هل ضرب العراق هو بداية مسلسل حرب الحضارات

أثناء جولتي في دولة قطر ودولة الامارات العربية المتحدة ومصـر خلال هذا الشهر سعدت جدا باللقاءات المنعشة التي جمعتني بأبنائي المثقفين العرب وبجمهور المستمعين لمحاضراتي وكنت في كل مناسبة من المناسبات اطرح برنامجا طموحا يتمثل في مجابهة الطغيان احادي القطب اقتصاديا وثقافيا. لكني حين اشعر بان اغلب جمهوري متحمس لهذه القضية لا يفوتني ان الاحظ بعض الشك لدى اقلية من جمهوري العربي الكريم... اقول بعض الشك في امكانية تضامن عربي ــ اسلامي ــ صيني ــ عالم ثالثي ضد الهيمنة التي تلبس لبوس العولمة وترتدي قناع النظام العالمي الجديد وتنادي بشعارات (القانون الدولي) و(شرعية الامم المتحدة) !! وعندما الاحظ ذلك الشك العربي في جدوى التضامن ازاء المظالم اخاطب ابنائي العرب بلهجة ربما لم يعهدوها قائلا لهم: ان المستحيل الوحيد في العالم هو المستحيل ذاته. فلا امر يستعصي على الارادة ــ ارادة الفرد او ارادة الشعب ــ اذا ما قبلنا التضحية قليلا من اجل تحقيق طموحاتنا وحماية حقوقنا وليس هناك مستحيل الا في القضايا التي نرفض التضحية من اجلها. اما ما عدا ذلك فأمور ممكنة التحقيق وقابلة للانجاز ثم ان خصومنا وسالبي ثرواتنا واعداءنا الصهاينة المتطرفين ربما شعروا اننا كعرب ومسلمين نتردد في قبول التضحيات ونمتنع عن استعمال اسلحة المقاطعة الاقتصادية ولذلك فهم يسوموننا بثمن بخس ولا يقرأون حسابا لردود افعالنا بل يمعنون في سلب خيراتنا واستعمال اموالنا ضد مصالحنا وتوجيه ثرواتنا الى اعدائنا وتدريجيا وضعنا على هامش الحضارة باذلالنا واماتتنا ونزع قدراتنا. نعم ان هذه التحديات التي نراها اليوم في التهديد الامريكي الاسرائيلي المشترك بضرب العراق وفي تخفيض سعر بترولنا كما يشاءون وفي مواصلة العنجهية الصعلوكية الليكودية بقيادة نتانياهو وشارون لاحتلال ارض فلسطين وانتهاك مقدسات فلسطين... وكذلك في اغراق اجيالنا العربية بالشرائط العنيفة الفاسدة والموجهة واغراق مناهجنا التربوية بسيادة العجرفة واحلال قانون القوة عوضا عن قوة القانون. كل هذه التحديات تستدعي منا كمسلين وقفة صامدة رائعة تتمثل في الدعوة لعقد مؤتمر باندونج رقم 2 فقد كان الاول الذي انعقد سنة 1955 جامعا لزعماء كبار امثال جمال عبدالناصر من مصـر وجوزيف بروز تيتو من يوغسلافيا وشوان لاي من الصين واحمد سوكارنو من اندونيسيا وجواهر لال نهرو من الهند وكان همهم ان ينقذوا شعوبهم التي كانت تمثل نصف البشرية من ويلات الحرب الباردة الدائرة في الخمسينات بين واشنطن وموسكو حيث كان العالم ثنائي القطبية غارقا في حرب يقال عنها باردة لانها لم تمس مباشرة الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي ولكنها كانت حربا ساخنة في كوريا والهند الصينية والجزائر والمجر والبلقان وسيبيريا... اي الحروب التي تخاض بالوكالة. وقد توجهت بخطاب فيه الحماس وفيه العاطفة الجياشة للجمهور العربي في قطر ودولة الامارات ومصـر لاني كنت اشعر باني اخاطب القلوب والمشاعر فقلت اننا يجب ان يرانا العالم برؤوسنا المرفوعة ووجهونا العازمة لا ان يرى تعابير اليأس والخوف وعيونا تبدو كأنها مثقلة بنعاس القرون الخوالي واحباط السنوات العجاف وساعتها حين يتأكد اعداؤنا من صحوتنا ونهضتنا فانهم سينسحبون مغلوبين مدحورين وسنرى خليجنا الذهبي وقد خلت سماؤه الزرقاء الرائعة من دخان حاملات الطائرات والبوارج الحربية لترتفع في سمائنا بدلا من ذلك الراية الخضراء, راية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عالية خفاقة خضراء كنسغ الحياة في النبات خضراء كالحياة نفسها. بهذه الوقفة وحدها سوف نعيد الامل لاكثر من مليار مسلم واكثر من اربعة مليارات مستضعف في الارض ما بين مسلمين وصينيين وابناء العالم الثالث في افريقيا واسيا كلهم يعانون من الديناصور المتفرد بالقوة العسكرية والاعلامية العملاقة ومن وكيله بمنطقة الشرق الاوسط اسرائيل الدولة الخارجة على القانون. فالذي يجري اليوم في الشرق الاوسط هو الحلقة الاولى المأساوية من مسلسل ما يسميه منظر البنتاجون صموئيل هنتنجتن بحرب الحضارات تلك الحرب التي اعلنوها وشنوها واعدوا لها العدة ونحن غافلون, فحرب الحضارات هذه حرب عنصرية وقد تظاهر الشباب الامريكي نفسه في يوم الاربعاء 18 فبراير في جامعة اوهايو ضد الثالوث: مادلين اولبرايت ووليام كوهين وصمويل برجر رافعين يافطات كتبوا عليها (اوقفوا هذه الحرب العنصرية ضد العراق والعرب) . وقد فهم الشباب الامريكي وقوى الحرية في تلك البلاد بان هذه الحرب عنصرية عدوانية ضد العرق العربي والدين الاسلامي بلا مبررات مقنعة. فكيف لا يفهم الشباب العربي المسلم هذه الحقيقة وكيف نخضع لمنطق القوة ونستسلم للطاغوت المعربد؟ انها الحرب الحضارية التي نظر لها صموئيل هنتنجتن في كتابه الصادر في صيف 1993 وسماه بصدام ام الحضارات وهي نفس الحرب الحضارية التي تسعى اليها سياسة اسرائيل منذ مؤتمر (بازل) سنة 1898 حين اعلن اب الدولة اليهودية (تيودور هرتزل) بان دولة اسرائيل ستكون قلعة متقدمة للحضارة اليهودية المسيحية ضد (البربرية الشرقية) . فالمخطط اذن قديم وخطوطه الكبرى جاهزة وضحايا الحرب مستهدفون ومعروفون. فلنحبط ذلك المخطط!

تعليقات

تعليقات