استشراف التعليم الخليجي: بقلم- د. أحمد خليفة علي السويدي - البيان

استشراف التعليم الخليجي: بقلم- د. أحمد خليفة علي السويدي

في الفترة ما بين 17ــ19 فبراير 1998م, شهدت دولة البحرين فعالية تربوية مهمة ألا وهي ندوة, (استشراف مستقبل العمل التربوي في دول مجلس التعاون الخليجي ــ اتجاهات وخيارات . وكمشارك في هده الندوة, وإيمانا بأن قضية التربية والتعليم من المسائل التي لابد من مشاركة المجتمع في تدارس أمورها كانت هذه الافكار, التي رسمت ملامحها الاولى في جو المنامة الذي يشرح الصدر بعبق الخليج. استشراف المستقبل تعودنا أمة العرب على التفكير في الحدث بعد وقوعه, ولما نقل بعد أن الانسان منحه الله تعالى آليات لدراسة المستقبل, وهذا ليس رجما بالغيب ولكنه استثمار للواقع من أجل رسم ملامح صورة المستقبل. وهذا ما قام به مشكورا مكتب التربية العربي لدول الخليج العربي بتكليف من أصحاب المعالي وزراء التربية والمعارف في دولنا. فقد كلف المكتب نخبة من أهل الاختصاص لدراسة بعض القضايا المؤثرة والمتأثرة بالتربية والتعليم, فكان من أهم هذه الدراسات, (مؤشرات النمو الكمية التربوية في ضوء الاسقاطات السكانية والاقتصادية خلال العقدين المقبلين في الدول الاعضاء) , والتي وفق في اعدادها الزميل الدكتور عبد الرزاق الفارس. وهذا الدراسة انطلقت من الاحصاءات المتوفرة في المنطقة عام ,1995 وجال بالحضور مع شكل هذه الأرقام حتى عام ,2015 مما أذهل الناس بالأرقام الجديدة, وصدمهم بهذا التحدي القوي. لقد تعودنا من التقارير الرسمية ان اوضاعنا الاجتماعية والتربوية دائما هي تحت السيطرة وضمن المخطط له. لكن دراسة الدكتور الفارس رسمت عند الحاضرين صورة مغايرة لمحاور مهمة لمستقبل الخليج الا وهي: اعداد السكان في الخليج عام ,2015 الحاجات التعليمية, وتمويل التعليم, ثم علاقة التعليم بسوق العمل. وأما الدراسة الثانية فكانت حول (الاتجاهات العامة للتربية والتعليم في الدول الاعضاء) , من اعداد الدكتور راشد بن حمد الكثيري والذي حاول خلال دراسته حصر ما توفر من تقارير ودراسات وبحوث تربية متعلقة بدول الخليج, ومن ثم تحليلها وتحديد عناصر القوة والقصور فيها ورصد توجهاتها وتوصياتها ونتائجها بهدف إيجاد صيغ واتجاهات مستقبلية للتربية في الخليج. ومن الدراسات التي قدمت في الندوة بتكليف من مكتبة التربية, (الاتجاهات المجتمعية العامة ذات العلاقة بالتربية والتعليم في مجمل الدول الاعضاء) , للدكتور باقر النجار, وعلى عكس الدراسات السابقة جاءت هذه الدراسة لتحمل آراء الباحث في معظم الأمور دون الرجوع الى مصادر علمية دقيقة فكان هناك المراجع القديمة التي لا يمكن استشراف المستقبل خلالها وغلب عليها الجانب الفلسفي التنظيري. ومن الدراسات الرائدة في الندوة (توجهات الدراسات العالمية المستقبلية العامة ومغازيها التربوية) , من إعداد الاستاذ الدكتور محمد الخطيب, حيث تفحص الباحث ما يقارب 413 دراسة مستقبلية في العالم دارت حول السياسة والاقتصاد والاجتماع والاعلام, والعلوم التقنية والتربية. وخلص في نهاية الدراسة الى بعض الاستشرافات المستقبلية لفلسفة التربية وأهدافها وهياكل وبنى التعليم وادارته. كما تطرق الى تكنولوجيا التعليم, والمناهج وطرق التدريس. ومن الدراسات التي قدمت وكان لها حظها الوافي من النقاش دراسة, (الاتجاهات العامة للاصلاح التربوي في العالم) , للدكتور حميد السليطي والدكتور احد الصيداوي. وكان الباحثان قد سطرا في الورق المكتوب مواقفهما بدقة وأظهر عرضهما الشفهي للدراسة الفجوة الواسعة بين الباحثين في الرأي وخصوصا عند التطرق لموضوع ارتباط التربية بالاقتصاد. جلسة الخبراء وفي اليوم الثاني من أعمال الندوة كانت هناك العديد من النماذج العالمية لتربية المستقبل التي مثلها مندوبون من دول العالم المختلفة ومن ذلك: فران هيرجرتي من استراليا, البرفسور كم من كوريا, كوردوا من اليابان, البرفسور تويمان من كندا, البرفسور هاورد ديدسبيري وزميله برين من الولايات المتحدة, ومن أوروبا البرفسور بوث من بريطانيا, والدكتور جريم من ألمانيا, وغيرهم من بعض الدول العربية. وبالرغم من أهمية وجود الخبراء الأجانب في مثل هذه اللقاءات, الا أن أبحاث بعضهم كان دون المستوى المطلوب, ولم تحقق الأهداف المنشودة. كما أن مدة عشر دقائق التي أعطيت لكل متحدث لم تمكنه من بسط البحث حول دولته واكبر نتيجة توصلت اليها من هذه الجلسات: كانت مدى اهتمام كل دولة من هذه الدول بقيمها ومبادئها, فلم تجرفهم عالمية العلم الى الانسلاخ من ذاتيتهم. وثيقة المستقبل جاءت هذه الوثيقة خلاصة للدراسات والمناقشات واللقاءات التي خطط لها مكتب التربية, وتقع في ما يقارب أربعين صفحة. فكانت عملا رائدا, حوت ملامح واضحة لحالة تعليمنا في المستقبل. فاستحق القائمون عليها منا جزيل الشكر والعرفان فقد حوت هذه الوثيقة خلاصة لواقع التعليم في دول الخليج, وبينت أهمية استشراف مستقبل العمل التربوي, ثم تطرقت الى أهم تحديات المستقبل, ومن ثم ذكرت احتياجات التنمية في المرحلة المقبلة وسمات تعليم المستقبل, واختتمت هذه الوثيقة باتجاهات تطوير العمل التربوي بدول الخليج العربية في المستقبل. لا عطر بعد عروس هكذا قالت العرب في أمثالها, وهكذا كانت ندوة البحرين أنها عرس تربوي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني ولعلنا في نهاية هذه المقالة نقف هذه الوقفات: 1ــ لقد جمعت هذه الندوة نخبة من دول مجلس التعاون ضمت الى جانب التربويين, وزراء التربية ووكلاءهم والتجار وأصحاب الخبرة الاقتصادية.. وكان للمرأة دور مهم في هذه الندوة التي احتفلت بوجود نخبة من رائدات الفكر في دول مجلس التعاون. وقد نجحت الزميلة الدكتورة موزة غباش في طرحها المعتدل الذي كان له مكانته في قاعة الندوة, وكذلك جل ممثلات دول الخليج. والمرأة كانت مغيبة عن محافل التخطيط الاستراتيجي وحتى في قضاياها, وكان الرجل يقوم بكل ذلك. 2ــ عند إيجاد آلية لتنفيذ توصيات الندوة حصل جدل كبير ومرجعه اختلاف دول الخليج في ظروفها الخاصة. فبالرغم من تقارب دول المنطقة في جوانب كثيرة إلا أن لكل دولة تحدياتها الذاتية وهذا يتطلب من جهات الاختصاص تشكيل لجنة على مستوى كل دولة للبحث عن آلية مناسبة لتحقيق توصيات هذه الندوة بعد اقرارها من أصحاب الشأن على مستوى مجلس التعاون. 3ــ نظرا لهذا المزيج المشارك في أعمال هذه الندوة, فهناك افكار مختلفة وأجيال متباعدة لم تكد قاعة الندوة تتفق على رأي يجمع عليه الحضور عدا أهمية التربية لمستقبل هذه الدول. وظاهرة اختلاف الرأي في مثل هذه اللقاءات ــ وإن كانت لا يؤيدها البعض ــ إلا أني أراها مهمة بشرط عدم امتداد الاختلاف خارج قاعة الاجتماعات, والتاريخ هو الحكم في نهاية المطاف على الرأي السديد. 4ــ بين الذاتية والعالمية صراع مرير في المدارس التربوية, فهناك من يغلب الاهتمام بهوية المجتمع وقيمه على الارتفاع ببرامج التربية للمستويات العالمية, لأن ذلك قد يعني الذوبان في مصطلح العالمية. وفي تصوري أن كلا الحسنيين بامكاننا الجمع بينهما فالارتقاء بالبرامج التعليمية الى المستوى العالمي أمر واجب لكي لا نعيش في زمن غير زماننا فمن غير المتصور في الوقت الراهن مثلا, تجاوز المتعلم مرحلة الأمية وهو لا يتعامل مع الحاسوب. وفي نفس الوقت أثبتت تجارب دول العالم ان المحافظة على المستوى العالمي لا يعني التخلي عن الهوية او اللغة القومية. 5ــ عام 2020 هو هدف العديد من الخطط المستقبلية وهذا بالتأكيد لا يعني التربية فقط, فلن تحل مشاكل الدول باصلاح التعليم كما يتوقع البعض, فعملية التنشئة الاجتماعية لها أبعادها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسة... وهكذا تفكر أمم الأرض. وكذلك ينبغي ان تكون الأهداف بعيدة المدى, وهذا بحاجة الى أموال طائلة لتحقيقها, ولا ينبغي ان نفكر في جني الثمار بعد عام أو عامين فالتربية استثمار بعيد المدى. كانت هذه إطلاله سريعة على ندوة استشراف مستقبل العمل التربوي في دول الخليج العربية, جلت خلالها مع القارىء الكريم لقناعة مني ان التربية مسؤولية الجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات