أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان - البيان

أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

أذكر من جملة أشياء لا تزال محفورة في الذاكرة, أن عمراً لا بأس به من سنوات الدراسة, قضيناه ونحن نذهب كل صباح إلى المدرسة مشياً على الأقدام, ولم تكن مدارسنا يومها قريبة فتبدو من سور المنزل كما قد يعتقد البعض, ومع ذلك فقد كنا مجبرين على هذه الرحلة اليومية , لقد كانت مشواراً قدر علينا ان نمشيه لان الأمور كهذا يجب أن تكون. وبطبيعة الحال, فإن دوام الحال من المحال, فقد تغيرت الأوضاع سريعاً, ومن جملة الأشياء التي طالها التغيير كما يبدو تلك الممارسات التي كانت قوانا وأعضاؤنا تقوم بها كطقس حياتي يومي فرضته ظروف الحياة الضاغطة بمناخاتها الاقتصادية والتقنية والمادية السائدة يومها, فإذا بها تختفي تماماً, ومنها على سبيل المثال لا الحصر ممارسة المشي التي تحولت ترفاً ورياضة ندفع لأجلها أموالاً طائلة كي نحظى بمتعة ممارستها. وفعلاً انتهت - أو يبدو انها كذلك - المهمة التي من أجلها خلق الله لنا الأرجل, فما عدنا نستخدمها لا للمشي للمدارس ولا للمشي للعمل, ولا للمشي للأسواق ولا للزيارات ولا .... والحمد لله اننا ما زلنا نستخدمها في حركة التنقلات (الشاقة) بين المكاتب والمرافق المختلفة في المؤسسات التي نعمل فيها. وشكراً لفرصة السفر التي نستعيد فيها ذاكرة المشي والحركة والتحرر من استعمار المقاعد. لماذا لا يتحرك الناس؟ لان طبيعة الحياة فرضت عليهم هذا الخيار, ما أسهل الانصياع لحتمية الظروف. الغريب أن ارسطو الفيلسوف اليوناني المعروف قال منذ أكثر من ثلاثة وعشرين قرنا, بأن العضو الحي الذي لا يستخدم يندثر أو يتلاشى. ومنذ أيام ارسطو وحتى اليوم والظواهر اليومية للحياة تؤيد هذا القول. وعليه فان أغلب الرجال والنساء من كبار السن عندنا وصغارهم يعانون من أمراض الروماتيزم والسمنة والسكر ومتاعب الحمل والولادة وتدني مستويات اللياقة والنشاط وبالتالي ازدياد حالات الكآبة وعدم الرغبة في ممارسة الحياة خارج جدران الغرف والمنازل المدججة بالأسمنت والمكيفات. الدعوة لممارسة الرياضة, وخاصة رياضة المشي عادت مجدداً كضرورة توازي ممارسة حق الحياة بطريقة سليمة, بفعل تأثيرات السفر والوعي الصحي, وبرامج الرياضة المستوردة وهوس الناس بالرشاقة, اضافة لجهود الفضائيات العربية وبرامج كلوديا شيفر و(طيبة الذكر) هيفا! لكن الملاحظ انه ومع تزايد هذا الوعي الجيد, إلا ان ممارسة صحية وسليمة وحضارية كرياضة المشي غالبا ما تمارس عندنا بشكل خاطئ, سواء كان الخطأ من حيث التوقيت أو المواظبة أو الاستعداد الضروري بالملابس والأحذية المناسبة والفحص الطبي المطلوب... إلخ. أمر آخر نؤكد عليه هو ان وعيا اجتماعيا مطلوبا من الكثيرين (وخاصة الرجال) لتقبل هذه الممارسة من الجنس الآخر (النساء) والتقبل هنا يعني احترام حقهن في المشي في المكان والوقت الذي يخترنه طالما كان مناسباً لهذه الممارسة, بعيداً عن المضايقة والنظرات المشاكسة والكلمات التي لا داعي لها اطلاقا ومنبهات السيارات ذات المغزى المعروف... إلخ. لنحترم حق بعضنا البعض قبل أن تتلاشى قدرتنا على الحياة بشكل صحيح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات