في زمن العجائب: بقلم - جلال عارف

ياميت ندامة على امة تبدد تاريخها, وعلى مسؤولين يعتزون بجهلهم, ويدمرون ذاكرة الوطن حين يفرضون عليه ان يحتفل بالهزائم, ويتغنى بعظمة من احتل ارضه واستباح مقدساته.. بينما تمر ذكرى الانتصارات والاحداث العظيمة في تاريخنا فيفرض عليها الصمت والتعتيم . لو اننا نحترم انفسنا ونحترم تاريخنا كما ينبغي, لكنا مشغولين منذ بداية العام على الاقل بالاحتفال بذكرة عزيزة على قلب كل عربي.. ذكرى قيام اول دولة للوحدة بين مصر وسوريا قبل 40 سنة من الآن. لكننا حتى قبل ازمة العراق وتداعياتها كنا مشغولين بما هو اهم واخطر.. كانت اجهزة الاعلام مشغولة بمعارك (فوازير رمضان) ومن كسب فيها ومن خسر, بينما كانت وزارة الثقافة بقيادة وزيرها (الفنان) مشغولة بترتيبات الاحتفال المشترك مع الفرنسيين بمرور مائتي عام على الغزو الفرنسي لمصر وآثاره العظيمة (!!) على مصر واهلها.. واولهم السيد الوزير الفنان نفسه الذي قبض ثمن (الجريمة) معرضا أقاموه له في باريس.. وفي متحف اللوفر نفسه, تقديرا لخدماته الجليلة.. لفرنسا طبعا! كان العقل والمنطق والوجدان والضمير الوطني.. كلها كانت تحتم ان يكون احتفالنا بالذكرى العزيزة مناسبة يستعيد فيها الشارع العربي شيئا من توازنه المفقود, ونمارس فيها جميعا حقنا في الدراسة والنقد واستخلاص الدرس, ونثبت فيها لانفسنا اولا, وللعالم ثانيا, ان الحلم لم يمت, بل انه يثبت كل يوم انه الامل الوحيد الباقي لانقاذ الامة. ولكننا في زمن العجائب... وهكذا يقود وزير الثقافة ــ وبأموال الحكومة حملة الاحتفال بغزو نابليون لمصر, ويبذل كل الجهد لتوريط المثقفين المصريين في احتفالاته المشبوهة, وتبلغ به الصفاقة ان يظهر في برنامج تلفزيوني ليصف من يعارضون هذه الفضيحة بأنهم جهلة ومتخلفون! بينما تسدل الستائر على مناسبة قومية مثل مرور اربعين سنة على قيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا بكل ما تعنيه في تاريخنا.. ومستقبلنا. ان كل الظروف ــ حتى قبل ازمة العراق ــ كانت تحتم ان يكون احتفالنا بذكرى الوحدة هذا العام مختلفا ومتميزا. * فمن ناحية.. لم تعد الحملة الامريكية موجهة لتمزيق العالم العربي والسيطرة على ثرواته فقط, وانما امتدت الحملة الى فكرة العروبة ذاتها, مستغلة في ذلك ظروف فرضتها امريكا على المنطقة والعالم, واخطاء برع حكامنا في ارتكابها, ولعلنا نذكر هنا كيف ارتفعت اصوات بعض المسؤولين العرب(!!) بعد حرب الخليج الثانية لتتحدث عن خرافة العروبة (!!) بينما امريكا تهلل لعصر جديد تسقط فيه القوميات لتسيطر الشركات العملاقة.. الامريكية طبعا, ويتفكك فيه العالم العربي الى دويلات صغيرة في شرق اوسط جديد خاضع تماما للهيمنة الامريكية, وتقوم بالادوار الاولى فيه اسرائيل وتركيا كقواعد امريكية مدججة بالسلاح وبالعداء لكل ماهو عربي. وفي مواجهة هذه الحملة فإن احد اسلحتنا الباقية ان نتحصن بجذورنا الثابتة وان نتمسك بكل قوة بالصفحات المضيئة في تاريخنا القريب والبعيد, وان نستعيد الايام المجيدة لاجيال لم تعرف الا طعم الهزيمة, ولم تشهد الا الانحسار العربي على كل المجالات, وتتعرض لابشع عمليات غسيل المخ لتؤمن ان تفوق عدوها ابدى, وان تخلفها وانهزامها وتفككها هو قدرها المحتوم. * ومن ناحية ثانية فإن التجربة تثبت يوما بعد يوم للعرب جميعا بمن فيهم هؤلاء والذين حاربوا وحدة مصر وسوريا قبل اربعين عاما ان الوحدة لم تعد حكم التاريخ فقط, ولكنها حكم المصلحة وضرورة المستقبل في عالم لايحترم الا الاقوياء. لقد تحالف الجميع ضد وحدة مصر وسوريا حتى سقطت بعد ثلاث سنوات, فماذا كانت النتيجة؟ اقرار من الجميع بأنه لاتنمية حقيقية ولاتقدم حقيقي في ظل التجزئة, كل التجارب القطرية لم تستطع الصمود ولم تحقق الآمال, وفي ظل التجزئة ضاعت الثورة العربية وتبددت الثروة العربية, ووصلنا الى الوضع الحالي.. حيث اصبح الوجود العربي محل تساؤل! وفي ظل هذه الظروف تجدد اليقين بأنه لا مستقبل للعرب الا في وحدتهم, واصبحت السوق العربية المشتركة مطلبا قوميا حتى من الذين وضعوا العقبات امامها ذات يوم قريب! وادرك الجميع ان الامن القومي وحدة لاتتجزأ, وان امن الخليج لايمكن فصله عما يحدث في الجزائر, وان حصار ليبيا والسودان وضرب العراق ليس الا خطوة على الطريق لفرض الخريطة الامريكية للمنطقة, وان حصار مصر كان وسيظل هدفا لامريكا واسرائيل لكي تتم السيطرة على المنطقة وضرب كل الاهداف القومية, وتكفير العرب بعروبتهم, والانتهاء بهم الى السجن في بيت الطاعة الامريكي. * كل ذلك كان قبل الازمة العراقية الاخيرة التي داهمت بها امريكا المنطقة, والتي وحدت الشارع العربي كله في رفض العدوان المبيت.. ليس على العراق وحده ولكن على الامة العربية كلها. ازمة العراق الآن تعرى السياسة الامريكية كما لم يحدث من قبل وتكشف الاصرار على ضرب اي قوة عربية واستنزاف اي ثروة عربية, والحرص على تفكيك الوطن العربي ومنع اي محاولة للتقارب, وسد اي طريق للمصالحة العربية. في ظل هذه الظروف كلها تدرك الامة العربية الآن.. بكافة فصائلها ــ اي حصاد مر تجنيه من سنوات التمزق والتجزئة, وتأتي الفرصة ــ مع ذكرى الوحدة الاربعين ــ لتوفر مناسبة لابد من الوقوف عندها.. ندرس ونتعلم من نجاحنا وفشلنا, نتذكر ونحاسب انفسنا قبل ان نحاسب الآخرين, نبحث عن احلامنا الضائعة ومستقبلنا المهدد نضع البدائل الممكنة في طريق الوحدة الذي لا طريق غيره امام العرب اذا ارادوا ان يكون لهم مكان تحت الشمس. كان المفروض ان نبدأ من شهور وطويلة في الاعداد للاحتفال بالمناسبة كما ينبغي, ولكننا كنا مشغولين بالاهم.. وكانت اجهزة الاعلام تخوض معارك الفوازير والمسلسلات التي لم يعد صوم رمضان يصلح الا بها, وكانت اجهزة الثقافة مجندة للاحتفال المشبوه باحتلال نابليون لمصر تحت رعاية الوزير الفنان وبطانته الفرنساوية! ورغم ذلك كله, ورغم الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة, فمازلت آمل ان نشهد اليوم لقاء في القاهرة او دمشق يضم القيادة السياسية في البلدين, ويعلن فيه الرئيسان مبارك والاسد ان الحلم القومي ــ رغم كل شيء ــ لم يمت, وان العروبة ليست خرافة, وان الوحدة هي المصير, وان العمل العربي المشترك هو ضرورة حياة, وان اي خطوة ــ مهما صغرت ــ على الطريق الصحيح سوف تعني الكثير في هذه الظروف. لقاء من هذا المستوى يجعلنا نغفر للعديد من صغار كبار الموظفين العديد من اخطائهم التي يرتكبونها عن جهل او انكسار, وتمسح عن وجه الوطن خطايا البعض التي يرتكبونها بالامريكاني احيانا, واحيانا اخرى بالفرنساوي!

تعليقات

تعليقات