الاسلامي على لسان العدو 2/ 2بقلم - د. يحيى هاشم فرغل

من المعروف حاليا ان بعض كبار المفكرين في الغرب أخذ يدرك بوادر ما يحدث على صعيد الصراع الحضاري بين الغرب والشرق, من صحوة هنا وتراجع هناك... من شأنه ان يؤكد لنا انفتاح التفاؤل على مصراعيه امام العالم الاسلامي خلافا لما يقصدون . ومن هؤلاء المفكر الامريكي الشهير صموئيل هانتنجتون صاحب كتاب صراع الحضارات, الذي اصدره عام 1993 والذي طوره الى كتاب جديد بعنوان (صراع الحضارات واعادة تشكيل النظام العالمي) اصدره في نهاية عام 1996. وقد توصل هانتنجتون في دراسته الى ان الغرب أخذ يتراجع على مدى هذا القرن العشرين فبين ان قدرة الغرب على فرض قيمه ومبادئه في التنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ارتبطت في الماضي باحتكاره ادوات القوة المادية في مواجهة الضعف والتخلف لدى الحضارات الاخرى, ولكن هذا الاحتكار أخذ في التراجع التدريجي. ويشمل ذلك.. التراجع المعنوي الذي يصيب المجتمعات الغربية في تماسكها وتعاون افرادها وفئاتها, ومن ناحية الاحتكار لمصادر القوة المادية يقرر هانتنجتون ان الحضارة الغربية وصلت الى ذروة ذلك في عشرينات القرن الحالي.. وبعدها بدأ التراجع. هذا التغير في التوازن المادي بين الحضارة الغربية وباقي الحضارات ــ كما جاء في تلك الدراسة ــ واكبه تصاعد الرفض للغرب ولنظرياته وقيمه, لقد زال الانبهار وتراجعت قوة القهر والتسلط, بل حققت دول شرق آسيا نماذج في النمو الاقتصادي والتفوق التكنولوجي لم يسبق للغرب ان حقق شيئا يقترب منها. وقد لاحظ هانتنجتون ان هذا الاتجاه الى رفض الهيمنة الحضارية للغرب ارتبط بعودة جماعية للايمان الديني, وللايمان بالله الخالق, وان هذه الظاهرة عالمية بمعنى انها تتخلل المجتمعات الغربية ذاتها, يظهر هذا بوضوح في الدول التي كانت شيوعية ملحدة ــ من روسيا واوروبا الشرقية الى الصين وفيتنام ــ وهي ظاهرة تنتشر ايضا في امريكا اللاتينية. في النصف الاول من القرن العشرين كان دعاة الدنيوية والالحاد يتهمون بسيادة النفعية واللذة الحسية على كل ما عداها, وكانوا يعتمدون العقل مصدرا وحيدا للمعرفة ويعتبرون ان منهجهم هذا هو المنهج الوحيد المحقق للتقدم العلمي والاقتصادي, وأي حديث عن الله وطاعته او عن الوحي والغيب هو من قبيل الخرافات المعيقة للتقدم, ولكن حدث في النصف الثاني من القرن العشرين ان سقط هذا الزعم, حيث انتشر التقدم العلمي, بينما حدث في الفترة نفسها رجوع للايمان الديني على نطاق غير مسبوق وبخاصة في مناطق الحضارات الصاعدة. الا ان هذه العودة الواسعة الى طاعة الله أعاقها عجز العقائد القديمة في كثير من البلاد الآسيوية غير الاسلامية عن تلبية احتياجات التطور في المجتمعات المعاصرة, او عجزها عن الاجابة عن اسئلة الانسان المعاصر. ويري هانتنجتون ان المنطقة الاسلامية هي التي تملك وحدها مفهوما دينيا وبناء فكريا متكاملا من شأنه ان يغير جوانب الحياة كلها عند الفرد والجماعة, وفق مبادىء وعبادات واضحة ان الاسلام هو الذي يلبي حاجات البشر المعاصرة وهو الذي يجيب عن نوع الاسئلة التي يطرحها لي كوان (قائد سنغافورة) عن دور الانسان وجدوى حياته. ويرى هانتنجتون ان الانبعاث الاسلامي المعاصر لا يمثل امتدادا تلقائيا لحالة التدين التي كانت قائمة دوما عند بسطاء الناس في الارياف, فالحركة الفنية المعاصرة يقودها مثقفو المدن واصحاب القدرات القيادية والفنية المتميزة وهذه الحركة العارمة لا ينبغي ان تختزل ــ كما يرى هانتنجتون ــ في عدد محدود من الاحزاب او الهيئات الاصولية فالبعث الاسلامي اعمق واوسع من ذلك بكثير انه حركات المجتمعات الاسلامية بكل فئاتها. وقد لاحظ هانتنجتون انه لا توجد الآن دولة اسلامية واحدة ــ ايا كان نظامها ــ على الحال الذي كانت عليه منذ خمسة عشر عاما من حيث موقفها من الاسلام. وفي سائر البلاد الاسلامية لم يعد بوسع اية حكومة ان تفاخر بعلمانيتها وتبعيتها للنموذج الحضاري الغربي, بل اصبح الاستقرار في الحكم يفرض على القادة والحكام ان يعلنوا ولاءهم للاسلام. وخلاصة ما قدمه هانتنجتون في دراسته العلمية تلك يقضي تماما على اي تشاؤم بالنسبة لمستقبل الاسلام ويؤكد ان عودته منتظرة على مستوى عالمي, وان كان هو يفعل ذلك تحذيرا منه ودعوة لمقاومته, انحيازا منه لثقافة الغرب وحضارته, وهذا امر مفهوم. وهنا تبدو ملامح نصرة الاسلام في مستقبل الحضارة خصوصا اذا لاحظنا بعض الظواهر التي تبدو امامنا منذ الآن ومن اهمها: * ان العالم المسيحي صائر حتما الى الاخذ بوجهة نظر الاسلام عن المسيح, وهذا ما تؤكده الدراسات التي يقوم بها اللاهوتيون الكبار في اوروبا, وان الملحدين في العالم يتحولون ــ كما نرى ــ الى الاخذ بدين من الاديان اذ هم يتناولون الحادهم كدين وهم سوف يلتفتون حتما الى اجراء المقارنة بين ديانة الالحاد,وبين الاديان الاخرى, وليس غير الاسلام دين يصلح لمخاطبة هذا العقول وان عالم القوة النووية صائر حتما ــ كما نرى ــ الى فقدان القدرة على استخدامها, ولو تعجل في استخدامها لكان ذلك ضد مصلحة العالم الذي يملكها, اذ تتساوى حينذاك في الخراب جميع الاقدام. ويبقى عبء خطير على العاملين في مجال الدعوة الاسلامية ان يعدوا انفسهم لهذا الميلاد بالتخلص من سلبياتهم, ومنها ما نقع فيه بعض فصائلهم من عنف احمق تارة وخشونة في الاسلوب تارة ومن نظرة تشاؤمية للمستقبل تارة, ومن فقر في القدرة على الاجتهاد تارات. والمسلم مدعو بعد ذلك لتدبر آيات الله في تاريخ الحضارات. وفي كتابه الكريم ليعرف موقفه من التفاؤل والتحدي, والله تعالى اعلم.

تعليقات

تعليقات