في قضية جارودي لنبحث أوسع وأعمق: بقلم- د. محمد الرميحي

يحاكم الكاتب والمفكر الفرنسي روجيه جارودي اليوم في فرنسا بتهمة الاساءة الى الهيود حيث شكك في كتابه (الاصول الايدلوجية للصهيونية) شكك في اصل محرقة اليهود في المانيا النازية او ماتسميه الادبيات بــ( الهولوكست) وما علاقة الهولوكوست بادعاءات الصهيونية في فلسطين؟ وهل رقم الابادة هو ستة ملايين ام اربعة؟ وهذا التشكيك ليس مقصورا على جارودي فقط كي يحاكم من اجله فقد ظهرت كتابات عديدة في الغرب تقول بهذا المعنى وهي مشابهة ان لم تكن مطابقة لما ذهب اليه جارودي ولايشك احد ان المحرقة قد تمت بالفعل وان لا احد في وعيه الانساني يمكن ان يبرر ما تم في المانيا من ملاحقة وابادة لمجموعة من الاعراق من بينها اليهود الا ان الاختلاف حول حجةم هذه المأساة وحول مبرراتها شيء آخر غير استخدامها السياسي الدائم والذي كرس للتغطية على مأساة اخرى تعرض لها شعب اخر فيما بعد هو الشعب الفلسطيني وليس مجديا في رأىي ان ننكر ما حدث ولكن المجدي هو ان ننظر في الادبيات المختلفة حول الموضوع وكيف يتم مناقشة الموضوع في الاوساط الاكاديمية الغربية فهناك بعد جارودي وقبله كتاب اما ارادوا تضخيم الامر او الاستفادة منه في تعزيز عقدة الذنب الدولية ولنبدأ القصة من اولها. في الساعات الاولى ليوم 13 يوليو سنة 1942 استيقظت مدينة بولندية صغيرة تدعى جوزيفو على اصوات شاحنات تحمل فرقة البوليس الالماني الاحتياطية رقم 101 وكانت الاوامر التي تحملها تلك الفرقة هي ان تقبض على حوالي الف وثمانمائة يهودي يعيشون في المدينة الصغيرة وتقسيمهم الى قسمين الاول من القادرين على العمل بالسخرة والقسم الثاني من غير القادرين ويكون مصيرهم الاعدام وفي النهاية فان الكبار في السن والمرضى والنساء والاطفال تم اعدامهم. بالنسبة لرجال الفرقة 101 فإن هذا العمل هو حل نهائي لما عرف بالمشكلة اليهودية لقد كان عملا مخزيا رغم التعليمات (الانسانية') من طبيب الفرقة حول كيف يجب ان يتم الاعدام في تاريخ الرايخ الثالث ومن وجهة نظر النظام الحاكم في المانيا وقتها كان هذا العمل الذي تم في جوزيفو هو احدى خطوات (تنظيف اليهود) او الحل الامثل للمشكلة اليهودية. بعد نصف قرن تقريبا فإن ذلك كان من الفصول الرئىسية التي اختلف حولها المؤرخون بتساؤلهم عن الاسباب الحقيقية لابادة اليهود في المناطق التي حكمها أو احتلها الرايخ الالماني الثالث. من الشواهد التي جمعت بعد ذلك والتمحيص التاريخي خاصة بعد وضع افراد من الفرقة 101 امام المحاكم في الستينيات لمحاكمتهم على ما اقترفوه ظهر ان هذه الفرقة بعيدة عن التدريب المنظم وليست من الفرق الرسمية للرايخ الثالث معظم افرادها الاربعمائة وستة وثمانين من الرجال العاديين المتطوعيين من مدينة هامبورج الالمانية لم يجبروا على القيام بما قاموا به من قتل بشع, بل كانوا قد اعطوا الخيار بألا يقوموا بالقتل من قبل آمرهم العسكري هذا الخيار الذي استخدمه فقذ اثنا عشر رجلا منهم اما البقية فقد نفذوا العمل الفظيع وفي خلال الستة اشهر اللاحقة قتلت هذه الفرقة ما يقارب من ثمانية وثلاثين الف شخص بنفس الطريقة. ماذا يقول لنا هذا الامر عن المحرقة في المانيا, وقتل اليهود ؟ لقد اختلف الاكاديميون الغربيون حول ذلك وبينهم الان في الغرب معارك اكاديمية ساخنة وصلت الى المحاكم وما قضية جارودي الا واحدة منها فقط المؤرخ دانيل جولدهيجن وهو يهودي من جامعة هارفرد الامريكية نشر كتابا ذاع صيته العام الماضي وعنوانه بتصرف هو (قتلة هتلر المبادرون: دور الالماني العادي في المحرقة) والكتاب من عنوانه ومحتواه يفترض ان الالمان العاديين كانوا شركاء في المحرقة اليهودية وليس النظام النازي وحده, ويشير الكاتب ضمن قصص اخرى الى ماحدث في جوزيفو ولقد قوبل هذا الكتاب بالترحات في اوساط المتعاطفين مع القضية اليهودية في اوروبا ولكن البعض عارض فكرة الكتاب وتحدى الكثير مما جاء به احد المعارضين من الثقات هو رول هايبرج الذي يعتبره البعض مؤرخا لسياسة النازيين تجاه اليهود, وصف الكتاب بأنه يفتقر الى الحقائق الموضوعية وآخرون وصفوا الكتاب بأنه دعائى غير مبني على بحث علمي دقيق, وربما اقسى نقد وجه لكتاب جولدهيجن جاء من روث بيتنا بين استاذة تاريخ الحروب ورئىسة قسم الجرائم ضد الانسانية في وزارة العدل الكندية وهي من المؤرخين الذين استخدموا نفس الوثائق التي جاء بها جون جولدهيجن, فقد نشرت مقالا في المجلة التاريخية اتهمت فيه جولدهيجن (بالاهمال المتعمد لبعض الوثائق الدالة على عكس ما ذهب اليه) بجانب التحريف للحقائق والاستفادة منها لتثبيت وجهة نطرة, وما كتابه الا (رواية تاريخية سيئة) كما تقول والآن تفكر روث مع مؤلف وخبير اخر هو نورمن فنكلستاين (ناقدا اخر لكتاب جولدهيجن) في تأليف كتاب مضاد عنوانه ( محاكمة شعب) ( يدحضان فيه اتهامات جو لدهيجن غير المبررة للشعب الالماني. المعركة ليست تاريخية وليست لبيان من منهم على حق او خطأ المعركة سياسية, فقد وجد بعض الامريكان من اصل الماني وهم كثيرون ان كتاب جولدهيجن هو محاو لة للتضخيم ولتخويف اليهود الامريكان من المواطنين الامريكيين من اصل الماني وان الالمان بصفتهم كأفراد لابد انهم يكرهون اليهود الى حد المشاركة الاهلية في إبادتهم وهو بذلك يعرض السلام الاجتماعي في امريكا للخطر, وعلى الرغم من ان الكتاب قد أثار اللغظ في كل من الولايات المتحدة وكندا فإنه وزع في المكتبات الالمانية وقد شاهدت نسخا منه معروضة في الصيف الماضي في واجهة كبرى المكتبات الالمانية في اكثر من مدينة المانية, ولم يثر الا القليل من النقد لان الخوف السياسي الالماني من إثارة القضية لايزال مترسبا في النفوس وهو خوف لم يعد مبررا اليوم. ولنترك القضايا القانونية بين جولدهيجن ومعارضيه التي وصلت الى رفع دعوى في بريطانيا ايضا, ونعد لقضية جارودي, والقضيتان بينهما علاقة مفاهيم وملابسات فالصهيونية الدولية تريد ان تستثمر موضوع المحرقة, كلما شعرت بأن الرأي العام العالمي قد انحسر تأىىده لها وحتى بين بعض اليهود فلو كان جارودي كاتبا عاديا, وقال ما قاله في كتابه ذلك لما التفت اليه احد, ولكن الامر حدث في فرنسا احد الاماكن القليلة الباقية للنفوذ الصهيوني في اوروبا ان لم يكن من الناحية السياسة, فهي على الاقل من الناحية المعنوية, فهناك محاكمات اخرى تجري في وسط فرنسا (منطقة بوردو) لمايعرف بالمتعاونين مع النازية, خاصة لأولئك المتهمين بتسليم اليهود او الاخبار عنهم ابان الحرب العالمية الثانية ولكن تلك المحاكمات لم تلفت النظر, وفرنسا تحمل تراثا من الشعور بالتقصير, فقد تعاون العديد من الفرنسيين مع النازية, واصبح الامر حساسا, فأي هجوم او نقد على الهولوكست يثير فيهم ردة فعل غير متزنة, اما جارودي نفسه, فهو كاتب مثير للجدل ومعروف عالميا وقضية المحرقة هي من القضايا المقدسة التي يجب الا تمس من وجهة النظر الصهيونية, الا بالموافقة والتأييد لوجهة النظر اليهودية والصهيونية تحديدا لا لأنها ببساطة تغذي اللحمة اليهودية في اسرائىل فقط وتشعر الاسرائىليين بالخوف, ولكن ايضا لاعتبارها وقودا للدعاية الدولية خوفا على (الشعب المضطهد) . الموقف من هذه القضية عربيا ليس في تقديري بهز الرايات والدخول في مغامرة تاريخية مثل التساؤل عما اذا كانت تلك المحرقة قد حدثت ام لم تحدث؟ فهي قد حدثت دون منازع, ولكن السؤال هو كيف حدثت ولأي اسباب وماهي الدروس المستفادة منها. لن ينصفنا كعرب ومدافعين عن الحق الفلسطيني ان نتجاوز التاريخ , وما ينصفنا القول ان اسباب الكره العرقي الذي مارسته السلطة النازية في اوروبا ضد اليهودية وغيرهم من الاعراق, يمارسه بعض اليهود اليوم ضد الفلسطينيين العرب كما ان اولئك المضطهدين انقلبوا من حال ضعف الى محتلين قساة يمارسون اشكالا من العنف المنظم على شعب اعزل هو الشعب الفلسطيني, ويكررون ما جرى لهم من قبل لكن هذه المرة دون خشية من محاكمات او ملاحقة. لذلك فان افضل خدمة نقدمها لجارودي او غيره هي المساعدة في نشر الحقائق من امثال ما تطرقت اليه سابقا المعارك الاكاديمية , حول الموضوع ذاته والتي اراد الناشطون فيها ان يتخلصوا من الخرافة ويبحثوا عن الحقيقة والوصول الى الحقيقة هو بالاعتراف بأن هناك مجازر ارتكبت في السابق ضد اليهود, ولكنهم اليوم ــ اي اليهود ــ يرتكبون المجازر من جديد, وكان انفع لنا نحن العرب ان يؤلف جارودي كتابا عن فظائع اسرائيل الحالية ضد المواطنين الفلسطينيين واللبنانيين العزل كما انه واجب علينا في هذا السياق ان نعيد ما نشرته الابحاث المنصفة مثل ما ذكرت آنفا لاشهار الحقائق, نحن نعرف الكثير الآن عن جارودي ولكننا نعرف القليل عن نشطاء يبحثون عن الحقيقة من امثال روث بيرن ونورمن من فلنكستاين. رئيس تحرير مجلة العربي *

تعليقات

تعليقات