مشروع بناء السودان الحديث: بقلم - الصادق المهدي

عندما وقع انقلاب يونيو 89 كانت الديمقراطية الثانية في السودان على أعتاب مؤتمر دستوري يعقد في 18 ديسمبر 1989 للتفاوض بشأن اتفاقية سلام عادل تضع حداً للحرب الأهلية. وكانت ارهاصات السلام قد ظهرت فكان هناك وقف لاطلاق النار مستمر . وكان هناك اتفاق شريان الحياة الذي بموجبه سمحت أطراف النزاع للمنظمات الإنسانية مواصلة عملها لاغاثة المتضررين في مناطق العمليات الحربية. وتمهيداً للمؤتمر الدستوري اتفق على عقد اجتماع في اثنين من يونيو 89 كان الانقلاب في بعض أهدافه موجهاً للحيلولة دون قيام المؤتمر الدستوري. وبعد الانقلاب دخل قادته في حوار طرشان مع الحركة الشعبية انتهى إلى تجديد القتال بحدة وشراسة لم تهدأ حتى الآن ولكن من جهة أخرى دخلت القوى السياسية الأخرى باستثناء الجبهة الإسلامية في حوارات مؤتمرات داخل السودان وخارجه توجها لمؤتمر القضايا المصيرية في مدينة اسمرا يونيو 1995. ان القرارات التي اتخذها ذلك المؤتمر انجاز تاريخي وأساس متين للسلام في السودان. ان للنزاع الذي أفضى إلى الحرب الأهلية في السودان جذوراً تاريخية تبنتها الإدارة الاستعمارية في السودان ورسختها وأضافت إليها عوامل تفرقة جديدة. الحركة الوطنية في السودان لم تعط ذلك النزاع الاهتمام الكافي لانها نشأت في الشمال وربما افترضت ان الحالة السياسية في الجنوب مشابهة لما هي في الشمال دون حاجة لمعالجة خاصة. وحتى الأصوات القليلة التي أدركت تلك الحاجة لم تجد التجاوب المطلوب. ولكن المغامرات العسكرية لم تعط القوى السياسية المدنية فرصة تطوير مواقفها لان الانقلابيين احتلوا ثلاثة أرباع عمر البلاد منذ استقلاله وأقدم الانقلابيون في الحالات الثلاث التي استولوا فيها على السلطة على تقويض مشروعات السلام التي كانت تحت الاعداد حتى بدأ لكثير من الجنوبيين أن تعاملهم مع الشماليين يظهر سلسلة من العهود المخروقة. ان المبادئ التي نلتزم بها أساساً للسلام هي: أ ـ اعتبار المواطنة أساساً للحقوق والواجبات الدستورية في السودان. ب ـ التوزيع العادل للثروة والمشروعات التنموية والخدمية في السودان. ج ـ الاعتراف بالتعددية العرقية والثقافية في السودان والتعبير التعليمي والاعلامي عنها. د ـ اعادة هيكلة القوات المسلحة بما يحقق قوميتها وانضباطها وفاعليتها الدفاعية. هـ ـ اجراء استفتاء حر لتقرير المصير وسيلة لاقامة الوحدة الاختيارية وتجديد عهد التراضي الوطني في حدود الجنوب كما نصت الخرائط السودانية في عام الاستقلال (1956) وفق اتفاق اسمرا. و ـ منطقة ابيي إذا عبر أهلها عن طريق استفتاء حر عن رغبتهم في الانضمام للجنوب يحق لهم ذلك وفق اتفاق اسمرا. اننا نلتزم بهذه الأسس التي تدارسناها وراعينا فيها كافة العوامل والمستجدات التي فصلتها وثائقنا المعلنة. ونرفض اتفاقية السلام التي ابرمتها حكومة الخرطوم مع بعض الفصائل الجنوبية والنوبية مع انها استصحبت بعض المبادئ المذكورة نرفضها لثلاثة أسباب: الأول: لانها عقدت مع فصائل معينة دون الأخرى بهدف تعميق الانقسام بين القوى السياسية الجنوبية وتحويل الحرب الأهلية الدائرة إلى نزاع مسلح جنوبي/ جنوبي. الثاني: لانها أبقت على نظام حكم السودان كما هو حكماً دكتاتورياً وهو أمر ترفضه القوى السياسية الأساسية في السودان ويعرض الاتفاق نفسه لخطر لان الدكتاتورية تعطى وتمنع دون ضوابط دستورية. الثالث: لانها غيبت القوى السياسية في السودان فهي في حقيقتها اتفاقية بين أقلية في الشمال وأقلية في الجنوب. كذلك فإن ملاحظاتنا على مشروع السلام الذي قدمه وفد الحركة الشعبية في اجتماع نيروبي أكتوبر/ نوفمبر 1997 للأسباب الآتية: لانه يتعارض مع قرارات اسمرا في يونيو 1995 في تحديد مواقع الحدود بين الشمال والجنوب. ويتعارض معها في المطالبة بالكونفدرالية قبل تقرير المصير. ومنذ نهاية اجتماع نيروبي تمت لقاءات بيننا وبين قادة الحركة الشعبية أوضحوا فيها الظروف الخاصة التي أدت للعرض الذي قدمه وفدهم في اجتماع نيروبي وأكدوا فيها التزامهم الأكيد بقرارات اسمرا. تأكيدا نرحب به لان تلك القرارات من أهم انجازات الحركة السودانية الحديثة والمحافظة عليها واجب وطني. التنمية المستدامة سبقت بريطانيا العالم بالثورة الصناعية والتنمية الرأسمالية. وفي مرحلة لاحقة نشأت أفكار مضادة شجبت عيوب الرأسمالية ونادت بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتوزيع. هذا النهج تبنته الثورة البلشفية التي أقامت الاتحاد السوفييتي الذي قام اقتصاده على ملكية الدولة لوسائل الانتاج والتوزيع. كان للايديولوجية الشيوعية ونهجها الاقتصادي الجماعي بريق استمال قطاعاً كبيراً من الإنسانية المتطلعة للتنمية والعدالة. أثناء نصف القرن الماضي وفي مجال التنافس بين النظامين تفوق أداء النظام الرأسمالي لا في مواطن نشأته الغربية فحسب ولكن في اليابان وفي بلدان شرقي أسيا مما أدى إلى انتصار اقتصاد السوق الحر والتخلي عن دور الدولة كمالك ومدير للاقتصاد والتبشير في أوساط كثيرة بأفضلية اقتصاد السوق الحر. أما القراءة الصحيحة لحقائق التنمية الاقتصادية الناجحة لا تبرر الغاء دور الدولة الاقتصادية تماماً. نعم تؤكد تلك الحقائق جدوى اقتصاد السوق الحر لكن إذا تقاعس دور الدولة لن يوجد سوق حر. ان للدولة دورا اقتصادياً هاماً خلاصته: أ ـ فرض سيادة القانون وحماية حقوق الملكية وكفالة قدسية التعاقد وتوفير آلية عادلة للتقاضي. ب ـ لقد كان الانطباع الشائع هو ان التنمية تقتضي التضحية بالعدالة الاجتماعية لكن التجارب التنموية الناجحة في اليابان وفي شرق آسيا أثبتت ان الاهتمام بالتعليم الأساسي والرعاية الصحية يحدان من الفقر ويدعمان التنمية. ج ــ مهما توافرت الموارد الطبيعية ورؤوس الأموال والتكنولوجيا أو الموارد البشرية فان العامل الحاسم لنجاح التنمية هو تطبيق سياسات مالية ونقدية واستثمارية صحيحة ومستقرة تحمي الملكية, تحتوي التضخم, تخلق الثقة في الإدارة الاقتصادية, تقيم علاقات اقتصادية مساعدة للاستثمار والتبادل التجاري ووجود مؤسسات للخدمة المدنية, القضاء والائتمان تعمل بكفاءة وتحاصر الفساد. د ــ العولمة ظاهرة حتمية يمكن للبلدان الفقيرة الاستفادة من ايجابياتها ولكن ثمة سلبيات ينبغي أن تحمي الدولة اقتصادها الوطني منها., هـ ــ المعونة التنموية سواء التي تأتي من دولة لدولة أو من مصدر اقليمي أو دولي أو التي تأتي من منظمات غير حكومية أو استثمارات خاصة لن تحقق الفوائد التنموية المرجوة إلا إذا كان للبلاد المعنية برنامج أولويات استثمارية صحيح واستطاعت أن تطبق سياسات اقتصادية سليمة. الاقتصاد السوداني ينبغي أن نعترف أن الاقتصاد السوداني سار منذ استقلال البلاد في طريق صحبته بعض الأخطاء وأهمها: أولا: تطور اقتصادي غير متكافئ للقطاع الحديث على حساب القطاع التقليدي الزراعي والرعوي ولصالح القطاع الحضري على حساب الريفي والبدوي. ثانياً: دعم مستويات المعيشة لشرائح القطاع الحديث في المدن مما أفقر الريف وأدى مع عوامل أخرى إلى نزوح غير صحي من الريف إلى المدينة. ثالثاً: توزيع غير عادل للدخل القومي بين قطاعات الشعب السوداني وأقاليم البلاد المختلفة. هذه النتائج هي السبب ضمن عوامل أخرى في التحركات السكانية العشوائية وعن الغبن الاجتماعي وما ترتب عليه من نزاعات. هذه الأخطاء كان وارد التصدى لها إذا كانت الإدارة الاقتصادية للبلاد مساءلة أمام القاعدة الشعبية. ولكن لثلاثة أرباع عمر البلاد منذ الاستقلال تسلطت على البلاد حكومات غير مساءلة واستبدادية. حكومات رسخت تلك الأخطاء وأتت بسلبيات أخرى أهمها: أ ـ التركيز على الحرب كوسيلة لانهاء النزاع الأهلي مما أدى لاستنزاف مالي انعكس سلباً على ميزانية الدولة. ب ــ إقامة الدولة البوليسية وهي بمثابة جبهة قتال داخلية بين الحكومة والشعب المغلوب على أمره. واقتضت تطويراً هائلاً لأجهزة الأمن والإدارة والقمع. فكان لذلك التطوير أثر كبير على زيادة نفقات الدولة. ج ــ هذان العاملان أديا إلى فرط استدانة الحكومة من النظام المصرفي وإلى طبع الأوراق النقدية بلا ضابط مما زاد الكتلة النقدية زيادة سرطانية وقوض قيمة العملة الوطنية. د ــ فرض سياسات ايديولوجية حزبية ضيقة شيوعية في بداية عهد مايو ثم اسلاموية في نهايته وفي عهد (الانقاذ) الحالي أدى إلى تغريب الثروة الوطنية وإلى هجرة الكفاءات السودانية بنسب لم تعهد البلاد لها مثيلاً. هـ ــ في عهدي الدكتاتورية الثانية والثالثة ولأسباب متشابهة تدنى الإنتاج الزراعي والصناعي. و ــ العهد المايوي 69ــ1985م: رهن نفسه في الأو ل للمعسكر الشرقي وفي آخر عهده للمعسكر الغربي مما أتاح له ضمن عوامل أخرى أن يحصل على قروض كبيرة أثقل البلاد بدين خارجي بلغ تسعة مليارات دولار ولم يستغل بطريقة رشيدة فتراكم وما زال يتراكم حتى صار الآن 18 ملياراً. في عهد الدكتاتورية الحالية أضيفت سلبيتان أخريتان هما: أولاً: تطويع الاقتصاد الوطني للفئة الحاكمة ومحاسيبها مما سبب تشويهاً بالغاً للاقتصاد السوداني. ثانياً: قطع علاقات البلاد الاقتصادية الخارجية إلا قليل. أهدافنا الاقتصادية الهدف السياسي ذو العائد الاقتصادي الأول هو انهاء الحرب الأهلية وانهاء الدكتاتورية. وبافتراض تحقيق هذين الهدفين فأهدافنا الاقتصادية هي: أولاًَ: تصحيح النهج الاقتصادي غير المتوازن في اتجاه التنمية والتوازن. وإزالة السلبيات الموروثة عن عهدي الاستبداد الثاني والثالث. ثانياً: ممارسة الدولة لدورها الاقتصادي المذكور آنفاً لايجاد سوق حر حقيقي. ثالثاً: اصلاح مالي يحقق التوازن الداخلي والخارجي. رابعاً: إصلاح نقدي يؤدي لضبط الكتلة النقدية واعادة بناء النظام المصرفي واسترداد قيمة العملة الوطنية وجعل سعر التبادل حقيقياً وحراً. خامساً: اعادة تأهيل البنية التحتية المادية والاجتماعية. سادساً: اعادة تأهيل وحدات الإنتاج الزراعي الحيواني والصناعي. سابعاً: اصلاح الخدمة المدنية واحتواء الفساد. ثامناً: اعادة علاقات البلاد الخارجية والاستفادة منها في: أ ــ استخراج البترول واستغلاله. ب ــ تنفيذ المشروعات القومية المؤجلة المائية والطاقية وفي مجال الطرق والاتصالات. ج ــ الاستفادة من المبادرة الجديدة بشأن الغاء الدين الخارجي للدول الأكثر فقراً. ونعمل على أن يقرر هذا كتشجيع لها إذا هي تخلت عن الدكتاتورية وأقدمت على سياسة اقتصادية رشيدة ويمكن اختيار بداية القرن الجديد لاعلان هذا القرار. د ــ الانتفاع من المبادرة التي أطلقتها وكالات الأمم المتحدة في عام 1996 لانفاق 25 مليار دولار لمحاصرة الفقر في الدول الأفقر ونحن منها. هـ ــ الاستفادة من التوجيه الايجابي الجديد لدى البنك الدولي للتعاون معه لاحتواء الفقر. الأولويات 1ــ العام الأول للبرنامج الاقتصادي هو عام انعاش يركز على الآتي: الاصلاح المالي. الاصلاح النقدي. توفير مدخلات الزراعة. ومدخلات الصناعة. توفير الضرورات الاستهلاكية. اعادة النظر في اجراءات الخوصصة. اعادة النظر في الاتفاقات مع الأطراف الأجنبية وتنظيم الرعاية للشريحة الفقيرة وإقامة إدارة اقتصادية مؤهلة لاكتساب الثقة. 2ــ التطبيع الاقتصادي عبر خطة ثلاثية تحقق الآتي: أ ــ إزالة آثار الحرب. ب ــ إزالة آثار الإنقاذ الاقتصادي. ج ــ تأهيل المشروعات الإنتاجية. د ــ اصلاح الخدمة المدنية وتطويق الفساد. هـ ــ تطوير اقتصاد السوق الحر. و ــ تأهيل البنية التحتية الاجتماعية والمادية. 3ــ وضع خطة للتنمية المستدامة أهدافها: أ ــ تصحيح النهج الاقتصادي على أساس يحقق التنمية والعدالة والتوازن. ب ــ إقامة مشروعات البنية التحتية. ج ــ تحقيق التنمية الزراعية والصناعية. و ــ استقلال الموارد الطبيعية. هـ ــ التكامل الاقليمي. و ــ الانفتاح العالمي. اننا إذ نقر هذا التحليل وهذه الأهداف ندعو لالتفاف القوى السياسية والنقابية حولها والدعوة لمؤتمر اقتصادي قومي ودولي يؤمه متخصصون مؤهلون لانزال هذه القرارات في برنامج اقتصادي محدد السياسات والمؤسسات ومصادر التمويل والتكنولوجيا والكوادر التنفيذية ومواقع الأسواق وكافة ما يكون ورقة عمل للاقتصاد الوطني. رئيس وزراء السودان السابق *

تعليقات

تعليقات