رئيس وزراء أسبانيا وقميص الشرعية الدولية المقلوب: بقلم- الدكتور طلعت شاهين

كثير من الحكام في عالمنا المعاصر المفترض انهم من الصفوة اي من الاذكياء تغيب عنهم تلك الصفة عندما يتعلق الامر بطموحاتهم, او ما يتعلق بأديولوجيتهم واوهامهم الشخصية , ومن يراقب خريطة المواقف التي نتجت عن الازمة الاخيرة التي تعيشها منطقة الخليج العربي بسبب المواجهة التي خلقتها الولايات المتحدة الامريكية لاسباب خاصة بها ترفض الاعتراف بها نجد العديد من المواقف المتناقضة, التي تتنافى في كثير من الاحيان مع منطق العقل, هناك من يؤيد الولايات المتحدة معلنا انه معها وفي الوقت نفسه يخشى (السلامة) فيطالب بتطبيق الشرعية الدولية محملا العراق وحده مسؤولية خرق هذه الشرعية الدولية لكنه يغض البصر ويدعي الجهل بما يحدث لتلك الشرعية الدولية في اماكن اخرى لا تخطها العين, لان الاتجاه بالبصر على الخريطة نحو العراق لابد وان يمر على اسم (اسرائيل) التي لم تنفذ قرارا واحدا من قرارات تلك الشرعية الدولية المفترى عليها منذ اغتصابها للأراضي العربية وقيامها رغم انف التاريخ. الخريطة الاوروبية المفترض انها اكثر تمسكا من غيرها بالشرعية الدولية تكشف عن وجود حكام مصابين بعمى الوان حقيقي بعضهم يحاولون التملص من الاعلان عن مواقفهم انتظارا لما تسفر عنه الاحداث لينضم الى الطرف القوي الذي يملك اجبار الآخرين على الانصياع له, والبعض الآخر يحاول الادعاء بانه لا يرى غير ما ترى الولايات المتحدة باعتبارها القائد ويحاول ان يضلل نفسه والآخرين بالدخول في متاهات التحليلات ذات الاتجاهات المتعددة او استخدام الكلمات ذات المعاني المزدوجة او الجملة ذات الرنين والتي لا تعني سوى التشويش. ما بين هذا وذاك هناك من لا ناقة له ولا جمل في هذه المنطقة, لكنه يعرف ان (سيد العالم) اصبح واحدا وعليه ان يقدم اليوم خدمة لهذا السيد لعله يحتاجه غدا. لا اريد ان اتحدث عن النوع الاول, لانه في النهاية نوع انتهازي, اما النوع الثاني وجدناه بالفعل يحتاج الى شيء من التأمل لانه ينطبق على رئيسي وزراء بريطانيا واسبانيا, كلاهما حديث العهد بالسياسة والسلطة الاول لا يزال يجرب خطه في السياسة الدولية, ويحاول اثبات وجوده فاذا به يتعجل الزعامة الدولية, فيسير على خطى من سار في جنازتهم السياسية (مارجريت تاتشر) و(جون ميجور) تعجله البطولة في السياسة الدولية سمح له بأن يتقدم الركب ويزايد على سياسة اسلافه (الرجعية) في رأيه اثناء فترة الانتخابات ويذهب الى ابعد مما يريد السيد الامريكي فيصب الزيت على نار المواجهة بين كلينتون وصدام, وينسى ان بلاده اول البلاد التي تواجه الاتهام بأنها احدى الدول المنتجة للأسلحة المطلوب تدميرها الآن, وانها احدى صناع تلك الاسلحة في العراق, وما كان لصدام حسين ان يمتلك تلك الاسلحة لولا المعدات التي باعتها له بريطانيا والولايات المتحدة اثناء الحرب العراقية الايرانية. اما رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا ازنار فانه محير بالفعل وتصريحاته المتعلقة بالسياسة الدولية بشكل عام تعكس تخبطا واضحا بين الطموح الشخصي وتحدي شخصية سلفه الاشتراكي فيليبي جونثالث وفي محاولاته هذه للتخلص من ظل جونثالث فقد البوصلة التي يمكن ان تقوده وتقود بلاده الى بر الامان في بحر السياسة الدولية المتلاطم في كل مواجهة منذ وصوله الى السلطة حديث العهد بالتعامل مع السياسة الدولية, وتكشف خطواته الاولى في هذا المجال عن (طفولية) حقيقية, بلاده دخلت حديثا عضوا كامل العضوية في حلف الاطلسي, ومنذ قبولها بعد التنازلات التي قدمتها لبريطانيا فيما يختص بمشكلة الاحتلال البريطاني لجبل طارق يحاول ان يدس انفه في السياسة الدولية ليثبت انه قادر على سد الفراغ الكبير الذي تركه الزعيم الاشتراكي فيليبي جونثالث الذي لعب دورا هاما في العديد من المشكلات العالمية خلال ثلاثة عشر عاما ظل فيها على كرسي رئاسة الوزراء في بلاده, لذلك كانت محاولات رئيس الوزراء الجديد نوعا من التحدي للظل الذي تركه سابقه. لكن هذا التحدي دفع به الى التخبط وكان يجد دائما من يكشفه امام الجميع وعلنا, ويجعله يحمر خجلا, لانه يبدو في الكثير من تصرفاته كصبي انتزعوا منه لعبته, ما ان تولى السلطة حتى سحب سفير بلاده من كوبا دون مبرر حقيقي رغم العلاقات التاريخية التي تربط بين البلدين, بغض النظر عن الحاكم ولا نوع الحكم في كلا البلدين, ويبدو انه اتخذ هذا القرار بشكل منفرد يتنافى مع وجوده على رأس حزب يدعي انه (ديمقراطي) لان قراره هذا فقد فاعليته بقرار من مؤسس حزبه ومن نصبه على رئاسة الوزراء الذي دعى (فيدل كاسترو) لزيارة مسقط رأسه في (جليقيا) فكانت لطمة حقيقية لكنه لم يع الدرس جيدا. ثم كانت خطوته الثانية في الاتجاه الصبياني نفسه عندما حضر اجتماع مؤتمر الدول الايبرو امريكية التي تلعب فيها اسبانيا دورا هاما باعتبارها الدولة الام, فقرر الانتقام من فيدل كاسترو لانه تركه في العراء في المرة الاولى فاطلق التصريحات النارية ضد كاسترو قبل حضور الاجتماع, واعلن انه سيطلب من باقي دول امريكا اللاتينية عزل كوبا حتى يرضخ كاسترو للارادة الامريكية ويفتح ابواب الجزيرة على مصراعيها امام الرأسمالية العالمية, وقبل ان يفيق من تصريحاته جاءته (اللطمة) او (قرصة الاذن) علنية من الملك خوان كارلوس الذي قرر ان يلقنه درسا في السياسة الدولية امام كاميرات التلفزيون, عندما ترك مكانه في الصورة الرسمية لفيدل كاسترو وجذب رئيس وزرائه طالبا منه ان يبتسم الى جوار الزعيم الكوبي فكانت ابتسامة الملسوع. وقبل ان يعود الى بلاده كان كلينتون يجري تجاربه على كيفية الهروب من فضائحه الجنسية التي بدأت تدق ابواب المحاكم وتهدد وجوده في البيت الابيض وكالعادة لم يجد امامه هدفا سهلا يصب عليه غضبه وغضب جيرانه ومحبيه وكل المتعاطفين معه سوى صدام حسين, ورغم انه في تلك الايام كانت المسألة بالنسبة للرئيس الامريكي مجرد تجارب انتظارا لما تسفر عنه التحقيقات الجنسية, فاذا برئيس وزراء اسبانيا يتعجل اقتناص اي فرصة سانحة لاعلان انه (فارس مقدام) في ساحات الوغي فلم ينتظر العودة الى بلاده لاستشارة وزرائه وزعماء المعارضة كما تقتضي القواعد الديمقراطية, فاعلن من السلفادور التي كان يزورها, انه يضع جميع القواعد العسكرية وغير العسكرية تحت تصرف (سيد البيت الابيض) ليضرب من يريد. لكن تراجع كلينتون عن قراره وضع رئيس وزراء اسبانيا في موقف حرج امام الرأي العام في بلاده, وواجه انتقادات لاذعة من المعارضة التي اعتبرت تصرفه (صبيانيا) ويفتقد الى الخبرة, ومسيئا لمصالح اسبانيا في المنطقة العربية التي تعتبر الحد الجنوبي لبلاده, والمرشحة لأن تكون اكثر من شريك من خلال المشروع المتوسطي. في هذه الازمة الجديدة بدا كما لو كان اكثر حرصا, واثر ان يخبر زميله البريطاني (محدث السلطة) مثله بأن ينقل لسيد البيت الابيض سرا انه على استعداد لمساعدته لضرب صدام حسين, حتى يحول الانظار عن فضائحه الجنسية, ولانه لم ينتبه الى ان (توني بلير) قليل الخبرة مثله, فانه في هذه المرة لم تسلم الجرة ايضا لان رئيس الوزراء البريطاني يفتقد ايضا الى الخبرة والحنكة في مجال السياسة الدولية, فاذا به يفشي اسرار (حليفه الاسباني) ويعريه امام مواطنيه بتصريحات علنية لقناة (السي ان ان) اكد فيها ان خوسيه ماريا ازنار اخبر بموقفه في حديث تلفزيوني طلب منه عدم الاعلان عنه وكانت الفضيحة مدوية لان الشعب الاسباني علم بقرار رئيس وزرائه عن طريق رئيس وزراء اجنبي ومن خلال قناة تلفزيونية اجنبية. بعد هذه الفضيحة السياسية لم يجد رئيس الوزراء الاسباني امامه طريقا آخر للهروب من المأزق سوى التمادي في الاعلان عن المزيد من التصريحات التي تحدث صليلا ربما يبعد عنه الاعين, تركزت معركته حول الشرعية الدولية ويبدو انه يرتدي قميص الشرعية الدولية بالمقلوب, حيث اكد ان موقفه مع تلك الشرعية الدولية المسكينة التي يحملها الجميع ماسي البشر, وفضائح البعض الجنسية, وانه يرى ان البيت الابيض هو (بيت الطاعة) الذي يجب ان يدخله كل من تخول له نفسه الخروج على تلك الشرعية الدولية لذلك فان تأييده لامريكا وكلينتون نابع من اقتناعه بأنهما يملكان قرارا من الامم المتحدة يخولهما بضرب العراق, وتعجب من الذين يرفضون تأديب من يخرج على الشرعية الدولية لكن تلك الجملة الاخيرة قالها في (السر) حتى لا تسمعه اسرائيل فتعتقد انها معنية ايضا بقرارات الامم المتحدة فتصب عليه نار غضبها, وربما تتهمه بمعاداة السامية وتطالبه بتعويضات عن (السفارديم) اليهود الذين طردهم اجداده الملوك الكاثوليك مع الموريسكيين بعد سقوط غرناطة العربية قبل خمسة قرون. اذا كان افتقاد رئيس الوزراء الاسباني للحصافة والخبرة والحنكة في السياسة الدولية كشفه فيها في المرة الاولى زعيمه السياسي وفي المرة الثانية ملك بلاده, الملك خوان كارلوس, كانت الثالثة على يد احد موظفيه (!) لأن سفير اسبانيا لدى الامم المتحدة يبدو انه لم يكن يعلم بمضمون تصريحات رئيس وزراء بلاده او انه كان يعلم لكنه قرر ان يخلص ضميره ويقول الحقيقة فاعلن من مقره بالامم المتحدة ان امريكا لا تملك (شرعية دولية) تخولها ضرب العراق, وانه عليها ان تلتزم بتلك الشرعية الدولية ولابد من صدور قرار من مجلس الامن بهذا الشأن, والا فان كلينتون يصبح مثل صدام حسين مطلوب تأديبه ايضا لخروجهما معا على الشرعية الدولية فتحولت (تراجيديا) السياسة الدولية لرئيس وزراء اسبانيا الى (تراجيكوميديا) خاصة انه بقي وحده على الساحة السياسية يدافع عن السياسة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط لان الامر لم يقف على الاحزاب المعارضة فقط بل ان وزير خارجيته كان اكثر حرصا وحاول التململ من الموقف الامريكي و(شبيبة) الحزب الحاكم اعلنت انها ضد ضرب العراق وطالبت رئيس الوزراء ان يبعد اسبانيا عن اخطار السياسة الامريكية. كاتب مصري يقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات